المجتمع السوري

قرار منع الآلات الموسيقية: قوانين النظام البائد تربك وضع الموسيقى

بقلم هلا يوسف

في كل مرة تصدر تعميمات من جهات رسمية أو تُسرَّب على صفحات التواصل الاجتماعي لتثير الجدل بين المواطنين، ومن ثم يخرج وزير أو نقيب لينفي صحة ما تم نشره، ويحيل التعميم إلى الدراسة. فمنذ أيام فقط صدر تعميم من مدير الثروة السمكية حول لباس الموظفات، وأثار الجدل بشكل كبير. واليوم انتشر تعميم صادر عن نقابة الفنانين فرع طرطوس حول منع دخول الآلات الموسيقية مع الفرق الفنية القادمة من الخارج. والمشكلة أن معظم هذه القرارات تستند إلى مواد موجودة في الدستور السوري. وهذا ما يجعل موقف المؤيد والمعارض لهذه القرارات ضعيفاً. فما قصة تعميم النقابة؟ وما هي مشكلة الموسيقى في سوريا؟

منع قديم ظهر مجدداً بعد جدل حول تعميم نقابي

مع التحرير بدأ الحديث عن شكاوى تكررت من موسيقيين سوريين حول صعوبة إدخال الآلات الموسيقية، حيث تحدثوا عن صعوبات واجهوها عند محاولة إدخال آلاتهم الموسيقية عبر الحدود، سواء عبر المعابر البرية أو المطارات. ومع غياب إعلان واضح عن قانون جديد يمنع الاستيراد، بقي قرار المنع أو السماح بدخولها مرهوناً بالحظوظ التي تقابل الموسيقيين.

وقد عاد هذا الجدل مرة أخرى بعد نشر التعميم رقم 31 على الصفحة الرسمية لفرع نقابة الفنانين في طرطوس، وتضمن توجيهًا يقضي باستقدام الفرق الفنية العربية من دون الآلات الموسيقية. وما هي إلا ساعات حتى انتشر التعميم كالنار في الهشيم وسط ردود فعل واسعة من قبل المواطنين، قبل أن يتم حذفه من الصفحة.

ولمعرفة حقيقة التعميم، نفى نقيب الفنانين مازن الناطور صحة التعميم، وقال إنه غير صحيح، وسيتم فتح تحقيق للوقوف على ملابسات نشره ومن ثم حذفه، خصوصاً أن الوثيقة المنشورة كانت تحمل ختم النقابة وتوقيع النقيب الناطور. إلا أن النقابة عادت فيما بعد لتوضح أن الأمر لا يتعلق بقرار جديد، وإنما بتعليمات وقرارات جمركية قائمة منذ سنوات تمنع إدخال الآلات الموسيقية إلى البلاد.

وأوضحت النقابة أن تعديل هذا الوضع يحتاج إلى تغيير النص القانوني المنظم للقرار، وهو أمر لا تملكه النقابة وحدها، بل يتطلب إجراءات رسمية من الجهات المختصة وعرض الأمر على مجلس الشعب.

وبذلك نكتشف أن الجدل الآن لم يعد مرتبطاً بالتعميم فقط، بل بالقانون القديم الذي ينظمه، وطريقة تنظيم دخول الآلات الموسيقية وحركة الفنانين والفرق الفنية.

بين الحاجة إلى الموافقات وصعوبة استخدام الآلات الشخصية

لا تبدو المشكلة بسيطة بالنسبة للموسيقيين، لأنها تؤثر على عملهم وحياتهم اليومية. فبعض الفنانين فوجئوا عند الحدود بضرورة الحصول على موافقات خاصة حتى يتمكنوا من إدخال آلاتهم التي يستخدمونها في أعمالهم وحفلاتهم.

وفي هذا الخصوص تحدث الموسيقي طارق خوري عن تجربته الشخصية، وقال إنه طُلب منه الحصول على تصريح من نقابة الفنانين ووزارة الثقافة لإدخال آلته الموسيقية، مما يوضح حجم التعقيد الذي قد يواجهه الموسيقي عندما لا تكون هناك إجراءات واضحة ومعلنة تنظم التعامل مع الآلات الشخصية.

بينما أكدت نقابة الفنانين أنها تحاول معالجة هذه الصعوبات، وأوضحت نقطة مهمة، وهي أن الفنانين المنتسبين إليها لا يواجهون عادة مشكلات كبيرة، لأنها تتولى مخاطبة الجهات المختصة عند الحاجة. كما تعمل على مساعدة الموسيقيين غير الأعضاء من خلال إرسال كتب رسمية لتسهيل إدخال آلاتهم أو إخراجها.

أما الفرق الفنية العربية والأجنبية التي ترغب بإقامة حفلات في سوريا، فتعمل النقابة على إيجاد حلول عبر اعتماد نظام “الإدخال المؤقت”، بحيث تدخل الآلات إلى البلاد لفترة محددة ثم تغادر بعد انتهاء النشاط الفني، وبذلك لا يتم الإخلال بالإجراءات الجمركية.

بين حماية الصناعة المحلية وتأثير القيود على المشهد الفني

إذا أردنا العودة إلى أصل هذا التعميم، فيجب أن نعود إلى عام 2019 عندما تم إصدار قرار يتعلق بمنع إدخال أو استيراد الآلات الموسيقية، وما تزال هذه الإجراءات مطبقة حتى اليوم. أما عن أسباب هذا المنع، فتقول جهات مرتبطة بالمنافذ والجمارك إن الهدف من هذه الإجراءات يرتبط بدعم الصناعات المحلية.

وفي الوقت الذي ترى فيه النقابة أنها تنفذ القانون ليس أكثر، يرى موسيقيون أن هذه القيود تحتاج إلى مراجعة، لأن الآلات الموسيقية ليست مجرد منتجات تجارية، بل أدوات أساسية للعمل الفني والتعليم الموسيقي. فالعازف يحتاج إلى آلة مناسبة حتى يتمكن من التدريب وتقديم الحفلات وتطوير مستواه، كما تحتاج المعاهد والفرق الموسيقية إلى معدات حديثة تواكب التطور العالمي.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية، فبينما تهدف بعض الإجراءات إلى حماية الإنتاج المحلي، فإن تطبيقها بشكل واسع قد ينعكس على قطاع يحتاج أصلاً إلى الكثير من الدعم والانفتاح. لذلك انتقل النقاش من التعميم إلى كيفية بناء بيئة فنية قادرة على مواجهة التحديات ومواكبة التطور الموسيقي العالمي.

إنعاش الموسيقا السورية يحتاج إلى رؤية أوسع

يرى العاملون في المجال الموسيقي أن حل مشكلة الاستيراد خطوة مهمة، لكنها غير كافية لوحدها. فالموسيقا السورية تحتاج إلى مشاريع متكاملة تعيد لها حضورها وتستثمر الطاقات الموجودة.

وتعليقًا على الفكرة، يرى المايسترو عدنان فتح الله أن المرحلة الحالية تمثل فرصة للاستفادة من الانفتاح السياسي والتعاون مع الدول العربية وتركيا وأوروبا، سواء عن طريق توقيع اتفاقيات ثقافية أو استقدام خبراء للتدريس في المعهد العالي للموسيقا، بالإضافة إلى تنظيم ورشات عمل مشتركة تساعد على تطوير الخبرات.

كما يشدد على أهمية فتح حركة الاستيراد والتصدير أمام الآلات والمعدات الموسيقية الحديثة، لأنها جزء أساسي من تطوير التعليم الموسيقي وتأهيل الأجيال الجديدة.

ويرى أيضاً أن الموسيقا يجب أن تكون حاضرة في الفعاليات الكبرى مثل المعارض والمؤتمرات، خاصة أن سوريا تمتلك تجربة مميزة في مجال الأوركسترا التي تضم كادراً سورياً بالكامل، وهذه نقطة يجب أن نفتخر بها ونبني عليها الخطوات القادمة.

ومن الخطوات الضرورية أيضاً تأسيس شركات إنتاج موسيقي متخصصة، تكون شبيهة بشركات الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني، لتوفير فرص عمل للمواهب والخريجين، ودعم المؤلفين الموسيقيين الذين يمتلكون قدرات كبيرة لكنهم لا يجدون دائماً المساحة المناسبة لإنتاج أعمالهم.

في النهاية، قرار منع دخول الآلات الموسيقية مع الفرق العربية يفتح تساؤلات كثيرة حول من يثير البلبلة بشأن قرارات موجودة أصلًا في القانون، وأيضاً يثير التساؤل حول حجم معرفة المسؤولين بالقانون الخاص بعملهم، فهل يعقل أن يدير شخص جهة رسمية دون أن يعرف قوانينها؟ وفي كافة الأحوال، الموضوع تخطى القرار ودخل في حيز تطوير الموسيقى السورية وطريقة تطويرها ومشكلاتها الواجب حلها.

اقرأ أيضاً: تخريب معهد الموسيقى الوطني بدمشق..القصة الحقيقية الكاملة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى