قبل أن تبيع منزلك.. هل يجب عليك قانوناً أن تعرضه على جارك؟

بقلم: ريم ريّا
عند الحديث عن بيع منزل أو أرض في سوريا، كثيراً ما نسمع نصيحة كبار السن: “أرِ جارك أولاً”. يعتقد البعض أن هذا ليس مجرد عرف اجتماعي، بل هو شرط قانوني، وأن للجار الحق في الاعتراض إذا بيع العقار لشخص آخر دون علمه. هذه الفكرة، التي لا تزال رائجة حتى اليوم، تنبع مما كان يعرف “بحق الشفعة”، وهو نظام قانوني عثماني قديم كان يمنح بعض الأفراد أولوية في شراء العقارات في ظروف معينة. مع ذلك، ومع تطور القوانين وتغير طبيعة المدن والعلاقات الاجتماعية، تغيرت هذه القاعدة، وبقيت قصتها حاضرة في الذاكرة العامة أكثر من كونها مدونة في النصوص القانونية.
عندما كان للجيران الأولوية على الغرباء
في الماضي، لم تكن المنازل مجرد مبانٍ متجاورة، بل كانت جزءاً من نسيج اجتماعي واحد، حيث كان الجميع يعرفون بعضهم ويتشاركون تفاصيل الحياة اليومية. ومن هنا، نشأ مفهوم “حق الشفعة”، بهدف حماية الشركاء والجيران من دخول غريب قد يسبب خلافات أو يغير من طبيعة المجتمع. إذا باع شخص منزله أو حصته في عقار، كان بإمكان صاحب حق الشفعة شراء العقار بنفس السعر المتفق عليه بين البائع والمشتري، ليحلّ بذلك محله في البيع.
في ذلك الوقت، كان ينظر إلى هذا الحق كوسيلة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وليس مجرد إجراء قانوني، لا سيما في الأحياء القديمة والأراضي الزراعية والممتلكات المشتركة.
اقرأ أيضاً: العقارات المغتصبة في حلب: صراع طويل لاستعادة الحقوق بعد النزوح
لماذا ألغى القانون السوري حق الشفعة؟
مع صدور القانون المدني السوري، تغير مفهوم الملكية الخاصة وحرية الحيازة. ألغى المشرع السوري القانون المدني العثماني (المجلس) والمرسوم رقم 3339، ولم يذكر حق الشفعة ضمن طرق اكتساب الملكية أو في إطار الأحكام المنظمة للبيع. اعتبرت محكمة الاستئناف السورية، في حكمها رقم 206 لسنة 1950، هذا دليلاً واضحاً على نية المشرع إلغاء هذا الحق نهائياً، وأنه لم يكن مجرد سهو قانوني.
كانت هذه العملية متماشية مع التطور الحضري والاجتماعي الذي شهدناه في سوريا، حيث توسعت المدن، وتغيرت طبيعة العلاقات بين السكان، وأصبحت حرية المالك في اختيار مشتري عقاره مبدأ قانونياً أساسياً، يختلف تماماً عن القيود التي كانت سائدة في ظل الظروف الاجتماعية المختلفة قبل عقود.
هل يمكن للجيران الاعتراض على بيع منزل اليوم؟
وفقاً للقانون السوري الحالي، فالإجابة واضحة: لا. لا يوجد نص يلزم مالك العقار بعرض منزله أو أرضه على جاره قبل بيعها. كذلك، بعد إتمام البيع قانونياً، لا يحق للجار المطالبة بإلغاء العقد أو نقل الملكية لمجرد كونه جاراً. ي
تمتع البائع بحرية كاملة في اختيار مشترٍ مناسب والاتفاق على شروط البيع، شريطة أن تتم المعاملة وفقاً لجميع الإجراءات القانونية. مع ذلك، لا يزال مفهوم الشفعة شائعاً في النقاشات العامة، بل يعتقد البعض أنه لا يزال سارياً. ينبع هذا الاعتقاد من تطبيقه الاجتماعي المستمر أكثر من أي أساس قانوني.
بين العرف والقانون… لماذا استمر هذا المفهوم حتى يومنا هذا؟
لماذا استمر هذا المفهوم حتى يومنا هذا؟
على الرغم من انتهاء حق الشفعة قانونياً منذ عقود، إلا أن تأثيره الاجتماعي لم يختفِ تماماً. ففي العديد من القرى والأحياء القديمة، لا يزال بعض ملاك العقارات يفضلون إبلاغ جيرانهم أو أقاربهم قبل البيع، ليس خوفاً من القانون، بل احتراماً لعلاقاتهم ورغبةً في تجنب أي نزاعات مستقبلية محتملة.
يعكس هذا السلوك الفرق بين العرف والقانون، فالعرف قائم على الأدب والروابط الاجتماعية، بينما يحدد القانون الحقوق والواجبات بوضوح. لذلك، قد يفضل البعض عرض عقاراتهم على جيرانهم أولاً، لكنهم يفعلون ذلك بمحض إرادتهم، لا لأنهم ملزمون بذلك.
تظهر قصة “حق الشفعة” كيف تتطور القوانين مع المجتمعات. فما كان يعتبر وسيلة لحماية علاقات الجوار والروابط الاجتماعية قبل عقود، لم يعد متوافقاً مع طبيعة الحياة المعاصرة وديناميكيات سوق العقارات. اليوم، يستطيع أي مالك عقار في سوريا بيع عقاره لمن يشاء دون أن يكون ملزماً قانوناً بعرضه على جاره أولاً، في حين أن حق الشفعة لا يزال قائماً في الوعي الجمعي كعرف قديم وليس حقاً ملزماً قانوناً. وبين القانون والعرف، للنصوص القانونية الكلمة الفصل، بينما تبقى حسن الجوار قيمة اجتماعية يختارها الناس بإرادتهم الحرة، لا بإلزام من القانون.









