أعمال واستثمار

قرارات جديدة لتنظيم سوق الذهب في سوريا: رقابة مشددة وخطوات لاستعادة الثقة

بقلم هلا يوسف

تسعى الحكومة لترميم أخطاء النظام السابق وضبط جرائم الفساد التي طالت كافة القطاعات. وتستهدف محاولاتها الأسواق غير المنظمة بما تشملها من أعمال. وهنا برز قطاع الذهب في سوريا كأحد أكثر القطاعات حاجة إلى تدخل سريع، بعد سنوات من الفوضى والغش وضعف الرقابة. وبما أن الذهب يحتل أهمية كبيرة لكونه وسيلة للادخار يعتمدها الكثير من السوريين. أصبح من الضروري إصدار قرارات تنظم السوق وتكافح الفساد، لاستعادة ثقة المواطنين.

بدأت هذه القرارات بإصدار وزارة الاقتصاد والصناعة قرارين، الأول يمنح الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة صلاحيات موسعة، حيث فوضت بسحب تراخيص محال الصاغة التي يثبت تورطها في شراء الذهب المسروق، إضافة إلى إلغاء تراخيص الورش وأختامها في حال عدم الالتزام بالمعايير والعيارات المعتمدة. كما شمل القرار ملاحقة الباعة الجوالين الذين يروجون لبضائع غير مطابقة للمواصفات، في محاولة للحد من تداول الذهب مجهول المصدر الذي يشكل خطراً أمنياً واقتصادياً ويغذي شبكات السرقة المنظمة.

وأكدت القرارات أن هذه الإجراءات تستند إلى القوانين والأنظمة النافذة، ما يفتح المجال أمام عقوبات مشددة قد تصل إلى الإغلاق النهائي والمساءلة القانونية، في إطار سعي واضح لقطع جميع حلقات تداول الذهب غير النظامي، وحماية السوق الرسمية.

وفي خطوة أخرى صدر قرار ثانٍ يقضي بإحداث ضابطة خاصة بالصاغة تتبع للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، وتكلف بمهمة ضبط سوق الذهب والمعادن الثمينة الأخرى المتداولة. وتتمتع هذه الضابطة بصلاحيات ميدانية واسعة، تشمل القيام بجولات دورية ومفاجئة على الأسواق، وأخذ عينات من المشغولات الذهبية للتأكد من مطابقة العيارات للمواصفات القياسية السورية، إضافة إلى متابعة المخالفات وضبطها أصولاً.

كما تشمل مهام الضابطة مراقبة فواتير البيع والشراء، والتأكد من الالتزام بالتسعيرة الرسمية الصادرة يومياً، إلى جانب متابعة تنفيذ القرارات والتعليمات الإدارية والأمنية الصادرة عن الجهات المختصة. وتتكون هذه الضابطة من عناصر فنية متخصصة تمتلك خبرة عملية في ضبط المخالفات، وتنظيم الضبوط، وتوجيه الإنذارات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك إتلاف القطع المخالفة أو التصرف بها وفق القوانين المعمول بها.

تنظيم قطاع الذهب ودور الهيئة الجديدة

أكدت القرارات أن عمل الضابطة سيتم بالتنسيق مع الجهات المعنية كافة، لضمان تنفيذ المهام بكفاءة وتجنب التضارب أو الازدواجية في الصلاحيات، وهي مشكلة لطالما شكلت ثغرة في محاولات سابقة لضبط الأسواق.

وتأتي هذه الخطوات في وقت حساس يمر به الاقتصاد السوري، حيث يعد الذهب وسيلة للادخار في ظل تفاوت سعر صرف الليرة وارتفاع معدلات التضخم. إلا أن انتشار الغش في العيارات، وتداول الذهب المسروق، وغياب الرقابة الفاعلة خلال السنوات الماضية، أدى إلى تراجع ثقة المستهلكين، وفتح المجال أمام سوق غير نظامية راكمت أرباحاً كبيرة على حساب السوق النظامية والخزينة العامة.

ويذكر أن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تم إحداثها في شباط 2025 كإطار مؤسساتي مستقل مالياً وإدارياً، يهدف إلى تنظيم وتطوير قطاع المعادن الثمينة في سوريا، وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني. وينظر إلى القرارات الأخيرة على أنها أول اختبار عملي لجدية هذا الإطار الجديد وقدرته على الانتقال من الدور التنظيمي النظري إلى رقابة فعالة على أرض الواقع.

على صعيد الأسعار، شهد الذهب في سوريا ارتفاعاً متأثراً بالأسعار العالمية، حيث بلغ سعر غرام الذهب عيار 24 نحو 1.78 مليون ليرة للشراء و1.8 مليون ليرة للبيع، بينما وصل سعر غرام عيار 21 إلى حوالي 1.56 مليون ليرة للشراء و1.58 مليون ليرة للبيع، وسجل غرام عيار 18 نحو 1.34 مليون ليرة للشراء و1.35 مليون ليرة للبيع. وعالمياً ارتفع سعر أونصة الذهب بنسبة تقارب 1.61% ليصل إلى نحو 4583.76 دولاراً في التعاملات الفورية.

وفي السياق ذاته، أوضح المدير العام لإدارة المعادن الثمينة في سوريا مصعب الأسود، أن البلاد أدخلت نحو 130 طناً من الذهب منذ بداية شباط 2025، كما تم إنتاج أكثر من سبعة أطنان من المشغولات الذهبية في السوق المحلية خلال العام. وأشار إلى أن الهيئة تعمل على خطوات تنظيمية شاملة لضبط سوق الذهب ومكافحة الفساد، ورفع مستوى العيارات، ودعم الصناعة والتجارة في هذا القطاع.

وبين الأسود أنه جرى تشكيل إدارات جديدة لجمعيات الصاغة في محافظتي حلب ودمشق بعد حل الإدارات السابقة نتيجة قضايا فساد، مشيراً إلى أن النظام الداخلي الجديد للهيئة يستند إلى الواقع السوري وتجارب دول مثل تركيا والسعودية والإمارات. وأوضح أن الهيئة تم إنشاؤها بموجب القرار رقم 251، وتتبع لوزارة الاقتصاد والصناعة، وتضم جميع جمعيات الصاغة في سوريا.

وأشار أيضاً إلى أن سعر الذهب يتم تحديده بشكل يومي من خلال غرف خاصة تضم مختصين من مختلف المحافظات، تقوم بمتابعة تقلبات سعر الأونصة عالمياً للوصول إلى تسعيرة دقيقة تسهم في ضبط السوق، كما تم تشكيل مجلس للذهب يضم شخصيات معروفة في تجارة وصناعة هذا المعدن في سوريا.

تغيير الدمغة بعد ثبوت التزوير

ونتيجة للإجراءات الرقابية التي اتخذتها الهيئة، جرى ضبط عيارات المشغولات الذهبية في السوق، وكشف كميات غير مطابقة للمواصفات القياسية وإتلافها، إضافة إلى سحب تراخيص مشاغل متورطة بالفساد. كما تم اعتماد دمغة جديدة للذهب بعد ثبوت تزوير الدمغة القديمة، وفرض إجراءات مشددة للالتزام بالعيارات، مع التأكيد على عدم قبول أي مشغولات لا تطابق المواصفات العالمية.

وأوضح الأسود أنه تم تجهيز مقرات جديدة لجمعيات صاغة حلب ودمشق، إضافة إلى مقرّين لإدارة المعادن الثمينة في المدينتين، واعتماد أجهزة معايرة حديثة وأجهزة دمغ بالليزر جرى توزيعها في دمشق وحلب وإدلب، مع تدريب كوادر متخصصة على استخدامها. كما تم التنسيق مع وزارة الداخلية لنشر الطمأنينة في الأسواق، وإنشاء غرف بلاغات مباشرة، والتعاون مع المباحث الجنائية والقضاء لضبط الجرائم وتسهيل شؤون الصاغة.

وأكد أن الهيئة تلعب دور الوسيط بين أصحاب محال الصاغة ووزارة المالية للتفاهم حول نظام ضريبة الإنفاق الاستهلاكي إلى حين صدور قوانين جديدة مدروسة، مشيراً إلى عقد جلسات مع وزارة الاقتصاد لإزالة الصعوبات أمام الصاغة والمستثمرين، وفتح المجال أمام الاتجار بالذهب داخلياً ولأغراض التصدير. وتأتي هذه الجهود ضمن توجه حكومي أوسع لإعادة تنظيم قطاع الذهب، وتعزيز الثقة بالسوق المحلية، ورفع جودة الإنتاج الوطني، ودعم دخول المنتجات السورية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

من جهة أخرى اعتبر الباحث الاقتصادي مجد أمين أن تغيير دمغة الذهب خطوة بالغة الأهمية والضرورة، خاصة بعد عمليات تلاعب واسعة شهدها السوق خلال السنوات الماضية، سواء عبر تزوير الدمغة أو التلاعب بالعيار. وأشار إلى أن السوق السوري شهد مع عودة السوريين من الخارج مشاكل تعلقت بعيارات غير شائعة محلياً مثل عيار 22، ما سبب التباساً للمستهلكين، معتبراً أن الخطوات الأخيرة إيجابية لتعزيز الثقة وضمان عمليات تجارية أكثر أماناً. كما دعا إلى تنظيم التعاملات البنكية بالذهب، وفرض ضريبة محددة على الأونصات من عيار 24 باعتبارها ملاءمة أكثر للعمليات التجارية مقارنة بالمصاغ.

اما بالنسبة لاحتياطي الذهب كشفت تقارير دولية أن المصرف المركزي السوري يحتفظ بنحو 26 طناً من الذهب، وهي كمية لم تتغير منذ بداية الثورة السورية، في حين أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن احتياطيات سوريا بلغت 25.8 طناً في حزيران 2011، بينما سجلت البلاد أعلى مستوى احتياطي لها عام 2000 بنحو 25.91 طناً.

باختصار، تحمل القرارات الأخيرة خطوات تنظيمية جادة لمكافحة الفساد، وحماية المستهلك. إلا أنها تشكل بداية جديدة لاستعادة الثقة بسوق الذهب. ويبقى نجاح تنفيذ هذه الخطوات مرهوناً بجودة التطبيق واستمرارية المراقبة.

اقرأ أيضاً: هل ينفع شراء الذهب لتجنب خسارة قيمة العملة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى