قرية داحس .. التراث المنسي في سوريا

قرية داحس المَنسية، أحد أوابد سوريا التاريخية تقع على أرض منفتحة يحتضنها جبل “باريشا” الصامد منذ العصور البيزنطية، انهالت عليها دراسات علماء الآثار الفرنسيين، وتصنف على أنها من القرى القليلة القابلة لإجراء تنقيبات ودراسات علمية فيها. هذه القرية الوادعة التي بقيت مأهولة حتى العصور الوسطى بفعل مواردها الزراعية الغنية، وتضمن “كاتدرائيتين” وإلى الجنوب الغربي منها على بعد 700 متر يطل علينا دير وفندق.
داحس المنسية، سيكشف عنها مقالنا ويبرز روعتها وقيمتها العريقة.
موقع قرية داحس في سوريا وتاريخها القيّم
للوصول إلى “داحس” علينا التوجه لشمال مدينة إدلب بحوالي 40 كم وأن نحازي الطرف الشمالي من جبل “باريشا” وهناك بالقرب من طريق حلب – حارم تتربع “داحس” وآثارها أكبر قرى جبل “باريشا” الأثرية، وتفترش آثارها مساحةً كبيرة من المكان بين حقول الزيتون، لتعانق الآثار أغصان الزيتون ولتكون تلك الشجيرات شاهدة على هذه الأوابد التاريخية وعلى عراقة وقدم المنطقة التي احتوت حضارة عاشت منذ آلاف السنين.
وفق التنقيبات والاكتشافات الأثرية، ازدهرت الحياة في “داحس” في العهد الروماني مع نهاية القرن الأول الميلادي وتابعت ازدهارها خلال القرن الرابع حيث شهدت تطوراً كبيراً خلال تلك الفترة وتحولت فيها إلى مركز تجاري وديني لتبلغ مجد ازدهارها في القرن السادس، حيث بلغت أوج حضارتها وتطورها العمراني.
والآثار حتى اليوم لا تزال ماثلة للعيان وبحالة جيدة. اشتهرت بمعاصر زيتون التي يزيد عددها على ثلاثين معصرة اكتشف منها 19 معصرة لغاية العام 2010، وذلك من قبل البعثة الفرنسية التي تنقب بالموقع وهي معاصر تعود للعصر البيزنطي بعضها مخصص للزيتون والآخر للعنب.
تتركز تلك المعاصر في منتصف الموقع الأثري، وتجاور الكنيسة الغربية لتخبرنا عن نمط الحياة والرفاهية التي عاشها أهلها، وبسبب وجود المحاصيل الزراعية ونظراً لموقعها الجغرافي وقربها من الطريق الواصل إلى “إنطاكية” نصّبت “داحس” نفسها مركزاً تجارياً واقتصادياً مهماً، ما ساعدها على إقامة تجارة مع المدن والمناطق المجاورة وخاصة “إنطاكية” و”حلب” و”قنسرين”. والساحة الكبيرة في المنتصف تروي مكانتها التجارية، فكانت سوق المدينة، عرض فيها التجار بضاعتهم تحت الأروقة المحيطة بها وهي مقسمة بجدران فاصلة قسمتها إلى ثلاثة أجزاء وفي طرفها الشرقي بناء أطلق عليه اسم “أندرون”.
اقرأ أيضاً: تل التويني في جبلة وحكايته من عصر البرونز والحديد
أوابد القرية التاريخية شاهدة على عراقة العمران وقِدم الحضارة
المشهد الطبيعي المحيط بتلك الأوابد عكس تَجذّر تلك الآثار بالأرض، واحتضان الأرض لها، ما جعل من المواقع الأثرية “بداحس” قِبلة استقطبت اهتمام الزوار والسياح من بعد الاكتشافات التي تمت فيها وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لهذه المنطقة الغنية بالآثار تتميز المنطقة المحيطة بالموقع بخصوبة عالية، إذ تشكلت عدة حفر على الهضبة الكارستية، المليئة بتربة من الحجر الجيري الأحمر العميق (تيرا روسا).
كتب “ميلكيور دي فوغيه Meilleur de Fougeré” أول وصف علمي لمدينة “داحس” بعد زيارته لها عام 1861. وخلال رحلة استكشافية بتكليف من “جامعة برينستون Princeton”، قام “هوارد كروسبي بتلر Howard Crosby Butler” باستكشاف الموقع عامي 1899 و1900، ونشر وصف مختصر للكنائس والمباني السكنية. أبرز المعالم الأثرية للقرية:
-
الكنيسة
كانت الكنيسة عبارة عن “بازيليكا” (هي نوع من المباني التاريخية لها تصميم معماري محدد) مقنطرة ذات أعمدة ذات مذبح مستطيل وغرف جانبية بجدار شرقي مستقيم. كان لها باب مدخل في الغرب وبابان في كل من الواجهتين الشمالية والجنوبية. كانت جدران الصحن مدعومة بأربعة أعمدة.
كانت هناك مقاطع بسيطة فقط تحيط بالأبواب في الجنوب والغرب، وكان القوس المستدير في الحنية أملساً ولم يكن به أي زخارف، وتُنسب تيجان الأعمدة المحفوظة بالكامل إلى الأنماط المعمارية التالية: “التوسكانية والكورنثية والكورنثية والأيونية”.
والغرفة الجانبية الجنوبية كانت المقبرة، أما المنصة المبنية من الطوب في وسط الكنيسة، فكانت تُستخدم كمكان لتجمع رجال الدين أثناء الصلوات.
وفي فترة لاحقة، أُضيفت غرفة معمودية إلى الزاوية الجنوبية الشرقية. وقد صمم المهندس المعماري “يوحنان” هذه الكنيسة الصغيرة. ولا يزال الجداران الشمالي والجنوبي قائمين باستثناء بعض الطبقات الحجرية العلوية، لم يبقَ إلا الجزء السفلي من الواجهة الشرقية.
في الداخل، لا تزال الجدران الجانبية للمذبح محفوظة حتى منتصف ارتفاعها، وكذلك الجدار الغربي للغرفة الجانبية الشمالية. ومدخل الضريح يتكون من قوس دائري، لا تزال أعمدته قائمة. أُعيد بناء المبنى بأكمله على نطاق واسع عدة مرات، ويتجلى ذلك في تقنيات البناء المختلفة ووجود العديد من فواصل البناء على الجدران الخارجية.
بعض تيجان الأعمدة في الصحن “كورنثية ” الطراز، بأوراق “أكانتوس” (هي أوراق نباتية تستخدم كثيراً في الزخرفة المعمارية والنحت، خاصة في العمارة الكلاسيكية اليونانية والرومانية)، وكانت تبدو ناعمة أو مُفصّلة.
تاج العمود الجنوبي الشرقي المتبقي هو أيضاً “كورنثي” الطراز، بأوراق أكانتوس منحوتة بدقة. نجا تاجان من الجدار العالي للصحن الشمالي المركزي ، وبقي تاج ثالث كقطعة.

-
قوس النصر
يكمل حرم الكنيسة، مُدعّم بأعمدة، تصميم هذه الوحدة الزخرفية يشير إلى نماذج كنيسة “فوكاس” في باصوفان شمال سوريا (المؤرخة عام 492). وبالمقارنة مع كنيسة “بتير” (المؤرخة عام 471)، فإن أشكال التيجان مبسّطة بشكل “جزئي وتخطيطي” حسب الوصف الأثري، وتُعتبر تطويراً إضافياً. لذلك، يُحتمل أن فترة البناء تعود إلى أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس.
-
الدير
لم يتبقَ من مجمع الدير السابق سوى برج قائم بذاته، وبقايا كنيسة، و”باندوخيون” (نزل للحجاج)، وقد درس “جان لوك بيسكوب Jean-Luc Bescop” الدير، وقدّمه في دراسة عام 1997، ويميّز بين فترة بناء أولية في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، ومرحلتي إعادة بناء لاحقتين، حيث تمت إعادة هيكلة المجمع بأكمله بالكامل في القرن السادس.
اقرأ أيضاً: قلعة القوز احتضان للتاريخ وحكايات مع البحر

أهمية القرية الأثرية وسبب رمزيتها
داحس من المواقع الأثرية الهامة في محافظة “إدلب” بفضل ما تضّمه من آثار وأوابد غنية بزخارفها تحكي عراقتها ورقيها والتقدم الحضاري التي عاشته آنذاك.
وما بقي شاهداً على تلك الفترة من “بيوت سكنية وفنادق وكنائس ومعاصر وأديرة وأبراج ومدافن”، قدّم صورة مكتملة عن نمط وشكل وطبيعة الحياة والعيش في تلك الفترة.
كما قدّمت التنظيم العمراني الذي ساد وبرز فيها، وهذه القرية صنعت من مكانتها وما تحويه من معالم نقطة جذب سياحية إلى هذه المنطقة الغنية بالأوابد الأثرية، فإن تنظيم الرحلات السياحية إليها وإقامة استثمارات سياحية يمكن له أن يساهم في إنعاش المنطقة وتنميتها.
اقرأ أيضاً: «قلعة حلب» رمز العنفوان رغم كُروب الزمان
ختاماً، “داحس” تلك القرية الأثرية في الشمال السوري والواقعة على مفترق طريق تجاري هام، لا يجب أن تكون طيّ النسيان كما حالها الآن، فها هي أعمدتها شامخة وحجارتها موجودة لتعبر عن المشهد الحضاري والثقل التجاري الذي ثبت جذوره في المنطقة آنذاك. على وزارة السياحة في البلاد الاهتمام بها وحفظ آثارها ونشر تاريخها فسوريا مهد الحضارات ومنبع التراث وحاضنة الأوابد.









