سياسة

قاعدة بلا أميركيين وهجوم بلا دليل: كيف تحولت التنف إلى ساحة حرب معلومات؟

الكاتب: أحمد علي

أعلن الحرس الثوري الإيراني صباح 17 تموز 2026 أنه نفذ هجوماً مباغتاً على ما وصفه بمركز قيادة للعمليات الخاصة الأميركية في منطقة التنف السورية. وقالت الرواية إن عدداً كبيراً من الجنود الأميركيين قتلوا، وإن منظومة رادار ومروحيات دمرت. أما المشكلة فظهرت فوراً في تفصيل معروف منذ خمسة أشهر، فالقيادة المركزية الأميركية أنهت خروج قواتها من القاعدة في 11 شباط كما هو معلن، وسلم الموقع في اليوم التالي إلى القوات السورية.

وفي التفاعل على ذلك، جاء الرد الأميركي في صيغة تدقيق مختصرة، حيث وصفت القيادة المركزية الادعاء بأنه كاذب، وأكدت عدم مقتل أي جندي أميركي في المنطقة أو أسره أخيراً. وقال مصدر في وزارة الدفاع الأميركية لصحيفة ذا ناشيونال إن الادعاءات عن هجمات على قوات أميركية داخل سوريا غير صحيحة. أما المصدر العسكري السوري الذي تحدث إلى رويترز فأقر بوقوع ضربة إيرانية قرب التنف، لكنه قال إنها لم تصب القاعدة ولم تسبب خسائر بشرية أو أضراراً مادية، فيما نقل مصدر آخر إلى وكالة الصحافة الفرنسية نفياً مماثلاً.

المعلومات المتاحة حتى اليوم 18 تموز تثبت وقوع تحرك عسكري إيراني في محيط التنف، ولا تثبت إصابة موقع أميركي عامل هناك. لم تنشر طهران صوراً قابلة للتحقق من الأضرار التي أعلنتها، ولم تظهر إحداثيات لنقطة السقوط أو بقايا مقذوفات أو صور أقمار صناعية تحسم موقع الضربة. وهكذا انتقل الخبر سريعاً من سؤال عسكري محدود إلى خلاف على هوية الهدف وما جرى فعلياً على الأرض.

التنف بعد الانسحاب الأميركي

تقع القاعدة عند التقاء الحدود السورية والعراقية والأردنية، وكانت خلال سنوات الانتشار الأميركي موقعاً لعمليات التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتدريب القوات المحلية. موقعها منحها وظيفة أخرى في الحسابات الأميركية، إذ راقبت الطرق التي تربط العراق بسوريا ولبنان، وقيّدت حركة الجماعات المرتبطة بإيران على هذا المسار، لذلك بقي اسم التنف مرتبطاً بالمواجهة الأميركية الإيرانية حتى عندما تغيرت الجهة التي تدير الموقع.

التغيير الرسمي وقع في شباط من العام الجاري 2026. إذ أعلنت القيادة المركزية أن قواتها غادرت التنف بصورة منظمة يوم 11 شباط ضمن خطة لتجميع مواقع الانتشار في سوريا. ووزارة الدفاع السورية أعلنت في اليوم التالي تسلم القاعدة، وبدأ الجيش وحرس الحدود الانتشار في المثلث الحدودي. وقال مسؤول أميركي للجزيرة حينها إن نحو 300 جندي غادروا الموقع، بينما بقي الوجود الأميركي في مواقع أخرى شمال شرقي سوريا. وانتقال القوات إلى الأردن ورد أيضاً في تقارير رويترز.

وجاء الانسحاب عملياً بعد سقوط حكم بشار الأسد في كانون الأول 2024 وتحسن قنوات الاتصال بين واشنطن والسلطات السورية الجديدة. كما رافقته ترتيبات أوسع بشأن مكافحة تنظيم الدولة ونقل معتقلين من سوريا إلى العراق. واحتفظت الولايات المتحدة بقدرتها على تنفيذ ضربات من خارج التنف، لكنها لم تعلن إعادة قواتها إلى القاعدة بعد تسليمها.

إذاً، وصف الموقع في تموز بأنه مركز قيادة أميركي يحتاج لذلك إلى إثبات مستقل، فقد تكون الرواية الإيرانية استخدمت تعريفاً قديماً للقاعدة، وقد تكون قصدت منشأة أخرى في المنطقة الأوسع. واحتمال وجود نشاط أميركي غير معلن لا يمكن استبعاده نظرياً، لكن لا توجد في المصادر المتاحة قرينة تسمح بتأكيده. وبيان الحرس لم يقدم ما يثبت عودة قوة أميركية إلى الموقع أو وجود مروحيات ومنظومة رادار فيه وقت الضربة.

ثلاث روايات لواقعة واحدة

ربط الحرس الثوري العملية بمقتل سبعة جنود إيرانيين في ضربة صاروخية أميركية على إيرانشهر جنوب شرقي إيران، وقدّم هجوم التنف بوصفه رداً ناجحاً على قوات أميركية، مع حديث عن قتلى وتدمير معدات. هذه التفاصيل رفعت مستوى الادعاء كثيراً، لأن إثباتها يتطلب وجود قوات ومعدات أميركية في القاعدة أولاً، ثم أدلة على إصابتها. ولم يتوافر أي من ذلك علناً حتى موعد إعداد هذا التقرير.

النفي الأميركي حسم جانباً محدداً. لم يُقتل جنود أميركيون ولم يقع أحد منهم في الأسر، وفق القيادة المركزية. وهذا الرد يفند الجزء الأخطر من الرواية الإيرانية، لكنه لا يشرح ما سقط قرب التنف ولا يحدد نقطة الاستهداف. كما أنه لا يقدم تقييماً مفصلاً لما إذا كانت منشأة سورية قد تعرضت لمحاولة قصف. وتصريح المسؤول الدفاعي لصحيفة ذا ناشيونال كان أوسع، إذ نفى تعرض قوات أميركية في سوريا للهجوم.

الرواية السورية اقتربت من سؤال المكان. المصدر الذي تحدث إلى رويترز قال إن إيران نفذت هجوماً قرب التنف، وإن القاعدة نفسها لم تُصب. مصدر عسكري آخر نفى لوكالة الصحافة الفرنسية تعرض القاعدة للقصف. يفيد هذا الكلام بأن نشاطاً عسكرياً وقع في المنطقة، مع غياب أثر داخل الموقع. لكنه بقي منسوباً إلى مصادر غير مسماة، ولم يصدر معه تقرير فني عن نوع السلاح ومساره وموقع سقوطه.

رويترز قالت إنها لم تستطع التحقق بصورة مستقلة ممّا وصفته بـ ادعاء الحرس، ولا تسمح هذه الفجوة بوصف الحادث بأنه قصف ناجح لقاعدة أميركية، كما لا تسمح بنفي إطلاق مقذوفات باتجاه منطقة التنف. الصياغة الأدق هي أن إيران أعلنت استهداف مركز أميركي، بينما أفاد مصدر سوري بوقوع الضربة قرب القاعدة من دون إصابتها. أما الخسائر التي أعلنتها طهران فتنفيها واشنطن ولا تدعمها أدلة منشورة.

سوريا داخل معركة الرسائل

تحاول دمشق منذ اتساع الحرب الإقليمية إبقاء الأراضي السورية خارج المواجهة، وقال الرئيس أحمد الشرع في آذار إن سوريا ستبقى خارج أي صراع ما لم تتعرض للهجوم. وسقوط مقذوفات إيرانية قرب التنف يضع هذا الموقف أمام اختبار مباشر، لأن الموقع أصبح تحت سيطرة الدولة السورية، مهما كانت هويته السابقة.

جاء الحادث بعد يوم من إعلان وزارة الداخلية السورية ضبط أسلحة مخبأة في صهريج نفط عند معبر التنف، وقالت إن التحقيقات أشارت إلى أنها كانت متجهة إلى حزب الله في لبنان. نفى الحزب العمل داخل سوريا. والتزامن أثار تساؤلات عن علاقة الواقعتين، لكن لا يوجد دليل منشور يربط الضربة الإيرانية بعملية الضبط، بينما نسب الحرس عمليته صراحة إلى الرد على مقتل الجنود في إيرانشهر.

اختيار اسم التنف مفيد في الخطاب الإيراني لأنه معروف منذ سنوات كعنوان للوجود الأميركي قرب حدود ثلاث دول. تقديم الموقع بهذه الصفة يسمح لطهران بإظهار قدرة على الرد داخل ساحة جديدة، حتى لو كانت القوات الأميركية قد غادرته. الجمهور الداخلي يتلقى خبراً عن خسائر أميركية بعد ضربات موجعة داخل إيران، بينما تتلقى دول المنطقة رسالة عن اتساع مدى الرد. ونجاح الرسالة الإعلامية لا يثبت النتيجة العسكرية المعلنة.

واشنطن ركزت بدورها على سلامة جنودها وعلى نفي الأسر، وهو الجانب الأكثر حساسية أمام الرأي العام الأميركي. لم تدخل في شرح طويل عن وضع الموقع أو تفاصيل ما وقع قربه. فيما أكدت دمشق غياب الأضرار، بما ينسجم مع رغبتها في تثبيت سيادتها ومنع التعامل مع التنف كقاعدة أجنبية باقية. وكل طرف أجاب عن السؤال الذي يخدم موقفه، وبقيت التفاصيل الميدانية ناقصة.

إلى هنا، يتبين أن الحسم يحتاج إلى بيان فني من السلطات السورية يحدد نقطة السقوط، أو صور أقمار صناعية حديثة، أو بقايا مقذوفات يمكن التحقق منها. من دون ذلك يبقى نجاح الهجوم الإيراني غير مثبت. والنفي الأميركي يؤكد عدم وقوع خسائر بين جنوده، لكنه لا ينفي وحده حدوث ضربة قرب الموقع.

الثابت حتى 18 تموز 2026 أن إيران أدخلت الأراضي السورية في ردها الإقليمي، وأن التنف لم تعد قاعدة أميركية منذ شباط. لا توجد خسائر أميركية موثقة ولا أضرار مثبتة داخل القاعدة. والتعامل الصحفي مع الحادث يقتضي وصفه ضمن هذه الحدود. ضربة إيرانية قيل إنها وقعت قرب التنف، وادعاء بإصابة مركز أميركي لم يثبت، ونفي سوري للأضرار، وموقع تديره دمشق منذ خمسة أشهر. ونحن حريصون على ذلك، لأن أي صياغة تتجاوز ذلك تصبح جزءاً من حرب المعلومات التي يفترض بالتغطية المهنية الاعلامية أن تفككها.

اقرأ أيضاً: الطاقة السورية بين شيفرون وكركوك–بانياس: هل تبدأ مرحلة التنفيذ لا مذكرات التفاهم؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى