قصر “ابن وردان” في حماة يحيا من جديد.. من صمت القرون إلى نبض الاحتفالات

في وسط بادية حماة السورية، تتربع جوهرة معمارية نادرة تروي فصول التاريخ والبهاء، إنه قصر “ابن وردان”. شيّد هذا القصر في القرن السادس الميلادي في عهد البيزنطيين، ليكون حصناً ومقراً يجمع بين الجمال والفخامة، والقوة والرقي. ما يميز هذا القصر تفرده المعماري، فتصميم القصر مزيج بين الفن البيزنطي والروماني المحلي.
أحجار بازلتية سوداء تتراقص مع الطوب الأحمر لتزين جدرانه في لوحة هندسية مدهشة تعكس عبقرية التصميم في هذا القصر العريق. واليوم، وبعد صموده أمام رياح العصور العاصفة يحتضن من جديد الاحتفاليات والمهرجانات، وتشهد أروقته وساحاته على عراقة التاريخ ورقي الموسيقى، ليغدو هذا القصر ممراً يربط الماضي بالحاضر ويغني قلب مدينة حماة. في هذا المقال سنتعرض قصة هذا القصر وما مرّ به في العصر الحديث وصولاً للاحتفالات التي تحييه في الحاضر.
قصة قصر “ابن وردان” في حماة
نسجت حكايات كثيرة حول هذا القصر، ما زاده ارتباطاً بالتاريخ وبالذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة ولمدينة حماة. كل هذه الحكايات تتقاطع مؤكدةً عراقة هذا القصر وتجذره بتراب البادية على مرّ العصور، فامتزج برمالها وحَرست الشمس حجارته مع كل شروق، وسايره القمر في الليالي المظلمة.
من أحد القصص المروية من السكان المحليين عن القصر، قصة شعبية متوارثة تتحدث عن رؤيا راودت أحد الملوك عن نهاية حياة ابنه الوحيد بلدغة عقرب، ليقوم الملك بعد استشارة حكمائه ووزرائه ببناء القصر من الآجر المشوي، بعد أن جبل طينته بماء الورد المخلوط بالمسك، اعتقاداً منه بقدرة هذه المادة على طرد العقارب، ويروى أن رائحة طيبة مازالت تفوح من المكان في فصل الشتاء وعند هطول الأمطار.
تروي حكايات البادية كذلك، عن قصة حب تداولها سكان ناحية الحمراء غرب الصحراء السورية، عن فتاة يتيمة الأم اسمها “حمدة”، تعمل برعي الأغنام، وكان لها ابن عم يدعى “ديبان”، تكرهه بشدة، وهددها بالقتل إن لم تقبل به زوجاً. وفي أحد الأيام، خرجت الفتاة مع قطيعها، إلى أن وصلت إلى قصر يسمى “ابن وردان”، حيث تركت القطيع يسرح وحيداً واستظلت بجدران القصر المصنوع من الآجر الأحمر، بعد أن أنهكها التعب، واحتمت من الأمطار المنهمرة حتى باغتها النعاس، وبالمصادفة يصل ابن عمها إلى مكان القصر، وعندها وبعد المطر سرت رائحة عطر جدران القصر، وبدأت معها قصة حب أسطورية بين عشيقين، تداولتها العرب عن سحر هذا القصر ولغزه ورائحة عطره الفاتنة، التي تقرب القلوب وتحملها على الألفة.
اقرأ أيضاً: قلعة الحصن: أعجوبة معمارية صمدت ألف عام وأبهرت العالم

موقع القصر وما يضم من أوابد
بناء معماري فريد من نوعه يقع إلى الشرق من مدينة حماة بمسافة 60 كم، بُني بالعهد البيزنطي في القرن السادس الميلادي، أي بفترة حكم الإمبراطور “جوستنيان”، بينما اسم القصر يعود إلى أحد شيوخ القبائل العربية. يتألف المكان من ثلاثة مبان: القصر والكنيسة وثكنة الجند، بنيت من الحجارة السوداء والقرميد المربع. ويقول المعماريون إن الكنيسة تشبه في طرازها كنيسة “سان فيتال” في إيطاليا، التي بناها الإمبراطور “جوستنيان” أيضاً في ذات الوقت.
تتموضع تلك الشواهد التاريخية على مرتفع نصفه طبيعي ونصفه الآخر اصطناعي، بنيت جميعها من الآجر وجملت مساحاتها الداخلية بالرخام على النمط البيزنطي، وشبّه المستشرق الفرنسي “رينيه ديسو” هذه المباني من حيث التركيب ومزج المواد بقصر المشتى شرق الأردن. كما تشير لوحة حجرية على عتبة أحد أبواب القصر إلى تاريخ بنائه عام 564 ميلادية، وتحتها كتابة يونانية قديمة تعني “الكل لجلال الله”، ولوحة أخرى في موضع آخر سجل عليها تاريخ 561 ميلادية. في لمحة عن أوابد القصر، ما يظهر انتظام التصميم وعراقته وتعدد الأغراض المرجوة منه، هذا الصرح العريق يضم:
-
الثكنة
تقع جنوب شرقي القصر والكنيسة، وكان لها سوران بينهما غرف ذات قبب وفي داخلها فناء رحب في وسطه بناء عال ذو طابقين وقبب عدة، لم يتبق منها سوى أجزائها العلوية وباب مدخلها الكبير في الشمال وبعض الأجزاء المتفرقة.
-
الكنيسة
تقع أطلالها غرب القصر مباشرة، ويستقبلنا على باب مدخلها الجنوبي عتب من البازلت منقوش عليها تاريخ بنائها، وعلى المدخل الآخر عبارة “هذا الباب صنعه الله يدخله كل الأبرار”، وعليه عدد كبير من الرموز والخطوط ذات الدلالات الدينية. بنيت على شكل مربع وكان تحتوي على صحن مركزي وممرين جانبين، وتعلوها قبة كبيرة تتركز فوق قناطر تستند إلى دعائم ضخمة وتقدم مثالاً على تقنيات بناء القبة البيزنطية الباكرة. ليطل صحن الكنيسة بشكل متطاول ينتهي بحنية مدورة، وكان ثمة صحون تالية تمتد في كل جانب، وللكنيسة رواق علوي ذو ثلاث قناطر يشرف على داخلها، ولا تزال جدران طابقها السفلي والرواق العلوي وقسم من نصف القبة وقنطرتها الكبرى ماثلة. تشبه الكنيسة العديد من الأبنية التي بنيت في الفترة ذاتها بعهد “يوستنيانوس”، مثل كنيسة “آية صوفيا” في القسطنطينية وكنيسة “سان فيتال” في إيطاليا.
-
دير الأقواس
كان القصر قديماً عبارة عن دير سمي “دير الأقواس”، ثم حول إلى قصر في العهد العثماني، وتشكل جدرانه الخارجية صفوفاً من الأحجار المتباينة الألوان على طريقة تسمى “الأبلق”، بحيث تتناوب ثلاثة مداميك من الأحجار السوداء تعلوها مجموعة صفوف من ألواح الآجر الكبيرة الضاربة للصفرة والمدعمة بملاط قوي، أكسبت البناء إلى جانب الميزة الجمالية صلابة وجودة.
أما جدرانه الداخلية فبنيت من الأحجار الجيرية البيضاء وزينت بالأعمدة الرخامية، وتميزه كثرة أقواسه المبنية بعضها من الحجارة البازلتية وبعضها الآخر من القرميد، إذ جلب البازلت من مناطق بعيدة في الشمال أو الجنوب، ويعتقد أن الأعمدة الرخامية قد أحضرت من أفاميا.
