المجتمع السوري

قرارات الإقامة الجديدة في تركيا.. ماذا ينتظر السوريين؟

بقلم هلا يوسف

شهدت تركيا خلال الفترة الأخيرة نقاشاً واسعاً حول القرارات الجديدة المتعلقة برسوم الإقامة وإجراءات تحويل أوضاع السوريين من الحماية المؤقتة إلى الإقامة السياحية. وانتشرت خلال هذه الفترة معلومات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها كان غير دقيق، مما تسبب بحالة من القلق بين المقيمين العرب والسوريين بشكل خاص. ومع صدور التوضيحات الرسمية من الجهات التركية المختصة، بدأت الصورة تتضح بشكل أكبر، خاصة فيما يتعلق برسوم الإقامة وشروط تحويل الكيملك إلى إقامة نظامية.

ويعد ملف الإقامة من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للسوريين المقيمين في تركيا، لأن هذه الإجراءات ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس اليومية واستقرارهم القانوني والمعيشي، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد وارتفاع تكاليف الحياة بشكل مستمر.

التراجع عن رفع رسوم الإقامة

في البداية انتشرت أخبار تفيد بأن رسوم تصاريح الإقامة في تركيا ارتفعت بشكل كبير، وأن تكلفة الإقامة السنوية أصبحت تتجاوز ثلاثين ألف ليرة تركية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بين المقيمين الأجانب. لكن إدارة الهجرة التركية عادت وأوضحت أنه تم التراجع عن قرار رفع الرسوم، لتبقى رسوم بطاقة الإقامة الأساسية ثابتة عند 964 ليرة تركية لجميع المتقدمين.

أما ضريبة الإقامة الشهرية، فقد تم تقسيمها إلى عدة مجموعات بحسب جنسية المتقدم. وشملت المجموعة الأولى كلاً من مصر والعراق والمغرب وتونس، حيث تبلغ الرسوم خمسة دولارات عن الشهر الأول ونصف دولار عن كل شهر إضافي.

أما المجموعة الثانية فضمت السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين وليبيا ولبنان وموريتانيا والسودان والصومال واليمن، وحددت الرسوم فيها بخمسة وعشرين دولاراً عن الشهر الأول، وخمسة دولارات عن كل شهر إضافي.

في حين شملت المجموعة الثالثة الأردن والكويت والجزائر، وتبلغ الرسوم فيها تسعة دولارات عن الشهر الأول ودولارين ونصف عن كل شهر إضافي.

وبالنسبة للسوريين والفلسطينيين، فقد تم إعفاؤهم من جميع هذه الرسوم وفق مبدأ المعاملة بالمثل، بحيث يقتصر الدفع فقط على تكلفة بطاقة الإقامة التي تبلغ 964 ليرة تركية.

شروط تحويل الحماية المؤقتة إلى إقامة سياحية

خلال عام 2024 بدأت السلطات التركية بتطبيق تسهيلات تسمح لبعض السوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة، المعروفة باسم الكيملك، بتحويل وضعهم القانوني إلى إقامة سياحية. وبدأ تنفيذ هذه الإجراءات أولاً في مدينة إسطنبول، وشملت الأشخاص الذين دخلوا إلى تركيا قبل عام 2016، أي قبل فرض التأشيرة على السوريين.

وفي عام 2025 بدأت ولايتا بورصة وأنقرة بتطبيق الإجراءات نفسها، مع إضافة بعض الشروط الإدارية الجديدة. ومن أهم هذه الشروط ضرورة التأكد من وجود ختم دخول رسمي إلى تركيا، سواء عبر الحدود البرية أو البحرية أو الجوية. وجاء هذا الإجراء بعد ربط نظام إدارة الهجرة بالمطارات والمعابر الحدودية، حيث ظهرت بعض الحالات التي حصل فيها أشخاص على إقامة دون وجود سجل رسمي لدخولهم إلى البلاد.

وأكدت الجهات المختصة أن وجود ختم الدخول يعد شرطاً أساسياً لتحويل الكيملك إلى إقامة، وأن أي إقامة تصدر دون وجود إثبات دخول رسمي قد تعتبر غير نظامية.

كما تختلف آلية التطبيق من ولاية إلى أخرى داخل تركيا. ففي ولايات مثل هاتاي ومانيسا وموغلا وبودروم لا يزال العمل بالنظام القديم مستمراً حتى الآن. أما في ولايات مثل أفيون وسكاريا وكيليس، فيشترط أن يكون الشخص قد حصل على بطاقة الكيملك خلال تسعين يوماً من دخوله إلى تركيا قبل عام 2016.

