قرار إعفاء مدير هيئة الثروة السمكية يفتح نقاش التفويض والصلاحيات!

بقلم هلا يوسف
لم يمر قرار وزارة الزراعة بإعفاء مدير عام الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية إياد خضرو، وتكليف الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله بدلاً منه مرور الكرام. فبعد صدوره مباشرة تحولت القضية إلى نقاش قانوني وإداري كبير، كشف من ورائه عن تخبط كبير في الصلاحيات، وعدم وضوح في الاختصاصات. وفي الوقت الذي توقع وزير الزراعة أن الأمر انتهى بصدور قراره الجديد، وجدت الوزارة والهيئة أنفسهما أمام تضارب في الصلاحيات، فبينما تمسك مدير الهيئة برفض القرار الوزاري، يجب على الوزارة أن تترك الكلمة الفصل للقضاء الإداري. لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل تفتح باب النقاش حول أهمية تحديد الصلاحيات، ومدى مشروعية إقالة وزارة لمدير عام.
ماذا حدث بالضبط؟
بدأت المشكلة بقرار وزارة الزراعة إعفاء إياد خضرو من منصبه كمدير عام للهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، وتكليف الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله بإدارة الهيئة بدلاً له. إلا أن الصفحة الرسمية للهيئة لم تتعامل مع القرار باعتباره تغييراً إدارياً عادياً، بل نشرت بياناً رفضت فيه القرار، واستندت في رفضها على المادة الثامنة من القانون رقم 11 لعام 2021، الخاص بإحداث الهيئة.
وبحسب فهم الهيئة لهذه المادة، فإن تعيين المدير العام أو إعفاءه يتم بمرسوم، بناءً على اقتراح الوزير، وهذا يعني بحسب رأيها أن إصدار القرار النهائي لا يدخل، ضمن الصلاحيات المباشرة لوزير الزراعة.
وأكدت الهيئة أن موقفها ليس نابعاً من رأيها بشخص المدير الجديد المكلف، ولا يعني هروباً من المسؤولية وإنما يأتي دفاعاً عن مبدأ المشروعية واحترام الاختصاصات التي حددها القانون. بتوضيح أكبر، تقول الهيئة أن المشكلة لا تتعلق بمن تم تكليفه، بل بالجهة التي أصدرت قرار الإعفاء والتكليف، وبالمشروعية القانونية التي تتيح لها مثل هذه الصلاحيات.
السيرة الذاتية للمدير السابق تدخل على خط الأزمة
بعد صدور بيان الرفض، نشرت الصفحة الرسمية للهيئة السيرة المهنية لمديرها السابق إياد خضرو. وهذا ما اعتبره البعض أنه لم يأتِ في توقيت عادي، إذ ركز على مؤهلات خضرو وخبراته، وأشار إلى حجم الخبرة الأكاديمية والإدارية والمالية التي لديه، بالإضافة إلى تخصصه في قطاع الثروة السمكية.
كما أشادت الهيئة بخبرته في مجالات الاستزراع وصناعة الأعلاف، معتبرة أن الجمع بين الخبرة الإدارية والتخصص الفني يمنحه القدرة على تطوير القطاع وزيادة الإنتاج وتعزيز الاستثمار فيه.
وهذا ما جعل البيان يظهر وكأنه لا يكتفي بالاعتراض على القرار من الناحية القانونية، بل أراد أيضاً إبراز تجربة المدير السابق ومؤهلاته، في وقت كان فيه قرار إعفائه هو محور الجدل.
لكن لماذا صدر قرار الإعفاء أصلاً؟
هذا هو الجزء الحساس في القصة، فقرار الإعفاء جاء بعد جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تعميم صادر عن الهيئة يتعلق بالمظهر الوظيفي للعاملات، ودعوتهن إلى الالتزام بما وصفه التعميم “باللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامة” خلال الدوام الرسمي.
وقد أثار التعميم ردود فعل مختلفة، وفتح نقاشاً واسعاً حول حدود التعليمات الإدارية المتعلقة بالمظهر الشخصي للموظفين، وما إذا كانت صياغة التعميم ومضمونه منسجمين مع القوانين والأنظمة النافذة. وعقب هذا الجدل تحركت وزارة الزراعة فوراً، وأعلنت عن إحالة التعميم إلى الجهات القانونية والإدارية المختصة لمراجعته والتدقيق فيه.
وفي 14 تموز الحالي، أصدرت الوزارة توضيحاً رسمياً قالت فيه إنها تتابع ما جرى تداوله بشأن التعميم، مؤكدة احترام الخصوصية الشخصية للموظفين، بما لا يتعارض مع مقتضيات العمل العام. بينما شددت في الوقت نفسه على أهمية الانضباط والمظهر اللائق داخل المؤسسات العامة، لكن ضمن ما يتوافق مع القوانين والأنظمة، ومع المبادئ التي تنظم العلاقة الوظيفية وتحفظ حقوق العاملين وكرامتهم.
وأكدت الوزارة أنها ستتعامل مع الملاحظات المطروحة بشفافية ومسؤولية، وستتخذ الإجراءات المناسبة في ضوء نتائج المراجعة.
لكن حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يؤكد أن هذا التعميم كان السبب المباشر وراء إعفاء خضرو من منصبه. وفي المقابل لا يوجد ما ينفي بشكل قاطع وجود علاقة بين التطورات التي شهدتها القضية وقرار الإعفاء. وهنا تبقى هذه النقطة مجرد احتمالات لا أكثر.
أين تكمن المشكلة القانونية؟
بعد اعتراض الهيئة على قرار الإعفاء، دخل النقاش في الجانب القانوني بشكل مباشر. وهذا ما استدعى سؤال خبراء حول هذا الأمر. فبحسب رأي الباحث السوري عمر إدلبي لا يملك وزير الزراعة بالقانون، صلاحية إعفاء مدير عام الهيئة أو تعيين بديل عنه بشكل مباشر.
واستند إدلبي إلى المادة الثامنة من القانون رقم 11 لعام 2021، معتبراً أن المدير العام يُعيّن بمرسوم بناءً على اقتراح الوزير، وبالتالي فإن قرار التعيين أو الإعفاء النهائي يعود إلى رئيس الجمهورية، بينما تقتصر صلاحية الوزير على تقديم الاقتراح.
وبناءً على هذا القانون، اعتبر إدلبي أن قرار الإعفاء قد يكون صدر عن جهة لا تملك الاختصاص، وهو ما يثير مسألة قانونية تتعلق بصحة القرار وآثاره.
لكن في المقابل، هناك نقطة مهمة يجب التوقف عندها. فمجرد القول إن المدير العام تم تعيينه بمرسوم لا يعني تلقائياً، ومن دون الرجوع إلى النصوص القانونية كاملة، أن إعفاءه يجب أن يتم بالطريقة نفسها في كل الحالات. فالقانون الإداري لا يضع قاعدة عامة تقول إن كل مسؤول تم تعيينه بمرسوم لا يمكن إنهاء مهمته إلا بمرسوم آخر.
المسألة تتوقف على النص القانوني الذي ينظم كل منصب، وعلى الجهة التي منحها القانون صلاحية الإعفاء. لذلك، فإن السؤال الحقيقي هنا ليس فقط: “هل عُيّن المدير بمرسوم؟”، بل السؤال الأهم هو: “هل يمنح قانون إحداث الهيئة وزير الزراعة صلاحية إعفاء المدير العام، أم أن هذه الصلاحية محصورة بجهة أخرى؟”.
وهذا هو جوهر الخلاف القانوني الحالي. فإذا كان النص واضحاً في تحديد الجهة صاحبة الاختصاص، يصبح الأمر أكثر حسماً. أما إذا كان النص يحتمل أكثر من تفسير، فإن الحسم لا يكون بالبيانات المتبادلة، وإنما من خلال الجهات القانونية والقضائية المختصة.
هل كان بيان الهيئة هو الطريق القانوني الصحيح؟
إدلبي لم يكتفِ بالتشكيك في صلاحية الوزير، بل انتقد أيضاً طريقة تعامل الهيئة مع القرار. فمن وجهة نظره، كان يمكن للهيئة أن تسلك طريق القضاء الإداري، عبر الطعن في القرار وطلب إلغائه، إلى جانب طلب وقف تنفيذه بشكل مستعجل إلى حين صدور حكم نهائي.
وهنا تظهر نقطة أخرى في الأزمة، فليس الخلاف فقط على القرار نفسه، وإنما أيضاً على الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها المؤسسات مع القرارات التي ترى أنها غير قانونية. هل يكون الرد عبر بيان علني؟ أم عبر المسار القضائي؟ أم أن الأفضل الجمع بين توضيح الموقف للرأي العام واللجوء إلى القضاء؟
ويبقى القضاء الإداري هو الجهة التي يمكنها، إذا عرضت القضية أمامه، أن تنظر في مدى قانونية القرار واختصاص الجهة التي أصدرته.
ويجب التنويه أن اللجوء إلى القضاء هنا لا يعني بالضرورة أن طرفاً ما على حق وطرف آخر على خطأ قبل صدور الحكم، بل يعني ببساطة نقل الخلاف من مساحة البيانات والتفسيرات إلى الجهة المختصة بالفصل في النزاع.
في النهاية، حتى الآن لا يوجد إجابة واضحة، ولم يعرف الرأي العام أين وصلت القضية. وهذا يذكرنا وبشكل غير مباشر بالقانون الخاص بالجريمة الإلكترونية الذي صدر على زمن النظام السابق، والذي بسببه تم توقيف عدد من الأشخاص منذ فترة لمجرد أنهم قالوا رأيهم. واستناد التوقيف كان على قانون من المفروض أن لا يتم العمل به. وهذا يحتم الإسراع بوضع دستور واضح وشفاف في كل تفصيلة من تفصيلاته حتى لا نقع في فوضى الاختصاص والصلاحيات.
اقرأ أيضاً: عن توقيف حسان عقاد و“هاتوا الفلوس اللي عليكم”