القصر كان عبارة عن بناء مقبب كبير من طابقين مع فناء مركزي وديكور داخلي غني، يتشكل الطابق الأول من أروقة طويلة يتألف كل منها من صفين من الغرف يتصل بعضها ببعض. يقترب بناء القصر كثيراً من طراز المباني الملوكية في القسطنطينية في عهد الإمبراطور البيزنطي “يوستنيانوس” (جستنيان الأول) الذي يُرجّح أنه كلّف المعمار اليوناني “إيزيدور ميليتس” ببنائها. وكان هذا القصر واحداً من الحصون التي بناها الإمبراطور كجزء من محاولته لاستعادة مكانة الإمبراطورية الرومانية كقوة كبرى، فأمر ببناء حصون حدودية للدفاع عن إمبراطوريته، فكان قصر “ابن وردان “جزءاً من خط دفاعي مع الرصافة وحلبية ضد الإمبراطورية الساسانية.
ورد أول وصف للقصر في المجلة الأثرية الكتابية الألمانية المطبوعة في النمسا عام 1884 على يد المستشرق الألماني “جوهان موردتمان”، ثم بدأت بعده مجموعة من السياح بنشر صوره وأوصافه، وجاء الوصف الواسع المستوفي مع نقوش وتصاوير وغيرها في منشورات البعثة الأميركية في جامعة “برنستون “عام 1920.

هجوم “داعش” ونهب القصر .. والرائحة المنبعثة للآن
يروي حارس القصر ما أصاب المبنى من تخريب، بالإضافة إلى ما أصابه بفعل الزلازل، طالته الحرب الأخيرة أيضاً ودمرت أجزاء منه بعد تعرضه للهجوم من أكثر الفصائل المتشددة، تنظيم “داعش”، حيث عاثت فيه تخريباً، ودمرت الجدران والأقواس وحطمت الحجارة التي تحمل الصلبان، إضافةً إلى تعرضه للسرقة والنهب.
كما يقول حارس القصر إن المؤرخين كتبوا حول أهمية القصر التاريخية والمعمارية، وأبرز ما يميزه أن تصميم جدرانه من الطين الممزوج بماء الورد، فكلما هطل المطر أو رش الماء فوقه بعث من بين ثنايا الحجارة رائحة عطرة، ومن القصص والأساطير التي نسجت عن أسرار بناء هذا القصر.
اقرأ أيضاً: معلولا سوريا العتيقة… رحلة عبر الزمن بين الجبال والقداسة
جهود وزارة السياحة السورية .. والاحتفالات المميزة
في الشهور الماضية من العام الحالي، وفي بادرة تهدف إلى إعادة الحياة إلى المواقع الأثرية، استضاف قصر ابن وردان في بادية حماة الشرقية فعالية بعنوان “إرث ضارب في جذور التاريخ“.
شهدت الفعالية، التي أقيمت ضمن فعاليات مهرجان ربيع حماة، مزيجاً من التراث والشعر في موقع يعبق بالحضارات المتعاقبة، وتضمنت الفعالية سباقاً للخيول العربية الأصيلة في قلب البادية، أعقبته أمسية شعرية مميزة. واحتضنت قرية ابن وردان فعالية من فعاليات “ربيع حماة – ربيع النصر” وهذا المهرجان كان بمثابة لفتةٍ للريف الشرقي، وتضمنت هذه الفعالية العديد من الكلمات للمسؤولين في إدارة الشؤون السياسية في حماة. وتخلل الفعالية بناء بيت من الشعر للتعبير عن ثقافة المنطقة واعتزازها بتراثها إلى جانب القهوة العربية الأصيلة التي تمثل جوهر وهوية البادية السورية. وحسب وصف أحد الحضور، في إشارة منه إلى رمزية قصر “ابن وردان” للعشائر والقبائل العربية، وأن لهذا القصر مكانةً مرموقةً في قلوبهم، واصفاً إياه “بواحة البادية”.









