مقالات

قراءة فنجان في مستقبل سوريا…

مقال رأي – د. أسامة أحمد نزار صالح – قراءة فنجان في مستقبل سوريا

في أواخر عام 1994، وفي إحدى المناسبات في لندن، طلب بشار الأسد من سيدة معروفة لدى نادي الجالية السورية بأنها أفضل من يقرأ الفنجان، قراءة بخته في فنجانه بعد أن أنهى قهوته. كان الأسد يُصغي بفضول ظاهر إلى كل كلمة تقولها قارئة الفنجان عن الحظ الذي سيبتسم له عند عودته إلى سوريا، لكنها أنهت حديثها بأن قعر فنجانه مملوء بالدم!

ربما لعبت الصدفة دوراً خفياً في تحقيق تنبؤات السيدة، أو أنها حرصت على ترجمة طريقة الأسد الأب ووحشيته في حكم سوريا وما يمكن أن يرثه الابن من طباع والده ونهجه. جاءت الأحداث، وكانت الأربعة عشر عاماً الأخيرة من عهد الأسد الابن غارقة بدماء الثورة السورية.

في مطلق الأحوال، فقد حفر انقلاب البعث عام 1963 في المجتمع السوري ندوباً قومية وطائفية، عمّقها حافظ الأسد بعد انقلاب 1970.

ولم يكن نجاح الأسد الأب في قمع انتفاضة حماة وباقي المدن السورية في ثمانينيات القرن الماضي إلا مقدمة لانفجار الثورة السورية عام 2011 بوجه الأسد الابن، التي في نهاية عام 2024 اقتلعت نظام الأسدين.

من الأسد إلى الشرع

بعد “حفنة” شهور من وصوله إلى قصر المهاجرين، صرّح الشرع في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض:

“أنا منذ فترة طويلة أتابع الرؤية التي قدمها سمو الأمير محمد بن سلمان، ورأيت أنها تشمل المنطقة بأكملها، لذلك سرّعنا بالمجيء لنكون جزءاً من هذا الترتيب الحاصل”.

كان الرئيس أحمد الشرع قد اختار السعودية وجهته الخارجية الأولى، لأنه – حسب قوله – عرف “أين المفتاح”، ونجح في استثمار بصمات المملكة العربية السعودية وقائد نهضتها الأمير محمد بن سلمان على موقع سوريا وعلاقاتها الدولية، واستثمرها في رفع العقوبات.

بعد تصريحاته عن الدول الناجحة، يضع الشرع سوريا كحلقة وصل لتحالف تركي – خليجي من قطر والإمارات بقيادة السعودية.

ويرى مراقبون، بعد تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك بخصوص “العمل الجيد الذي قدمته القيادة السورية خلال الأشهر الأخيرة”، أن الشرع له تأثير يشبه تأثير توم كروز في سلسلة الأفلام الشهيرة المهمة المستحيلة، في عبوره إلى سوريا موحّدة.

وإذا صح خبر زيارة الشرع إلى واشنطن، يمكن أن تتجاوز رعاية ترامب اتفاق انضمام سوريا للتحالف ضد داعش إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، ما سيمهد لحل ملفي الأكراد والجنوب، وهي تسديدة محكمة من الشرع كما تسديده الدقيق في لعبة البلياردو.

يمكن القول إن إردوغان سدد لكمة موجعة للطوق الذي فرضته إيران على جزء من المنطقة، بسقوط النظام السوري، بعد أقل من سبع سنوات على انطلاق تفاهمات أستانة بمشاركة الدول الضامنة (روسيا – تركيا – إيران).

رغم مرور سنوات، يبقى الصراع الروسي – الأوكراني متصدراً أولويات موسكو وتحديات سياستها الخارجية.
تعددت التحليلات حول زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو، ومن المؤكد أن موسكو تبحث عن استراتيجية جديدة للحد من الأضرار، وتحديد مقاربات جديدة تجاه المشهدين السياسي والعسكري بعد سقوط حليفها الأسد.

تبدو موسكو حريصة في المستقبل على دعم توازن مستمر بين اللاعبين في الساحة السورية، لمنع أي جهة إقليمية أو عالمية من ممارسة نفوذ سياسي حصري على السلطات السورية الجديدة، والهدف الاحتفاظ بمستوى معين من وجودها العسكري في سوريا، ولو تغيرت شروط هذا الوجود.

لم يبقَ في فنجان القهوة سوى إشارات غير مفهومة، تتعلق بقبضة ترامب التي لا تتعب والمفتاح الحاسم الذي يحملها. فهل تحمل هذه القبضة جائزة نوبل للسلام؟ وهل نرى حلاً للقضية الفلسطينية يسهّل الأمر على المنطقة وعلى الحكومة السورية؟

اقرأ أيضاً: لا تحشرونا في خانة أمريكا فنصبح أعداء لتركيا!

————————————————————————

تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى