قرار سحب الليرة التركية في الشمال السوري… إصلاح أم بذرة فوضى؟

بقلم: ديانا الصالح
ارتبط واقع التعامل بالليرة التركية بمناطق شمال غربي البلاد، وهذا ما كان يزيد من الفجوة بين السياسة النقدية الرسمية والواقع في تلك المناطق، وعلى الرغم من الثقة التي تتمتع بها العملة البديلة للوطنية، إلا أنها كانت تفرض تعاملاً معقداً على الأهالي، ولم تغير شيئاً من واقع القدرة الشرائية أو مشاكل ارتفاع الأسعار.
ورغم التوجهات الأخيرة في إدلب لإعادة توحيد التعامل المالي، وإلزام المؤسسات بالتعامل بالليرة السورية، إلا أن ذلك لم يجدِ نفعاً على النطاق الواسع، فغالبية المعاملات كانت تتم بالعملات البديلة للوطنية إما التركية أو الدولار.
أما اليوم، فيبدو الوضع مختلفاً مع إعلان افتتاح فرع لمصرف سوريا المركزي في محافظة إدلب، بعد غياب سنوات طويلة تعدت الـ 10 أعوام، ويأتي ذلك بالتزامن مع الكشف عن خطة تهدف إلى سحب الليرة التركية تدريجياً من شمال غربي البلاد.
ولكن هل يمكن لسحب العملة التركية من التداول، مع استمرار التعامل بالدولار أن يحقق الغاية الاستراتيجية من هذه الخطة؟ وماذا عن بناء الثقة بالعملة السورية؟
سحب الليرة التركية تدريجياً
لا تزال الثقة بالليرة السورية متراجعةً، خاصةً مع فقدانها لنحو 90% من قيمتها، هذا ما يدفع المواطن السوري إلى تخزين مدخراته بعملات أخرى أكثر استقراراً، مثل العملة التركية والدولار أو الذهب، ما يجعل خطوة السحب التدريجي محط أنظار خبراء الاقتصاد، الذين ينقسمون بدورهم ما بين مؤيد ومشكك بمدى جدواها خلال الوقت الحالي.
الجدير بالذكر، أن حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، أعلن عن خطة السحب التدريجي لليرة التركية، دون توضيح الآليات التي ستتُبع لتعزيز هذه الخطوة، دون إرباك السوق وذبذبة الأسعار، مشيراً إلى أن هذا التوجه نتاج لتفاهمات مع الجانب التركي على الآليات التنفيذية.
على الرغم من أهمية هذه الخطوة إلا أن الضبابية في تفاصيل التنفيذ، تجعلها تثير حالةً من الإرباك في السوق، خاصةً في هذا الوقت الذي تعاني فيه سوريا من عدة تحديات اقتصادية، كتراجع الإنتاج المحلي عموماً وضعف البنية الاقتصادية.
استعادة القيمة أم مزيد من الضغط؟
وفقاً للأهداف المُعلنة، فإن سحب الليرة التركية يأتي لاستعادة السيادة النقدية والعمل على توحيد سياسات الصرف، وذلك لاستعادة قيمة الليرة السورية، وتقليص حالة التعدد النقدي التي تشهدها أسواق شمال غربي البلاد، فهل هذا وحده يُسهم في ضبط الاستقرار المالي؟
العديد من الخبراء الاقتصاديين علقوا على هذا الموضوع، فمنهم من رأى فيه بدايةً حقيقيةً لإعادة دمج محافظة إدلب في كينونة الاقتصاد الوطني، بالتالي يزيد الطلب على العملة المحلية وترتفع قيمتها.
وفي هذا السياق، يعتقد الباحث الاقتصادي حيان حبابا أن التحول من الليرة السورية إلى التركية، كان ردة فعل على عدم استقرار العملة المحلية، ومحاولةً للتكيف المؤقت مع الظروف، وقد رافق هذا التحول اضطرابات واسعة في السوق، فالاعتماد على نظام السوق الحر دون تنظيم كافٍ للأسعار، كوّن بيئة نقدية هشّة.
هل يكفي السحب؟
ولكن هل يكفي السحب؟ المحاولات السابقة لإعادة إحياء تداول الليرة السورية في إدلب، سواء بالرواتب أو غيرها، أظهرت مشكلةً عميقةً تتمحور حول انعدام ثقة المواطن بعملته المحلية، فمن الطبيعي برأي خبراء الاقتصاد أن يتحول المواطنون إلى الادخار بالدولار أو الذهب، كبديل أكثر منطقيةً في ظل تقلبات الليرة السورية وتراجعها.
عازين رأيهم لعدم إرفاق هذه التوجهات بسياسات نقدية قادرة على الإصلاح سواء عبر تغطية التضخم وإعادة بناء الثقة بالعملة المحلية، وضمان عدم اللجوء الجماعي نحو التحوط بالدولار أو الذهب، فهذا سيشكل المزيد من الضغط على الليرة السورية، كما أن هناك مشكلة أخرى تتمثل بمخزون الليرة التركية فهو أقل من الدولار.
وهذا ما يراه الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد في تصريحه لجريدة الوطن، حيث أكد أن القرار يمكن أن يؤدي إلى صدمة الطلب على الدولار الأمريكي، كون القرار يخص سحب الليرة التركية فقط، محذراً من لجوء المواطن إلى استبدال التركية بالدولار كونه الأكثر ثقةً، وهو ما سيشكل قفزة في سعره مقابل الليرة السورية.
فعلى الرغم من تدهور قيمة الليرة التركية، إلا أنها الخيار الأفضل للادخار مقارنةً بالليرة السورية بالنسبة لملايين المواطنين في الشمال السوري، وفقاً لرأي الباحث محمد، بالتالي من البديهي أن يلجأ العديد إلى تحويل مدخراتهم للدولار أو الذهب.
يبدو أن هذه الخطوة تمثل إرباكاً للسوق، ما لم تُرافقها خطوات أكثر نجاعةً لتحسين السياسة النقدية، وفي هذا الصدد، يرى الباحث محمد أن هناك عدة إصلاحات جوهرية شبه مستحيلة، ولكن نجاح القرار يتوقف عليها، وفقاً لوصفه، وهي كما يلي:
- استعادة الثقة بالعملة الوطنية
- توفير بدائل يمكن الوثوق بها للتحوط والتخزين بالليرة السورية
- فرض رقابة وقواعد صارمة لضبط حركة الأموال
هل العملة التركية أكثر أماناً؟
من فرضية الليرة السورية التي يُراد إعادة تعزيزها، إلى الاستخدام الفعلي للعملات الأخرى، يطرح التساؤل نفسه: هل فعلاً كانت الليرة التركية، رغم ما يحيط بها من جدل، أكثر أماناً واستقراراً في نظر المتعاملين خلال الفترة السابقة؟
وفقاً لقراءات في السوق المالية، فإن استخدام الليرة التركية في الشمال السوري كان مجدياً إلى حدّ ما، وإن لم يكن بشكل مثالي، فالعملة التركية ذاتها شهدت تضخماً ملحوظاً وانهياراً حاداً خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى فقدان جزء من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي.
ولكن بالنسبة لتداولها في سوريا، يُعد أجدى من التعامل بالليرة السورية التي فقدت 90% من قيمتها، التي لا يمكن التنبؤ بمتغيراتها، بينما تقلبات الليرة التركية فتراجعها أقل وطأة وأبطأ كما أنها قابلة للتنبؤ أكثر.
بعبارة أخرى، التعامل مع عملة تفقد قيمتها تدريجياً خيار أفضل من عملة تنهار فجأة، هذه هي الفرضية التي يتبعها العديد من التجار المتعاملين بالعملة التركية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن بداية استخدام الليرة التركية في الشمال السوري، بدأ بعام 2020، عندما وصل الدولار إلى مستويات قياسية.
يمكن القول إن خطوة سحب الليرة التركية وتعزيز حضور مصرف سوريا المركزي، تحتاج إلى المزيد من الإصلاحات، لا سيما مع تعدد العملات، وضعف الثقة بالليرة السورية، وتداخل العوامل المحلية، التي تجعل أي تغيير في بنية التداول النقدي عمليةً معقدةً ومفتوحة على احتمالات متناقضة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لسحب عملة متداولة أن ينجح في تعزيز قيمة الليرة السورية، دون إصلاح أعمق يمس جذور الأزمة النقدية نفسها؟
اقرأ أيضاً: الاحتياطيات والذهب تحت الاختبار: ماذا يعني اتفاق مصرف سوريا مع البنك الدولي؟









