سياسة

أفراد وأسر وقبائل؟ نحن دول وأمم عريقة يا سيّد توم!

الكاتب: أحمد علي

وسط التوترات الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، خرج مبعوثٌ أمريكي بكلام تجاوز فيه حدوده، وحدود اللياقة الدبلوماسية. موجهاً إهانة مباشرة لسيادة دول المنطقة بأكملها وشعوبها. فقد أنكر توم باراك  وجود «الشرق الأوسط» كمنطقة دول ذات سيادة، واصفاً إياها بأنها ليست سوى «مجرد قبائل وقرى». فكيف لدبلوماسي يمثل دولة كبرى أن يُنكر تاريخ أممٍ عريقة ويختزلها في بضعة قبائل متناثرة؟ وكيف لنا، أبناء سوريا، قلب المنطقة، أن نقف إزاء هذا التطاول على سيادة البلاد وشعبها وجيرانها؟

تصريحات توم باراك.. ازدراء للشرق الأوسط وإهانة للسيادة

لم يتورع توم باراك عن إطلاق تصريحات غير مسبوقة في حدّتها. ففي حديث إعلامي أخير له، زعم المبعوث الأمريكي «أنه لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط، بل قبائل وقرى» وأن دول المنطقة ليست سوى نتاج خطوط رسمها البريطانيون والفرنسيون في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916.

هذا التصريح العدائي تجاه دول الشرق الأوسط ترافق مع تبريره بأن مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة وهمٌ نشأ بقرار استعماري وليس بإرادة شعوبها. وأضاف باراك موضحاً رؤيته الأحادية للتاريخ بأن القوى الاستعمارية قسموا أراضي الإمبراطورية العثمانية ورسموا حدوداً مستقيمة حولها وسمّوها دولاً قومية، مدعياً أن الشرق الأوسط «لا يعمل بهذه الطريقة»، وأن التسلسل الطبيعي فيه يبدأ بالفرد فالعائلة فالقرية فالقبيلة فالمجتمع ثم الدين، ليتكوّن في النهاية مفهوم الدولة – وكأن شعوب المنطقة لم ترتق بعد إلى مستوى تكوين دول حقيقية بنظره.

ولم يكتفِ باراك بذلك، بل شكّك في إمكانية توحيد دول الشرق الأوسط على أي موقف سياسي. وصرّح بشكل مبطن أن الاعتقاد بقدرة 27 دولة مختلفة تضم 110 مجموعات عرقية على التنسيق السياسي ليس سوى وهم.

بكلمات أخرى، يرى هذا المبعوث أن شعوب هذه المنطقة عاجزة جوهرياً عن التفاهم والتعاون، في تجاهل تام لكل ما يجمعها من روابط تاريخية وثقافية وجغرافية. واللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يصدم فيها باراك المنطقة بخطاب متعالٍ. فمنذ أسابيع قليلة، وأثناء مؤتمر صحفي في بيروت، فقد باراك أعصابه وهاجم الصحفيين اللبنانيين واصفاً سلوكهم بأنه “فوضوي وحيواني” مطالباً إياهم بأن “يتصرفوا بتحضر” إن أرادوا استمرار المؤتمر.

وهذا السلوك المتكرر يعكس نزعة استعلاء واضحة لدى المبعوث الأمريكي، ويفسّر لماذا جاء حديثه الأخير عن الشرق الأوسط بهذه الحدّة غير الدبلوماسية. فباراك الذي يشعر – على ما يبدو – بالإحباط من تعقيدات المنطقة، لجأ إلى خطابٍ يائس يصفها بالوهم والعدم، في مستوى وقاحة غير مسبوق حتى بمقاييس الخطاب السياسي الغربي.

جذور استعمارية خلف التصريحات

تنبع أفكار توم باراك من رواسب ذهنية استعمارية ترى دول الشرق الأوسط كيانات مصطنعة وحدوداً رسمت بقرار أجنبي. نعم، لا ينكر أحد أن القوى الاستعمارية الغربية اقتسمت إرث الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين وفق اتفاقية سايكس بيكو 1916، فأنشأت دولاً جديدة بحدود اعتباطية إلى حد كبير. هذه حقيقة تاريخية موثقة. لكن ما يتجاهله باراك قصداً هو أن شعوب المنطقة لم تكن كتلاً خاملة تنتظر من يرسم مصيرها على الورق، بل سارعت إلى النضال من أجل الاستقلال وبناء دولها الحديثة على أراضيها رغم إرادة المستعمر.

ففي سوريا ولبنان مثلاً، ورث الفرنسيون الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، لكن السوريين انتفضوا في ثورات عارمة كالثورة السورية الكبرى عام 1925 دفاعاً عن كرامتهم الوطنية، وقدموا التضحيات حتى نالوا استقلالهم التام عام 1946. وكذلك الحال في العراق الذي خاض ثورة العشرين ضد البريطانيين، لينال استقلاله مطلع الثلاثينات. أما الأردن وفلسطين وبلاد الجزيرة العربية، فقد شهدت حركات تحرر واتفاقيات معقدة أفضت في النهاية إلى ولادة دول ذات سيادة بهويتها الخاصة. أي أن خطوط سايكس بيكو التي رُسمت بمداد الاستعمار غُسلت فيما بعد بمداد تضحيات الشعوب، لتكتسب تلك الخطوط شرعيتها من دماء الشهداء وبطولات التحرر وليس من حبر المستعمر وحده.

المثير للسخرية أن توم باراك نفسه ينتمي إلى دولة حديثة العهد نسبياً تأسست عام 1776 بإعلان استقلال المستعمرات الأمريكية عن بريطانيا. فالولايات المتحدة التي جاءت متأخرة في مسرح التاريخ السياسي العالمي نشأت بقرار تمرد على مستعمر أوروبي، تماماً كما فعلت دول الشرق الأوسط في القرن الماضي. وإذا اعتبرنا – بمنطق باراك – أن كل دولة رسم حدودها أجنبي هي كيان وهمي، فهل ينطبق ذلك على عشرات الدول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي ولدت من رحم الحقبة الاستعمارية ثم شقت طريقها نحو الاستقلال؟ بل ماذا عن الولايات المتحدة نفسها التي كانت في الأساس مستعمرة بريطانية قبل أن تصبح دولة ذات سيادة؟ إن المطالبة بنقض شرعية دول لمجرّد أنها نشأت في ظل استعمار أجنبي منطق انتقائي معيب، يتجاهل أن نظام الدولة القومية حديث نسبياً في كل أنحاء العالم وليس حكراً على الشرق الأوسط.

أوروبا نفسها أعيد ترسيم خرائطها مرات عديدة عبر القرون بقرارات قوى كبرى، ولم يمنعها ذلك من تشكيل دول مستقلة مزدهرة.

لقد تطورت دول الشرق الأوسط خلال القرن العشرين بوتيرة متسارعة لتلحق بركب الدولة الحديثة. فعلى امتداد المنطقة تأسست حكومات وطنية وأنظمة تعليمية وجيوش نظامية واقتصادات مركزية وإدارات مدنية فعالة، تماماً كما في سائر دول العالم. هذه الدول اكتسبت الاعتراف الدولي بانضمامها لمنظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وسائر المنظمات الإقليمية والدولية، وأصبح لها صوت مسموع في المحافل الأممية.

على سبيل المثال لا الحصر، كانت سوريا من أوائل الدول الموقّعة على ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، أي قبل عام من نيل استقلالها رسمياً، في دلالة رمزية على إصرار أبناء سوريا على تأكيد وجود دولتهم رغم أنف الانتداب.

إن القراءة المتعالية لتاريخ منطقتنا تتغافل أيضاً عن حقيقة ساطعة: الشرق الأوسط كان مهد الحضارات البشرية الأولى. فعلى أرضه قامت أقدم الممالك والمدن، من أور وبابل وأوغاريت إلى منف وطيبة، وابتكرت الأبجديات الأولى وسُنّت الشرائع المبكرة (شريعة حمورابي وغيرها) وشُيّدت حواضر العلم والثقافة كدمشق وبغداد والقاهرة. تلك الحضارات تعود آلاف السنين إلى الوراء قبل أن تولد دول استعمارية حديثة العهد في الغرب.

وبالتالي فإن شعوب هذه الرقعة من العالم ليست قبائل بدوية تائهة تفتقر لمفهوم الدولة كما يصورها باراك، بل ورثة تراث عريق من البناء الحضاري والسياسي. وإن تخلّف البنية المؤسساتية في بعض الفترات كان نتيجة عقود الاستعمار والتقسيم الذي فُرض على المنطقة، لكنه لم يدم طويلاً بعد زوال حكم المستعمر المباشر.

سوريا في الصدارة: دولة ذات تاريخ وهوية راسخة

لم تكن سوريا التي يشغل باراك منصب المبعوث الأمريكي الخاص إليها إلا مثالاً ناصعاً على خطأ مزاعمه. فهذه البلاد التي يعتبرها مجرد حدود مصطنعة تمتد جذورها في عمق التاريخ الإنساني. اسم سوريا نفسه حاضر منذ عصور قديمة، وقد أُطلق على هذه المنطقة عبر مختلف الحقب (منذ العهد الآشوري مروراً بالعهدين اليوناني والروماني) باعتبارها وحدة جغرافية وثقافية متكاملة.

وفي العصر الحديث، ورغم رسم حدود سوريا بشكلها الحالي بعد الحرب العالمية الأولى، احتفظ السوريون بإحساس وطني متماسك يربط بين مكوناتهم الاجتماعية المتنوعة. فسوريا تضم عرباً وكرداً وآشوريين وأرمن وشركس وغيرهم، كما تضم مسلمين ومسيحيين وطوائف أخرى متعددة، ومع ذلك تشكّلت عبر الزمن هوية سورية وطنية جامعة استطاعت صهر هذه الفسيفساء في بوتقة دولة واحدة. هذه الحقيقة وحدها تدحض طرح باراك بأن الولاءات القبلية والمذهبية تطغى على الانتماء للوطن والدولة في مجتمعات الشرق الأوسط.

منذ فجر استقلالها، أكدت سوريا تمسكها بسيادتها ووحدة أراضيها. تصدّت لمحاولات الانتداب الفرنسي التقسيمية التي سعت لتجزئة سوريا إلى دويلات طائفية في العشرينات، فوحّدت كلمتها تحت راية هوية وطنية واحدة. وعندما نالت استقلالها التام عام 1946، سارعت إلى لعب دور ريادي في محيطها الإقليمي، فكانت من المؤسسين لجامعة الدول العربية عام 1945 ومن الداعمين الأوائل لحركات التحرر العربية. وعلى مدار العقود التالية، دفعت سوريا ثمناً غالياً دفاعاً عن سيادتها وكرامة قرارها الوطني؛ خاضت حروباً عدة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها (الجولان المحتل منذ 1967) وللوقوف بجانب القضايا العربية، وواجهت حديثاً حرباً شرسة ضد الإرهاب والتدخلات الخارجية على أراضيها طوال أكثر من عقد.

وقدّم الشعب السوري في هذه المحطات أعداداً لا تحصى من الشهداء والتضحيات حفاظاً على وحدة بلاده واستقلال إرادتها. أفهذا شعب يُقال إن دولته مجرد وهم رسمته أقلام أجنبية؟ إن دماء السوريين التي روت تراب الوطن هي خير شاهد على أن سوريا دولة حقيقية راسخة في وجدان أهلها، مهما حاول البعض إنكار وجودها أو النيل من سيادتها.

السيادة خط أحمر

لقد عانت دول الشرق الأوسط كثيراً عبر تاريخها الحديث من التدخلات الأجنبية، وهي تدرك تماماً خطورة العقليات التي تتبنى سردية “الكيانات المصطنعة” لتبرير الهيمنة أو إعادة رسم الخرائط. فحين يلمّح مسؤول أمريكي رفيع إلى أن دول المنطقة مجرد وهم، فإن القلق يتسلل إلى الأذهان حول النوايا الحقيقية وراء هذه الكلمات. هل هي نزوة عابرة أم إعلان عن مشروع تفكيك جديد؟ ليس من قبيل المبالغة القول إن طرح باراك يذكّرنا بمنطق المسؤولين الاستعماريين في مطلع القرن العشرين عندما قسمت منطقتنا وفق مصالحهم ثم سعوا لإقناع أهلها أنهم غير قادرين على الحكم الذاتي.

واليوم، يبدو أن كلمات باراك ليست مجرد زلّة لسان بل تعكس توجهاً لإبقاء الشرق الأوسط في حالة تشظٍ وانقسام بهدف تسهيل السيطرة عليه. إن وصفه المنطقة بأنها ستُدار “على أجزاء” – حيث ذكر أنه سيبدأ خططه بتركيا ثم سوريا ولبنان والأردن وغزة – يوحي باستراتيجية التعامل مع كل بلد على حدة وكأنه ملف منفصل، بدل احترام هوية المنطقة كمنظومة دول ذات مصالح مشتركة. هكذا تفكير يُشبه إلى حد بعيد اتفاقية سايكس بيكو جديدة ولكن بأدوات ناعمة تعتمد إدارة الأزمات بدلاً من الاحتلال المباشر، وما الوجود العسكري والسياسي لقوى أجنبية في بعض دولنا اليوم – من شمال سوريا إلى غرب العراق – إلا امتداد لهذا النهج الذي يقسم الجسد الواحد ويزرع فيه مناطق نفوذ متفرقة تحت ذرائع شتى.

مع ذلك، وبرغم كل المحاولات، أثبتت شعوب المنطقة أنها أصلب عوداً مما يتخيل أصحاب المشاريع التقسيمية. فهذه الشعوب التي يُنعَت بعضها بأنها مجرد “عشائر وقرى” هي ذاتها التي صنعت الحضارات وواجهت الغزاة عبر التاريخ، ولن يمحو وجودها خطاب متعالٍ أو خريطة مرسومة في الخارج. لقد تعاقب على هذه الأرض إمبراطوريات ودول وصراعات، وبقي جوهر الشعوب وحقها في تقرير مصيرها حياً لا يموت. وكلما اعتقد الواهمون أن شعلة الهوية ستنطفئ تحت وطأة التجزئة والتبعية، جاءت الأحداث لتثبت العكس – من كفاح الفلسطينيين المستمر لنيل دولتهم، إلى تمسك السوريين بوحدة أرضهم، إلى انتفاضات شعوب أخرى في وجه الوصاية والظلم.

ختاماً نقول: لقد ولى زمن الإملاءات الاستعمارية الغربية بلا رجعة، وما تصريحات باراك سوى صوت نشاز من ماضٍ لن يعود، يقابله حاضر يقول إن أبناء الشرق، الأوسط وغيره، هم وحدهم من يقررون مصيرهم. وكما انتزعت أجيال سابقة استقلالها وكبرياءها رغم أنف الإمبراطوريات، ستستمر الأجيال الحالية والقادمة في حمل شعلة السيادة والحرية، حتى يدرك العالم أجمع – ومنه الساسة الغربيين – أن منطقتنا لم تكن يوماً “مجرد أفراد وقبائل وقرى”، بل هو شعوب حيّة ودول أصيلة جذورها ضاربة في عمق التاريخ، وستمضي قدماً بثبات إلى أن تقرر مصيرها بيدها..

اقرأ أيضاً: جهاز الدولة في سوريا: إرث البعث وتحديات ما بعد الأسد! 

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى