قراءة في تقرير التضخم التراكمي ومعانيه.. أين وصل حال السوريين؟!

الكاتب: أحمد علي
لا يظهر التضخم في حياة الناس كما يظهر في الجداول. هناك يبدو رقماً ونسبة ومؤشراً. أما في البيت والسوق والطريق، فيظهر كقرار صغير يتكرر كل يوم، أن تُشترى كمية أقل من الطعام، أو يؤجل دفع فاتورة، أو يتحول الراتب إلى رقم ينتهي قبل أن يبدأ الشهر فعلاً. من هذه الزاوية، لا يقدّم تقرير التضخم التراكمي في سوريا قراءة في الأسعار وحدها، بل في طريقة تشكل الأزمة المعيشية نفسها.
التضخم التراكمي بين الرقم والمعيشة
يرصد تقرير المركز السوري لبحوث السياسات عن آذار 2026 تضخماً شهرياً بنسبة 2.6% مقارنة بشباط، بعد موجة أعلى في الشهر السابق بلغت 6.5%. وعلى أساس سنوي، وصل التضخم إلى 26.4% مقارنة بآذار 2025، مع ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 726 نقطة إلى 918 نقطة، وفق سنة أساس 2021.
هذه الأرقام تقول إن الغلاء لم يعد حركة طارئة. إنه يتراكم. كل زيادة تبقى في الأسعار، ثم تأتي فوقها زيادة جديدة. لذلك يصبح تراجع التضخم الشهري من 6.5% إلى 2.6% خبراً ناقصاً إذا لم يُقرأ مع المستوى العام للأسعار. فالأسعار لم تنخفض. هي ارتفعت بوتيرة أبطأ فقط.
هذا هو المعنى العملي للتضخم التراكمي. لا يشعر المواطن بأن الضغط خف لمجرد أن النسبة الشهرية تراجعت. ما يراه هو أن السلة التي كانت مكلفة صارت أكثر كلفة، وأن الزيادة السابقة لم تُمحَ، وأن الأجر لم يلحق بالمسافة الجديدة.
الأشد دلالة أن التضخم تمركز في بنود لا يمكن الهروب منها. مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى ارتفعت 3.3% شهرياً و35.8% سنوياً، وساهمت وحدها بـ55.5% من التضخم الشهري. هذا يعني أن أكثر من نصف الضغط السعري جاء من السكن والطاقة والخدمات الأساسية. هنا لا يكون التضخم خياراً استهلاكياً. لا يمكن للأسرة أن تلغي السكن أو الماء أو الوقود كما تلغي سلعة ثانوية.
وجاء الغذاء في المرتبة التالية. سجلت الأغذية والمشروبات غير الكحولية ارتفاعاً شهرياً بنسبة 3% وسنوياً بنسبة 28.9%، وساهمت بـ38.4% من التضخم الشهري. داخل هذه المجموعة ارتفعت البقول والخضار 11.6%، واللحوم 5.9%، والفواكه 5.5%. هذه ليست تفاصيل تجارية. هي مكونات المائدة اليومية. وحين تتحرك بهذا الشكل، يصبح التضخم أقرب إلى ضغط غذائي مباشر.
أما النقل، فارتفع 2.1% شهرياً، وساهم بـ4.8% من التضخم. وقد يبدو الرقم محدوداً قياساً بالسكن والغذاء، لكنه يعمل بطريقة مختلفة. النقل لا يبقى في خانته. ينتقل إلى كلفة الخضار والخبز والبضائع وأجرة العامل وقرار الذهاب إلى العمل. ولهذا لا تقاس خطورته بنسبة الارتفاع وحدها.
ويكشف التقرير أن التضخم لا ينتشر بالتساوي بين المحافظات. الحسكة سجلت أعلى معدل شهري عند 5.1%، تلتها إدلب بـ4.4%، ثم درعا بـ3.8%، وحمص بـ3.4%، وحلب بـ3%. هذه الفروقات ليست عشوائية. إنها تعكس تعدد الأسواق والعملات وشبكات التوريد. مناطق ترتبط بالليرة التركية، وأخرى بالدولار أو بالليرة السورية، ومناطق تتأثر بالنقل والطاقة والسكن أكثر من غيرها. هكذا تصبح سوريا، في الأسعار، أسواقاً متعددة داخل بلد واحد.
لكن التقرير لا يترك القارئ عند الأسعار. ينتقل إلى الدخل، وهناك تظهر الفجوة الأوضح. بلغ متوسط أجر الموظف الجامعي في القطاع العام عند بدء التعيين نحو 1.13 مليون ليرة في آذار 2026، مقابل 1.25 مليون ليرة للعامل في القطاع الخاص، و2.9 مليون ليرة للموظف في القطاع المدني المرتبط غالباً بالمنظمات والتمويل الخارجي.
في المقابل، بلغ خط الفقر المدقع للأسرة 3.20 مليون ليرة شهرياً، وخط الفقر الأدنى 5.03 مليون ليرة، وخط الفقر الأعلى 6.95 مليون ليرة. أي إن أجر الموظف الجامعي الحكومي يغطي 35.5% فقط من خط الفقر المدقع، و16.3% من خط الفقر الأعلى. أما أجر العامل في القطاع الخاص فيغطي 39.2% من خط الفقر المدقع و18.1% من خط الفقر الأعلى. حتى القطاع المدني، الأفضل نسبياً، يغطي 91.9% من خط الفقر المدقع و42.3% فقط من خط الفقر الأعلى.
هذه المقارنة تختصر جوهر الأزمة. التضخم لا يعني فقط أن الأسعار ترتفع. يعني أن الأجر يفقد وظيفته. فحين لا يغطي العمل الحد الأدنى من متطلبات الأسرة، يصبح الدخل غير كاف حتى لو زاد اسمياً. عندها لا يكون الفقر نتيجة البطالة وحدها، بل نتيجة العمل بأجر لا يحمي صاحبه.
جاءت زيادة الأجور الاسمية بنسبة 50% في آذار، لكنها لم تدخل فعلياً في دخل الشهر نفسه، بحسب التقرير. والأسواق تفاعلت معها قبل أن تصل كاملة إلى الموظفين، خصوصاً في الثلث الأخير من الشهر. وهذا نمط معروف في اقتصاد ضعيف الثقة، حيث تتحول الزيادة المتوقعة إلى مبرر مسبق لرفع الأسعار. كما أن تطبيق الزيادة على أصل الراتب فقط يقلل أثرها العملي، فلا تصل إلى القوة التي توحي بها النسبة المعلنة.
الأكثر حساسية هو ما يسميه التقرير سياسة الأجور التمييزية. فقد صدرت زيادات نوعية لثماني جهات عامة، بينها الصحة والتعليم العالي والأوقاف والمصرف المركزي وجهات رقابية. قد تكون هناك دوافع قطاعية لكل زيادة، لكن النتيجة العامة هي خلق فروق داخل القطاع العام نفسه. موظفان متقاربان في المؤهل والعمل قد يجدان نفسيهما أمام دخلين مختلفين فقط لأن أحدهما في قطاع مفضل والآخر في قطاع مهمش. بهذا المعنى، يتحول الأجر من أداة حماية اجتماعية إلى أداة فرز.
وتتصل هذه الصورة بسعر الصرف. فقد واصل مصرف سوريا المركزي تثبيت سعر الحوالات والصرافة عند 11055 ليرة للدولار للشهر العاشر، بينما تحرك السوق الموازي بين 11771 و12402 ليرة. وارتفع متوسط سعر الصرف في السوق الموازي إلى نحو 11930 ليرة مقارنة بـ11655 في شباط، أي بتراجع يقارب 2.4% في قيمة الليرة. وفي المناطق المرتبطة بالليرة التركية، أضاف تراجعها بنسبة 1.5% ضغطاً آخر، خاصة على السلع المستوردة والطاقة.
تبدو السياسات العامة في التقرير جزءاً من المشكلة وجزءاً من محاولة إدارتها في الوقت نفسه. فتح الاستيراد قد يخفف نقصاً مؤقتاً، لكنه يضغط على المنتج المحلي إذا لم يترافق مع دعم الإنتاج. فرض سلفة ضريبية بنسبة 2% على فواتير الاستيراد قد يرفع إيرادات الدولة، لكنه قد ينعكس على السيولة والأسعار. وتوحيد بعض الأسعار بين المناطق قد يقلل الفوارق الجغرافية، لكنه يفعل ذلك أحياناً عند سقف مرتفع يزيد العبء الوطني بدلاً من تخفيفه.
لذلك لا تكفي قراءة التضخم باعتباره نتيجة سعرية. هو نتيجة نمط إدارة. حين تصبح الطاقة والسكن والغذاء والنقل أكثر كلفة، وحين يبقى الأجر دون خط الفقر، وحين تتعدد العملات والأسواق، يصبح التضخم أداة لإعادة توزيع الدخل من الأضعف إلى الأقوى. من لديه دخل بالدولار أو حوالات أو عمل مع منظمة أو ملكية سكنية يصمد أكثر. ومن يعتمد على راتب محلي ثابت يتراجع بسرعة.
الخلاصة أن تقرير آذار لا يقول إن الأسعار ارتفعت فقط. يقول إن الاقتصاد السوري يعيش تضخماً يتراكم في السلع الأساسية، ويتحول إلى فقر في الأجور، ويتوزع بشكل غير عادل بين المناطق والفئات. وهذا يعني أن العلاج لا يكون بزيادة راتب متقطعة أو فتح استيراد سريع. المطلوب سياسة دخل واضحة، وسلم أجور عادل، وربط دوري بالأعباء المعيشية، وحماية مباشرة للسكن والغذاء والطاقة والنقل.
قد ينخفض التضخم الشهري في شهر لاحق. وقد تستقر بعض الأسعار مؤقتاً. لكن ذلك لن يكفي إذا بقيت البنية نفسها. فالأزمة ليست في سرعة ارتفاع الأسعار وحدها، بل في أن الحياة اليومية صارت أعلى بكثير من قدرة الأجور على اللحاق بها. وهذا هو المعنى الأعمق للتضخم التراكمي.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: المواطن السوري والتضخم!









