قانون المرور الجديد: غرامات كبيرة مع تسجيل أكثر من مليوني مخالفة!

بقلم هلا يوسف
كان حجم الحوادث المرورية، والمخالفات التي يرتكبها السائقون، كفيلة بتوجيه نظر السلطات السورية لضرورة تعديل قوانين المرور حتى يصبح احترامها فرضاً وليس خياراً. فدائما هناك ازدحام كبير، وسيارات متوقفة في أماكن ممنوعة، وسائقين يستخدمون هواتفهم أثناء القيادة، وآخرون يتجاوزون الإشارة الحمراء دون أدنى تفكير بعواقب هذا العمل، لدرجة أصبحت هذه المشاهد طبيعية. لذلك كان من الضروري وجود قانون سير جديد، يعتمد على رفع الغرامات، واعتماد نظام للنقاط، وتوسيع استخدام الكاميرات الذكية لرصد المخالفات، حتى يتم ضبط الوضع. وهذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال.
لماذا أصبحت شوارع دمشق أكثر ازدحاماً؟
قبل الحديث عن قانون سير جديد، الأفضل الحديث عن الأسباب التي تجعل الواقع المروري معقد. فمن المؤكد أم الازدحام لا يقتصر سببه على كثرة السيارات. بل هناك مخالفات مرورية كفيلة بأن تحول أي شارع إلى نقطة اختناق خلال دقائق.
من أبرز هذه المخالفات الوقوف على ما يعرف “بالرتل الثاني”. قد يكون الأمر بسيطاً بالنسبة للسائق الذي يريد التوقف لدقائق، لكنه في الحقيقة يغلق أحد مساري الطريق، ويجبر جميع المركبات على استخدام مسار واحد فقط. ومع مرور الوقت يبدأ الازدحام بالازدياد، وقد يمتد لمئات الأمتار حتى يتم إبعاد السيارة المخالفة.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فالتوقف في المنعطفات أو أمام مواقف الحافلات أو في أماكن ممنوعة يزيد من صعوبة الحركة، خاصة أن كثيراً من شوارع دمشق ضيقة أصلاً، ولم تعد قادرة على استيعاب العدد الكبير من المركبات.
ويشير رئيس فرع مرور دمشق العميد ثائر إسماعيل عويض إلى أن محدودية البنية التحتية تسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، فالعاصمة تحتاج إلى مزيد من الجسور والأنفاق والمشاريع المرورية التي تساعد على توزيع الحركة بطريقة أفضل. وأكد أن حل مشكلة الازدحام لا يعتمد على تطبيق المخالفات فقط، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير البنية التحتية وتنظيم استخدام الطرق.
وفي الوقت نفسه، ما يزال قرار منع الدراجات النارية قائماً، إذ تؤكد إدارة المرور أنه لم يطرأ أي تغيير عليه، مع استمرار العمل على تطبيقه بشكل تدريجي، خاصة في ظل محدودية كراجات الحجز المخصصة للمركبات المخالفة، والعمل على تأمين مواقع جديدة لاستيعابها.
قانون جديد بعقوبات أشد ورقابة إلكترونية
الأسباب السابقة وغيرها من الأمور التي لم يتم ذكرها، احتاجت وجود قانون سير جديد، وفعلياً هناك مسودة لهذا القانون، حيث يُقال أن أكثر ما سيلفت انتباه السائقين هو الزيادة الكبيرة في قيمة الغرامات، إذ تتجه الجهات المعنية إلى رفعها لتصبح أعلى بنحو عشرة أضعاف مقارنة بالقيم الحالية، بعدما تبين أن الغرامات الموجودة لم تعد كافية لردع كثير من المخالفين.
لكن التغييرات لا تقتصر على الجانب المالي فقط، فالقانون الجديد يعتمد أيضاً على تصنيف المخالفات بحسب خطورتها، ويضيف نظاماً لحسم النقاط من السائق، بحيث يؤدي تكرار المخالفات إلى إجراءات أكثر صرامة وعقوبات متدرجة، وهو نظام مطبق في كثير من دول العالم ويهدف إلى تشجيع السائق على الالتزام الدائم بالقانون.
بينما ستكون التكنولوجيا حاضرة ضمن القانون، وشريكة في ضبط السير ورصد المخالفات بشكل أكبر. وهذه التقنيات مطبقة في أوتوستراد المزة ومحيط ساحة الأمويين. إذ ترصد الكاميرات المنتشرة تلقائياً عدداً من المخالفات، مثل استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، وقطع الإشارة الضوئية، وتجاوز السرعة المحددة.
وما يميز هذه المنظومة أن المخالفة لا تحتاج إلى وجود عنصر مرور في المكان، إذ يتم تنظيمها إلكترونياً وتسجل على المركبة مباشرة، ولا يستطيع مالكها تجديد الترخيص أو نقل الملكية أو إنجاز أي معاملة تتعلق بها قبل تسديد الغرامة.
أما بالنسبة للسرعة الزائدة، فإن القانون الحالي يفرض عقوبات مشددة عندما يتجاوز السائق الحد المسموح بأكثر من 40 كيلومتراً في الساعة، إذ قد تصل العقوبة إلى الحبس لمدة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر، بالإضافة إلى الغرامة المالية، لأن هذا النوع من المخالفات يعد من أكثر السلوكيات خطورة على الطريق.
أرقام تدق ناقوس الخطر… والسلامة مسؤولية الجميع
إذا نظرنا إلى الأرقام المسجلة للحوادث والمخالفات، ستخبرنا وحدها عن حجم المشكلة التي تواجهها الطرق السورية اليوم. فمنذ بداية عام 2026 وحتى منتصف شهر حزيران، استجابت فرق الدفاع المدني لأكثر من 2200 حادث مروري في مختلف المحافظات، وأسفرت هذه الحوادث عن أكثر من ألفي إصابة و124 حالة وفاة.
وفي الوقت نفسه، سجلت وزارة الداخلية، وفقاً لوسائل إعلام محلية، أكثر من مليونين و638 ألف مخالفة مرورية خلال العام، وهو رقم كبير يعكس حجم التجاوزات اليومية التي تشهدها الطرق.
ولا تقتصر آثار هذه المخالفات على الغرامات المالية أو العقوبات القانونية، بل يمتد تأثيرها على الأسر والمجتمع، خصوصاً وأن معظم الحوادث تحدث بسبب المخالفات. لذلك تنوه الجهات المختصة أن الالتزام بقواعد المرور لا يجب أن ينبع من الخوف من الغرامة المالية، بل يجب أم يفهم المواطنون أنه سلوك، يحمي السائق ومن معه، ويحافظ على سلامة الآخرين أيضاً.
مواقف السيارات.. تحدي آخر أمام إدارة المرور
كما تحدثنا في بداية المقال أن إدارة المرور أشارت إلى ضعف البنية التحتية التي تنظم الحركة والتوقف. ومنها مواقف السيارات. حيث أكدت الإدارة أنه يجري العمل على دراسة إنشاء مواقف طابقية واستثمار المساحات المتاحة، بما في ذلك إنشاء مواقف أسفل بعض الحدائق العامة، للتخفيف من الضغط في المناطق المزدحمة، خاصة وسط دمشق ودمشق القديمة.
كما أعلنت إدارة المرور أن منح إجازات السوق الجديدة ما يزال متوقفاً في الوقت الحالي، ويجري الاعتماد مؤقتاً على شهادات مدارس تعليم القيادة الخاضعة لإشراف وزارة النقل، إلى حين استكمال الإجراءات الخاصة بإعادة منح الإجازات.
في النهاية، نجاح قانون السير الجديد يعتمد على مدى تجاوب المواطنين له، ومدى التزامهم بالقانون أولاً، ثم التشديد والرقابة على طريقة تطبيق القانون، فالطريق يصبح آمن بشكل أكبر عندما يقتنع السائق بأن احترام القانون هو حماية له قبل أن يكون التزاماً تجاه الدولة.
اقرأ أيضاً: حلب والأردن .. تأهيل الطرق المرورية بين التكلفة ومدة الإنجاز









