سياسة

قراءة في تقرير “هيومن رايتس ووتش” حول العدالة والأمن في سوريا

بقلم: ريم ريّا

بعد عام على التحرير، ما زال يتردد في الساحة السورية نقاشٌ متجدد حول مسار العدالة وإدارة الملف الأمني في البلاد، وذلك على وقع تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش أشارت فيه إلى وجود خطوات إيجابية محدودة، مقابل استمرار تحديات جوهرية. فقد أقدمت الدولة خلال الفترة الأخيرة على إطلاق مبادرات مثل مسار الحوار الوطني والإعلان الدستوري وتشكيل لجنة معنية بملف المعتقلين، في محاولة لإعادة تنظيم المشهد الداخلي وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. إلا أن غياب التقدم الكافي في ملفات المحاسبة وكشف مصير المعتقلين والمفقودين ما زال يشكل عاملاً ضاغطاً، ويسهم في بقاء الهشاشة الأمنية وظهور اضطرابات بين حين وآخر. وتطرح المرحلة الحالية سؤالاً أساسياً حول المتطلبات اللازمة لتأمين قطاع أمني فعّال، بما يشكل قاعدة أساسية للتعافي المجتمعي واستعادة النشاط الاقتصادي في البلاد. في هذا المقال سنعرض أبرز ما جاء في تقرير المنظمة، ونناقش بحيادية مضمونه ونلقي الضوء على الإصلاحات الحكومية وما يمكن أن يضعف منها، طارحين حلولاً للحالة السورية بضوء المعطيات الموجودة أمامنا.

أبرز ما أشارت إليه “هيومن رايتس ووتش” حول الأمن في سوريا

أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقريرٍ لها يوم الاثنين 8 كانون الأول، أن الحكومة في سوريا اتخذت خطوات وصفتها المنظمة بالإيجابية في مجال العدالة والحقوق، شملت اعتمادها إعلاناً دستورياً جديداً بعد إلغاء العمل بالدستور السوري السابق النافذ منذ عام 2012، إلى جانب إجراء انتخابات برلمانية غير مباشرة، وخطوات أولية لضمان المساءلة عن انتهاكات النظام السابق.

كما أضافت المنظمة في تقريرها الذي أصدرته بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، أن هذه الخطوات شوهها وقوضها ما وصفته “بالتقاعس المتكرر عن منع ارتكاب فظائع واسعة على يد القوات الحكومية”، مطالبة بمعالجة المخاوف العالقة بشأن إصلاح قطاع الأمن والمساءلة وشمول جميع فئات المجتمع. المنظمة وثقت “انتهاكات ارتكبتها القوات الحكومية والجماعات التابعة لها ترقى إلى جرائم حرب في الساحل والسويداء”، بحسب وصفها.

وقالت المنظمة إن “عجز السلطات السورية الحالية عن كبح جماح هذه الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها بشكل حقيقي، أو عدم رغبتها في ذلك، يقوّض الثقة في قدرتها على حفظ السلم والأمن وحماية الحقوق”.

في سياقٍ متصل، أثنت منظمة هيومن رايتس ووتش، على “التزام سوريا بالتحقيق في الفظائع المرتكبة في الساحل والسويداء” وفق وصف المنظمة، مؤكدةً أن إنشاء “الهيئة الوطنية للمفقودين” يعد خطوة مهمة للمساءلة عن الانتهاكات السابقة في عهد النظام السابق. وقالت المنظمة “إن الضحايا وأفراد أسر المختفيين يشعرون بالإحباط بعد سبعة أشهر على إنشاء الهيئة، بسبب غياب السبل المؤسسية للتعامل معها، وانعدام الشفافية بشأن عملياتها”.

اقرأ أيضاً: استقرار سوريا: بين العدالة الانتقالية الجنائية والعدالة الاجتماعية.. أيهما المرساة؟

جملة الإصلاحات التي قامت بها الدولة السورية

على مدى عام، وبعد أن تم التحرير وإسقاط حكم الأسد قامت الدولة بالعديد من الإصلاحات والإجراءات التي هدفت إلى ضبط الأمن وإحقاق العدالة الانتقالية التي تعتبر من أهم وأوحد مطالب الشعب السوري بمختلف أطيافه.

من أبرز ما قامت به الدولة السورية لضبط الأمن وفرض الاستقرار ورسم ملامح المرحلة الجديدة، إصدار الإعلان الدستوري، الذي تم إصداره بهدف سد الفراغ الدستوري وتنظيم عمل مؤسسات الدولة خلال هذه المرحلة. ففي 13 آذار 2025، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع عليه، محدداً مدة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، وذلك بعد أسابيع من تعهده بإصدار “إعلان دستوري” للمرحلة الانتقالية. وقد ضم الإعلان 53 مادة موزعة على أربعة أبواب. أبرز ما تضمنه الإعلان: نص الإعلان الدستوري على إحداث هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية، تعتمد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا والناجين، بالإضافة إلى تكريم الشهداء، إضافةً إلى التأكيد على تحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا. وبناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون.

الخطوة التالية التي قامت بها الدولة كانت تأسيس الهيئة الوطنية للمفقودين، وهي هيئة حكومية في سوريا مسؤولة عن التحقيق في مصير الأشخاص المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، ودعم أسرهم بالوسائل القانونية والإنسانية.
أُنشئت اللجنة في 17 أيار 2025 بموجب المرسوم رقم 19 لسنة 2025، الصادر عن الرئيس أحمد الشرع. وعُيّن محمد رضا جلخي رئيساً للجنة، وأُعطي مهلة 30 يوماً من تاريخ المرسوم لتشكيل فريق عمل ووضع اللائحة الداخلية اللازمة لعمل اللجنة.

مؤخراً، شهدت سوريا في 5 تشرين الأول 2025 انعقاد أول محاولة لإجراء انتخابات تشريعية منذ سقوط نظام الأسد، وهي أول انتخابات حقيقية تشهدها البلاد منذ نصف قرن، بعدما كانت مجرد انتخابات شكلية تفتقر إلى التنافس والشفافية، حيث فازت الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث في 13 دورة انتخابية عُقدت بين عامي 1973 و2024.

صُممت الانتخابات لتكون غير مباشرة، أي عبر هيئات ناخبة، لم تنتخب من قِبل الشعب مباشرة بل تم اختيارها عبر لجان انتخابية، تم تشكيلها من لجنة عليا للانتخابات سماها رئيس الجمهورية أحمد الشرع، في المرسوم رقم 66 الصادر بتاريخ 2 حزيران 2025، والذي حدد عدد أعضاء المجلس في 150 شخصاً، قبل أن يتم تعديل العدد في المرسوم الرئاسي رقم 143 بتاريخ 19  أغسطس، ليصبح 210 أعضاء يجري انتخاب ثلثيهم، أي 140 عضواً والثلث الثالث وهو 70 عضواً يعينه الرئيس. بالرغم من إثارتها بعض التحفظات في الأوساط الإعلامية والشعبية وضعف التمثيل النسائي في المجلس الجديد إلى أنه خطوة موفقة تُسجل للدولة وفق مراقبين وفيها تأكيد على السعي بكل متطلبات المرحلة الانتقالية. كذلك عقد مؤتمر الحوار الوطني في العاصمة دمشق في شهر شباط الفائت، لكن الأصداء حوله كانت متضاربة وأغلب الآراء كانت تشير إلى أن يومين غير كافيين للحوار وأن المؤتمر المنعقد شابه التقصير، في حين وصفه البعض بالشكلي وآخرون بالجيد والخطوة اللافتة من قبل الدولة بعد شهرين من تاريخ سقوط النظام السابق.

لماذا لم يضبط الأمن في المطلق في البلاد!

بالرغم من الخطوات التي تم القيام بها، والتي أوردناها في الفقرة السابقة إضافةً إلى الإعلان عن لجان تقصي حقائق في انتهاكات حصلت تحديداً في كل من الساحل والسويداء بعد وقوع ضحايا مدنيين عُزل، لكن الحكومة ارتكبت وفق مراقبين عدة أخطاء أساسية جعلت من جهود “ضبط الأمن” تفشل جزئياً وتبقى هشة.

فالإعلان الدستوري الذي اعتمد عليه لم يضمن استقلالية القضاء والبرلمان بشكل فعال، مما يعني أن السلطة التنفيذية بقيت تحت سيطرة واسعة ولا تعتمد التسلسلية الهرمية للسلطة، ما يقلل من نزاهة المحاكمات ومساءلة المسؤولين.

كذلك الجهاز الأمني تم توسيعه بسرعة بطريقة تُعوّل على آلاف العناصر الجدد، كثير منهم بلا فرز دقيق، أي (بدون تدريب كافٍ، أو ربما خلفية موثوقة)، ما يخلق فجوات في الانضباط والولاء تحديداً أن هذه العناصر كانت في السابق فصائل لها خلفيات مختلفة وإيديولوجيات معينة وربما جهات خارجية راعية وفقاً لتقارير إعلامية. مما ساهم في انتشار الفلتان الأمني أو التجاوزات الأمنية.

بالرغم من فتح لجان تحقيق ومساءلة، لكن عدد كبير من الملفات خاصة المعتقلين والمفقودين، بقي معلقاً وبلا نتائج واضحة، مما يضعف الثقة بين المواطن والدولة. وحقيقةً لا يخفى على أحد هشاشة المجتمع السوري وانقسامه في الوقت الحالي، إن لم تحل هذه الملفات قانونياً ووفقاً لإجراءات مُحكمة، فالأصداء الشعبية ستكون متوترة ما يفتح الباب أمام سيناريوهات كثيرة.

فالتركيز على إجراءات شكلية من دون إصلاح حقيقي في المؤسسات والآليات القانونية والأمنية لن تثمر، والتغييرات الجزئية أو السطحية، مع بقاء بنى قريبة من النظام القديم أو جاهزية ضعيفة للتعامل مع التحديات، خصوصاً في المناطق الحساسة أو التي شهدت عنفاً سابقاً لن تحل الخلافات القائمة بل ستراكمها، وربما في أسوء الاحتمالات ستفجرها بصورة مضاعفة.

كذلك إن غياب مشاركة حقيقية وفعّالة للمجتمع المدني وأسر الضحايا في العمليات العسكرية السابقة والأخيرة، وعدم ضمان الشفافية الكاملة وترك بعض الأمور في متاهات الغموض. وغياب ضمان واضح أن التحقيقات أو الإصلاحات ستشمل الجميع، أو تُطبّق بشكل عادل دون استثناءات، كلها عوامل تعيق ضبط الأمن وتؤخره.

معتقل

ما الذي ينقص الحالة السورية في الوقت الحالي

تحتاج المرحلة الحالية في سوريا إلى جملة عناصر أساسية لإرساء أمن فعال يمهد للاستقرار الاقتصادي والتعافي المجتمعي. أولها تعزيز سيادة القانون فهذه هي نقطة الانطلاق وأن يسري على الجميع بلا استثناء، وأن يُجرم بموجبه خطاب الطائفية والكراهية المقيت المتبادل بين أطياف الشعب ومن يُحرض ويَحض عليه، كما جرّم الإعلان الدستوري تمجيد نظام الأسد ورموزه أو تبريرها أو التهوين منها.

ولا قانون دون قضاء عادل ومستقل، وقادر على محاسبة جميع المنتهكين لكرامة الشعب السوري وحقه في الحياة دون استثناء أو تهاون مع خلفياتهم حتى لو كانوا يحملون صفات أمنية أو دينية. إلى جانب إعادة تأهيل هيكلة القطاع الأمني وهندسته مع رفع مستوى تدريب كوادره بما يضمن ويؤكد على الانضباط المهني واحترام الحقوق، وأن يكون ولاء هذا الجهاز للشعب السوري والدولة السورية بالكامل، إلى جانب تحسين آليات الرقابة والشفافية في عمل المؤسسات  وعدم تكرار ممارسات النظام القديم أو تدوير أزلامه.

كل ذلك لا يستقيم إلا بتحقيق تقدم ملموس في ملفات المعتقلين والمفقودين في سجون الأسد بالتوازي مع تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة من مرتكبي انتهاكات الساحل والسويداء ومحاسبة كل من يزعزع استقرار الشعب السوري على كافة أراضي الجمهورية. أما على المستوى المجتمعي، فتغدو المشاركة الفعالة للمنظمات المدنية ومسارات الحوار ضرورية لترميم العلاقة بين الدولة والمواطنين.

إلى جانب إقرار قانون للأحزاب، فوجود أحزاب متعددة في البلاد ذات توجهات وطنية رغم الاختلاف بالموقف السياسي ينظم الشارع ويهذبه ويوضح مسارات العيش المشترك ويؤسس لبناء الدولة. ومن دون هذه الركائز مجتمعة، يصعب بناء بيئة آمنة وقادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي وإطلاق عملية تعافٍ تثمر في المستقبل القريب والبعيد على حدٍ سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى