المجتمع السوري

قانون 49 وقرار 22 بلا أثر كافٍ.. لماذا تتكرر أزمة النفايات في حماة!

300 طن من النفايات يومياً في حماة.. أزمة من جنوب الملعب إلى عين الباد

بقلم: ريم ريّا

في مدينة حماة، لم تعد أزمة النفايات مجرد مشهد عابر لأكياس سوداء متكدسة على الرصيف، بل تحولت من منتصف عام 2025 إلى ظاهرة مستمرة ذات أبعاد صحية واجتماعية إدارية. بين شكاوى حي “جنوب الملعب” آب 2025 وتقارير شباط 2026 عن كارثة بيئية في حي “عين الباد”، يبدو أن المدينة تواجه خللاً بنيوياً في إدارة ملف النظافة، يتجاوز نقص الآليات إلى غياب التخطيط الشامل.

الأرقام الرسمية تشير إلى ترحيل نحو 300 طن من النفايات بشكل يومي، إلى مطمر “كاسون الجبل”، لكن الواقع في الشوارع يشي بأن الكمية المرفوعة لا توازي حجم المتولد فعلياً، ولا تعالج مظاهر الرمي العشوائي التي تتكرر في أكثر من حي. في هذا المقال سنرصد الأزمة التي بدأت تتراكم ببطء مهيّأةً لحدوث الانفجار.

الواقع الميداني للنفايات في حماة.. من جنوب الملعب إلى عين الباد

في آب 2025، اشتكى سكان حي “جنوب الملعب”، خصوصاً في محيط شارع “مشاع جنوب الملعب”، من تراكم النفايات وانتشار الروائح والحشرات. وأشارت بعض التقارير الإعلامية المحلية إلى ظاهرة لجوء بعض أصحاب المواشي إلى نبش الحاويات لجمع بقايا الطعام، ما يؤدي إلى بعثرة القمامة في الطرقات وتحويل الشوارع إلى بيئة غير صحية.

في المقابل، أعلنت مديرية النظافة في آب 2025، تنفيذ حملة ضمن مبادرة “حماة تنبض من جديد”، شملت تنظيف شوارع: 8 آذار، المرابط، صلاح الدين، ساحة العاصي، حديقة الثورة، مع أعمال رش مبيدات وترحيل قربة 300 طن يومياً إلى مطمر “كاسون الجبل”.

مدير النظافة والآليات “محمد صقر“، أكد حينها أن العمل يجري عبر ورديتين صباحية ومسائية، لكن بعد أقل من ستة أشهر، تحديداً في شباط الجاري 2026، ظهر مشهد أكثر قساوة عند مدخل حي عين الباد، حيث تحول الطريق الوحيد المؤدي إلى الحي، من جهة المسلخ البلدي ومنطقة المزراب، إلى مكب مفتوح لفضلات المسالخ والحيوانات النافقة.

نُشرت صور أمس 15 شباط 2026، على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهر أكواماً من الجيف وبقايا الذبائح متراكمة بمحاذات المنازل ومدرسة الحي. الجرافات وبحسب شهادات السكان، تكتفي بإزاحة النفايات من وسط الطريق إلى جانبيهن لتترك مساحات جديدة للرمي العشوائي. النتيجة ليست تنظيفاً بل إعادة توزيع للقاذورات.

اقرأ أيضاً: مدينة التل: أوقات قمامة جديدة وشكاوى من الضواحي

نفايات

مدرسة محاصرة ومرض ينتشر وسط ضياع إداري

مديرة مدرسة “عين الباد”، وصفت الواقع المحيط بالمؤسسة التعليمية بأنه “يتجاوز الوصف”. الطريق الذي يسلكة الطلاب من منطقة المزراب محاط بالحيوانات النافقة، والقوارض والحشرات تتكاثر على الجانبين.

مع دخول فصل الصيف العام الماضي، تفاقم انتشار مرض “الليشمانيا”. عضو لجنة الحي “أحمد خلوف“، أكد إصابة زوجته وأربعة من أبنائه الخمسة بالمرض. كما سجلت حالات عض من قبل الكلاب الشاردة، بينها حادثة لطفل كادت أن تؤدي إلى بتر ساقه.

المعضلة في الحي، أن إحدى أعقد مشكلات منطقة “عين الباد”، تكمن في وضعها الإداري الملتبس. فهي تتأرجح بين تصنيفها كحي تابع للمدينة أو قرية مستقلة. عند المطالبة بالخدمات يقال للسكان إنهم حي، وعند مراجعة مؤسسات المدينة يُرد عليهم أنهم قرية. النتيجة: غياب ميزانيات واضحة، وضياع المسؤولية بين الجهات.

المسؤول في مديرية النظافة علاء عبد الغني عربو” أقرّ بوجود تقصير، وأرجع عودة الرمي العشوائي إلى نقص الرقابة، ضعف تطبيق العقوبات، وقلة الموارد البشرية والمالية. وأشار إلى تطبيق قانون النظافة رقم 49 لعام 2004 وقرار محافظة حماة رقم 22 لعام 2025، مع حجز عشرات الآليات المخالفة بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، ووعد بتشكيل دوريات “شرطة بلدية” لمراقبة المحور. في الواقع الوعود موجودة. لكن التنفيذ؟ هو السؤال.

آراء المواطنين بين محاسبة السلوك الفردي وتحميل البلدية المسؤولية

آراء السكان منقسمة بشكل واضح، فئة ترى أن الخلل سببه مجلس المدينة، وتُرجع الأزمة إلى نقص عمال النظافة، تهالك الآليات، عمل فعلي لا يتجاوز الساعة يومياً، حسب بعض الشهادات. وملف “لا يُدر أموالاً”، فلا يحظى بالأولوية.

فئة أخرى من السكان، تشير إلى سلوكيات مجتمعية تُرجع الأزمة إليها، مثل، رمي أكياس القمامة من الشرفات، إلقاؤها من السيارات، نبش الحاويات من قبل باحثين عن مواد قابلة للبيع، فضلاً عن عدم وجود وعي بخطر البلاستيك والتلوث.

البعض يقترح حلولاً، مثل حاويات تحت الأرض، تخصيص حاوية لكل بناء بمفتاح خاص، الاستثمار في إعادة التدوير واستخراج الغاز الحيوي من المخلفات العضوية، مستشهدين بتجارب دول مثل ألمانيا. في الحقيقة، النقاش لم يعد فقط “لماذا لا تنظف البلدية؟“، بل “من المسؤول فعلياً عن هذا المشهد؟“.

جوهر المشكلة.. أزمة إدارة أم أزمة قمامة فقط؟

لنكن واقعيين في الطرح، ومن خلال المعطيات التي تم رصدها فإن إشكالية النفايات في مدينة حماة ليست مسألة أكياس سوداء على الأرصفة، بل نتيجة تداخل أربعة عوامل رئيسية. أولها ضعف البنية التشغيلية، من نقص الوقود وتوقف الآليات إلى تهالك المعدات وقلة العمال.

ثانيها، متمثل في الخلل الإداري الواضح، والضياع في بعض المناطق مثل عين الباد، حيث يؤدي الغموض القانوني إلى شلل خدمي. ثالثها، ضعف منظومة الردع وتطبيق القوانين، رغم وجود قانون 49 لعام 2004 وقرار 22 لعام 2025. آخرها غياب استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات تشمل الفرز من المصدر، إعادة التدوير، والاستثمار الاقتصادي في المخلفات بدل دفنها بالكامل في مطمر “كاسون الجبل”.

فالمدينة التي تنقل 300 طن يومياً من النفايات إلى المطمر، لا تزال تغرق في أكوام القمامة داخل أحيائها. هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست في رقم النقل اليومي، بل في دورة الإدارة بأكملها، من إنتاج القمامة حتى التخلص منها.

بالمحصلة، إذا لم تتحول الجهود من حملات موسمية إلى خطة مُحكمة ومستدامة، وتنتقل البلدية من مرحلة الوعود الرقابية إلى التطبيق الصارم، ومن الجمع العشوائي إلى الإدارة المنضبطة، ستبقى حماة تدور في الحلقة ذاتها.. تنظف شارعاً اليوم لتتراكم القمامة فيه غداً. المدينة لا تحتاج حملة “تصوير” جديدة، بل نظاماً يعمل.. حتى حين لا ينتظر أحد ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى