قسد حُلّت.. فهل تنتهي معها اقتصادات الأمر الواقع؟

الكاتب: أحمد علي
أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 25 آب 2026 حلّ «قسد» بعد استكمال ترتيبات دمج مقاتليها ضمن ألوية الجيش السوري. الخبر يبدل الخريطة العسكرية التي حكمت شمال شرقي البلاد سنوات، لكنه لا يمحو في يوم واحد النظام الاقتصادي الذي تشكّل تحت سلطة منفصلة: حقول نفط وغاز، معابر وحدود، جباية محلية، مؤسسات خدمية، عشرات آلاف الوظائف، وأسواق غير رسمية ربطت مناطق السيطرة بعضها ببعض. حلّ الاسم العسكري حدث واضح؛ أما نهاية اقتصاد الأمر الواقع فهي عملية مؤسسية أطول وأكثر عرضة لإعادة إنتاج الريع بأسماء جديدة.
السؤال لذلك ليس ما إذا كانت دمشق ستتسلم الأصول فقط، بل كيف ستُدار عوائدها ومن سيحمي رواتب العاملين وخدمات السكان وكيف ستُغلق قنوات التهريب من دون خنق التجارة اليومية. وإذا جرى الدمج كعملية نقل مفاتيح من نخبة محلية إلى نخبة مركزية، فقد تتغير الجهة التي تجمع الريع ويبقى الاقتصاد نفسه. أما إذا رافقته موازنة موحدة قابلة للتدقيق، وقواعد واضحة للملكية العامة والتعاقد، وضمانات للإدارة المحلية، فيمكن أن يصبح حلّ «قسد» بداية انتقال من اقتصاد السيطرة إلى اقتصاد الدولة.
ما الذي حُلّ تحديداً؟
أفاد الإعلان الرسمي بأن «قسد» انتهت كتشكيل مستقل، وأن وحداتها دخلت بنية الجيش السوري. وهذا يحقق الجزء العسكري من مسار بدأ باتفاقات سابقة نصت على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز للدولة. لكنه لا يعني أن كل إدارة محلية أو جهاز خدمي أو عقد عمل أو علاقة تجارية قد اختفى. فالسلطة العسكرية كانت سقفاً لمنظومة أوسع، بينما تحتاج كل مؤسسة تحت ذلك السقف إلى قرار قانوني وميزانية وسجل موظفين ومسار تسليم منفصل.
التمييز ضروري أيضاً حتى لا توصف كل حياة اقتصادية نشأت خارج سيطرة دمشق بأنها فساد. جزء من هذا الاقتصاد كان خدمات عامة ورواتب وزراعة وتجارة اضطر السكان إلى تنظيمها في فراغ الدولة، وجزء آخر كان ريعاً واحتكاراً وتهريباً استفادت منه شبكات نافذة. المهمة ليست القضاء على النشاط المحلي، بل فرز العام والمنتج منه عن الامتياز القسري وغير الشفاف. من دون هذا الفرز قد تتحول «استعادة الدولة» إلى تعطيل للمؤسسات التي يحتاجها الناس قبل أن يتوافر بديل.
النفط والحبوب: انتقال الأصل لا يكفي
شكّلت حقول رميلان والسويدية ودير الزور، إلى جانب مساحات واسعة من القمح والشعير والسدود، قاعدة مادية لسلطة شمال شرقي سوريا. وتختلف التقديرات الخارجية لحجم الإيرادات النفطية بسبب غياب الحسابات المدققة وتذبذب الإنتاج والأسعار، لكن الاتجاه لا خلاف عليه: الموارد الطبيعية موّلت جانباً كبيراً من الرواتب والأمن والخدمات، وجذبت في الوقت نفسه وسطاء وشبكات نقل وتكرير بدائي وتجارة بين خطوط السيطرة. لهذا فإن تسلم الحقل لا يساوي تسلم سلسلة القيمة كلها.
الدولة تحتاج إلى جرد الإنتاج والمخزون والعقود والآبار المتضررة، ثم نشر طريقة توريد العوائد إلى الخزينة وتخصيص الإنفاق للمناطق المنتجة. وإذا دخلت الإيرادات في صندوق مركزي مغلق، ستنشأ مظلمة محلية وتزداد حوافز البيع خارج القنوات الرسمية. أما تخصيص نسبة معلنة للخدمات وإصلاح البيئة والبنية التحتية في المحافظات المنتجة، ضمن الموازنة الوطنية لا خارجها، فيحوّل المورد من غنيمة سياسية إلى عقد مالي بين المركز والمجتمع المحلي.
المعابر والجباية: أين تنتهي الخزائن الموازية؟
كانت المعابر الخارجية ونقاط العبور الداخلية مصدراً للرسوم وللسلطة في آن واحد. فالجهة التي تحدد التعرفة وتمنح الإذن وتفحص الشحنة لا تجمع المال فحسب، بل تتحكم في أسعار الوقود والغذاء ومدخلات الزراعة. بعد الدمج يصبح توحيد الجمارك والضرائب شرطاً لإزالة الحواجز داخل البلد، لكن تطبيق تعرفة جديدة دفعة واحدة قد يرفع الأسعار أو يقطع إمدادات اعتاد السوق وصولها عبر مسارات مختلفة.
الانتقال المنضبط يبدأ بقائمة منشورة للرسوم وإيصالات رقمية وحساب خزينة واحد، مع فترة قصيرة لتسوية تراخيص المستوردين والتجار. وينبغي إلغاء نقاط الجباية غير القانونية مع فتح طرق نقل نظامية؛ فإغلاق حاجز وترك الطريق التجاري بلا بديل يدفع الشحنة إلى المهرب لا إلى الدولة. النجاح هنا يقاس بانخفاض زمن النقل وتكلفة الوساطة وعدد المدفوعات على الطريق، لا بحجم الأموال التي تجمعها جهة جديدة في الأشهر الأولى.
الموظفون هم الاختبار الأصعب للدمج
وراء كل مؤسسة محلية مدرس وممرض وفني مياه وموظف بلدية وسائق وعامل حقل. اتفاق 30 كانون الثاني شدد على الاحتفاظ بالعاملين المدنيين، لكن تحويل هذا المبدأ إلى راتب مستمر يتطلب مطابقة السجلات والشهادات والعقود والدرجات الوظيفية، ومعالجة من عُيّنوا وفق نظم لا تطابق قانون العاملين في الدولة. إيقاف الرواتب حتى اكتمال التدقيق سيحوّل الانتقال الإداري إلى صدمة دخل ويهدد الخدمات الأساسية.
الحل العملي هو «جسر رواتب» مؤقت لعدة أشهر، تدفع خلاله الأجور مقابل قوائم معلنة وتدقيق لاحق، مع لجنة تظلم تمنع الفصل الجماعي أو التوظيف السياسي. ثم يمكن توحيد السلم الوظيفي والتأمينات وتحديد الوظائف الزائدة بالحوار والتدريب، لا بالاستبعاد الفوري. الدمج الناجح لا يُقاس بعدد الأختام التي تغيرت، بل بقدرة المدرسة والمشفى ومحطة المياه على العمل في اليوم التالي من دون ازدواج رواتب أو فراغ إداري.
الشبكات غير الرسمية لا تحلّ نفسها
نشأت خلال الحرب مصالح حول نقل النفط الخام والمحروقات، وشراء المحاصيل، وتهريب الأشخاص والبضائع، وتبديل العملات، والحماية المسلحة للطرق. بعض هذه الشبكات عابر للجهات المتحاربة ولا يتبع مؤسسة واحدة، وقد يملك شركاء داخل أجهزة رسمية وتجارية في أكثر من منطقة. لذلك فإن اختفاء المظلة العسكرية المحلية قد يضعف جزءاً منها، لكنه قد يدفع جزءاً آخر إلى تغيير الراعي أو اسم الشركة أو مسار الشحنة.
مكافحة هذا الاقتصاد تحتاج إلى أدوات مالية وقضائية، لا حملات أمنية وحدها: الإفصاح عن المستفيد الحقيقي من الشركات، تدقيق عقود النقل والتوريد، تتبع الكميات من البئر إلى المصفاة، حماية المبلغين، ونشر نتائج التحقيقات والمصادرات. وإذا احتكرت مؤسسة أمنية جديدة التراخيص أو التجارة بحجة مكافحة التهريب، فستولد سوق حماية بديلة. السؤال الحاسم ليس من يملك القوة عند الحاجز، بل هل يستطيع التاجر المرور بالقانون من دون شراء نفوذ.
توحيد السوق قد يخفض كلفة ويخلق صدمة
إزالة خطوط التماس تفتح طريقاً أقصر للحبوب والوقود والمواد المصنعة، وتوسع السوق أمام المنتج في الحسكة والرقة ودير الزور. لكنها تكشف أيضاً فروق الأسعار والأجور والدعم والضرائب وسعر الصرف التي تراكمت بين المناطق. توحيد هذه القواعد فوراً قد يفيد مستهلكاً ويضر منتجاً، أو يخفض سعر سلعة ويرفع أخرى، وخصوصاً إذا تغيرت كلفة الطاقة والنقل قبل تحسن الإنتاج.
لهذا تحتاج الحكومة إلى لوحة أسبوعية للأسعار والكميات والمخزون، وإلى جدول زمني معلن لتوحيد الرسوم وسياسات شراء القمح وتسعير المحروقات. ويمكن استخدام تحويلات مؤقتة للأسر الأشد هشاشة بدلاً من إبقاء فروق أسعار غامضة يستفيد منها الوسطاء. الاقتصاد الوطني لا يتوحد بقرار نقدي أو جمركي منفرد، بل بتقارب تدريجي في القواعد مع حماية الدخل والخدمة خلال مرحلة التصحيح.
المركزية الكاملة قد تعيد إنتاج المشكلة
ينص مسار الدمج على عودة مؤسسات الدولة مع مراعاة الخصوصية المحلية، لكن معنى هذه العبارة سيحدد شكل الاقتصاد بعد «قسد». فإذا فقدت المجالس المحلية أي صلاحية في التخطيط والإنفاق، ستصبح القرارات البسيطة رهينة المركز وتزداد المسافة بين دافع الضريبة والخدمة التي يتلقاها. وإذا بقيت جزر مالية مستقلة بلا رقابة وطنية، يستمر ازدواج الدولة تحت مسمى جديد.
المعادلة الأكثر استقراراً هي لامركزية مالية منضبطة: معايير وطنية للضرائب والمحاسبة والحقوق، وموازنات محلية معلنة، وصلاحيات فعلية في الخدمات والتنمية، وآلية عادلة لتوزيع الإيرادات بين المناطق الغنية بالموارد والأكثر احتياجاً. كما أن إشراك العرب والكرد والسريان وسائر المكونات في الرقابة والتوظيف يقلل تحويل الاقتصاد إلى أداة غلبة. وحدة الخزينة لا تتعارض مع قرب القرار من السكان إذا كانت القواعد شفافة.
كيف نعرف أن اقتصاد الأمر الواقع يتراجع؟
يمكن رصد الانتقال عبر مؤشرات قابلة للقياس: نشر حجم إنتاج النفط وإيراده، اختفاء الرسوم غير القانونية على الطرق، انتظام رواتب العاملين، توحيد سجلات الشركات والجمارك، انخفاض فارق أسعار الوقود والحبوب بين المحافظات، وارتفاع الإنفاق على المياه والكهرباء والصحة في المناطق المنتجة. كما ينبغي مراقبة عدد العقود التي تمنح بالمنافسة، وحالات تضارب المصالح، ووقت تخليص الشحنة عبر المعبر.
إذا تحسنت هذه المؤشرات، يكون حلّ «قسد» قد بدأ يفكك اقتصاد السلطة المنفصلة. وإذا تغيرت الرايات وبقيت الإيرادات سرية والتراخيص محصورة والرواتب رهينة الولاء، فسيكون البلد قد وحّد الشكل لا القواعد. المرحلة المقبلة تحتاج إلى تقرير انتقال مالي دوري يشرح ما تسلمته الدولة وما أنفقته وما تعثر، لأن الغموض هو البيئة التي تنمو فيها اقتصادات الأمر الواقع مهما كان اسم الجهة المسيطرة.
حلّ «قسد» شرط مهم لإنهاء ازدواج السلطة في شمال شرقي سوريا، لكنه ليس مرادفاً لنهاية اقتصادات الأمر الواقع. الموارد والمؤسسات والوظائف والأسواق غير الرسمية لها أعمار أطول من التشكيلات العسكرية، ويمكن أن تنتقل إلى رعاة جدد إذا لم تُدمج بقواعد مالية وقانونية واضحة.
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة ستجعل النفط والمعابر والضرائب مالاً عاماً قابلاً للتدقيق، وتحمي العامل والخدمة، وتمنح السكان دوراً في الإنفاق المحلي، وتفتح التجارة النظامية أمام الجميع. عندها فقط يصبح حلّ القوة المستقلة انتقالاً اقتصادياً؛ وإلا ستكون النتيجة استبدال اقتصاد أمر واقع محلي باقتصاد ريع مركزي.
اقرأ أيضاً: أين وصل اتفاق دمشق وقسد الآن وهل من خلافات؟!