وفي ولايات أخرى مثل أورفا وسامسون وملاطيا، يطلب من الشخص تقديم طلب استرحام إلى إدارة الهجرة، إما بشكل مباشر أو عن طريق البريد، من أجل دراسة حالته والسماح بتحويل وضعه القانوني إلى إقامة.

الانتقادات وردود فعل السوريين

أثارت هذه الإجراءات ردود فعل واسعة بين السوريين المقيمين في تركيا، حيث يرى كثير منهم أن شرط وجود ختم دخول رسمي لا يراعي الظروف التي دخل فيها معظم السوريين إلى تركيا خلال سنوات الحرب.

ويؤكد عدد كبير من السوريين أن دخولهم إلى تركيا تم في ظروف استثنائية وصعبة بسبب الحرب والتهجير والخوف من العمليات العسكرية، وليس بهدف مخالفة القوانين. ولذلك يعتبرون أن اشتراط وجود ختم دخول رسمي يجعل من الصعب على نسبة كبيرة منهم تسوية أوضاعهم القانونية.

كما يرى البعض أن القوانين يجب أن تراعي الظروف الإنسانية إلى جانب الجوانب التنظيمية، لأن تجاهل واقع اللاجئين قد يؤدي إلى تعقيد أوضاعهم بدلاً من حلها. وطالب عدد من السوريين بإيجاد حلول أكثر مرونة، مثل فتح باب تسوية الأوضاع أو منح فرص لتصحيح الوضع القانوني بطريقة قانونية وإنسانية في الوقت نفسه.

إلى جانب ذلك، تحدث كثير من السوريين عن تزايد الأعباء الاقتصادية داخل تركيا، حيث أصبحت تكاليف المعيشة مرتفعة بشكل كبير، سواء من ناحية الإيجارات أو الفواتير أو رسوم الإقامة أو المصاريف اليومية. ويرى البعض أن هذه الظروف دفعت عدداً من العائلات إلى التفكير بالعودة إلى سوريا، رغم استمرار صعوبة الأوضاع هناك.

أعداد السوريين العائدين إلى سوريا

في وقت سابق، أعلنت وزارة الداخلية التركية أن عدد السوريين الذين عادوا من تركيا إلى سوريا خلال سبعة عشر شهراً بلغ نحو 660 ألف شخص.

وذكرت الوزارة في بيان رسمي أن إجمالي عدد السوريين الذين عادوا بشكل طوعي وآمن منذ عام 2016 وحتى الوقت الحالي بلغ مليوناً و407 آلاف و568 شخصاً.

كما أوضحت البيانات الرسمية أن عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة داخل تركيا يبلغ حالياً مليونين و280 ألفاً و542 شخصاً. وأشارت الوزارة إلى أنه بعد شهر كانون الأول من عام 2024 عاد 667 ألفاً و565 سورياً إلى بلادهم.

ومن جهتها أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد السوريين العائدين إلى سوريا من مختلف دول المنطقة منذ الثامن من كانون الأول عام 2024 بلغ مليوناً و630 ألفاً و874 شخصاً.

وأكدت وزارة الداخلية التركية أن هذه البيانات تم جمعها من خلال متابعة عمليات العبور على الحدود وتحليل تقارير التحركات السكانية، مشيرة إلى أن مقارنة أرقام تعود لفترات زمنية مختلفة قد يؤدي إلى معلومات غير دقيقة أو مضللة.

باختصار، تكشف التطورات الأخيرة المتعلقة بالإقامة في تركيا عن وجود تحديات كبيرة تجمع بين الجوانب القانونية والإنسانية والاقتصادية. فبينما تحاول السلطات التركية تنظيم ملف الإقامة والهجرة بشكل أكبر، يواجه السوريون صعوبات حقيقية تتعلق بظروف دخولهم السابقة وارتفاع تكاليف الحياة الحالية. ومع استمرار التغيرات السياسية والاقتصادية في المنطقة، يبقى ملف السوريين في تركيا من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، سواء بالنسبة للحكومة التركية أو بالنسبة لملايين السوريين الذين يعيشون داخل الأراضي التركية منذ سنوات طويلة.

اقرأ أيضاً: الترحيل القسري والتحريض الرقمي: مأزق اللاجئين السوريين في مصر

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى