
على سفحٍ يعلو العاصمة دمشق كالحارس الأمين، يقف جبل قاسيون شامخاً، يروي بصمته حكاياتِ مدينةٍ عتيقةٍ مُتكئةٍ على كتف التاريخ، لا تنام. من قاسيون تطل البيوت البيضاء على قلب العاصمة، وتعانق النجوم ليلاً وكأنها شامات على خد الشام. قاسيون ليس مجرد جبل يطل على المدينة، بل ذاكرةٌ حيةٌ تختزن عبق التاريخ، ومرآة تعكس تحولات الزمان والمكان.. فمن قاسيون، دمشق أكثر سحراً وكأنها تعيد تعريف الجمال كل صباح. سنطرح في مقالنا أبرز الحكايات عن جبل قاسيون، مبرزين رمزية هذا الجبل وتجذره عبر التاريخ.
موقع قاسيون في دمشق وسبب التسمية
قاسيون “الجبل المقدس” كما يحب السوريون أن يسموه، ذو الموقع الاستراتيجي، يطل على العاصمة السورية دمشق، وفيه معالم أثرية ومغارات، أبرزها “مغارة الدم”، التي تزعم بعض الروايات أن فيها دماً يعود لهابيل ابن النبي آدم عليه السلام، الذي قتله أخوه قابيل، وتدور حوله أساطير وموروثات شعبية كثيرة، وتغنّى به الشعراء والأدباء. وفي العصر الأموي قصده الملوك والأمراء للاصطياف.
يقع جبل قاسيون شمالي مدينة دمشق، وتتصل به من الغرب سلسلة جبال لبنان، ومن الشمال والشرق سلسلة جبال القلمون، التي تمتد إلى مدينة حمص، ومن هناك يشرف على غوطة دمشق، يرتفع عن مستوى سطح البحر نحو 1150 متراً، فيما يمتد عرضه إلى 15 كيلومتراً، وهو عبارة عن هضبة تشكلت حسب الجيولوجيين في بداية العصر الطباشيري المتأخر.
أُطلقت على الجبل تسميات عديدة وكثيرة، سنورد أبرزها وأكثرها شهرة، سُمّي قاسيون “جبل دمشق”، “جبل الشام”، “جبل التين”، “جبل الأيتام”، “جبل الأنبياء”، “مصعد الأنبياء” و”حارس دمشق”، وفي الآرامية القديمة ذكر باسم “قَيصون” وتعني نهائياً.
يرى مؤرخون أن تسمية “قاسيون” ظهرت في المصادر العربية منذ القرن الأول الهجري، لكن بعض المصادر العربية ذكرتها بصيغ أخرى مثل “قَيْسُون” أو “قايسون”، كما تغنى بدمشق شعراء العرب قديماً، إذ لقبوها بـ”بنت قيسون”. ويرى آخرون أنه سُمّي كذلك لقسوة حجارته وعصيانها وصعوبة صناعة الكفار منها الأصنام زمن النبي إبراهيم عليه السلام. وقيل الأصل كلمة “قاسي”، وألحقت بها الواو والنون تأثراً بالكنعانيين الذين كانت لهم عادة إلحاقهما، كما في كلمتي القلمون وميسلون.
لكن ما ألفه السوريون والاسم الأكثر تداولاً بينهم لقاسيون عند وصفه هو “الجبل المقدس”، ذلك لأهميته التاريخية والدينية وكثرة الأساطير المروية عنه، إذ قيل إنه كان مزاراً للأنبياء والرسل، وإن أحداثاً ذكرت في القرآن الكريم وكتب التاريخ الإسلامية قد وقعت فيه، منها أن سيدنا آدم عليه السلام سكن سفحه قرب التربة البدرية، وعليه قتل قابيل أخاه هابيل، وفي “كهف جبريل” جاءت الملائكة تعزي آدم في مقتل ابنه.
اقرأ أيضاً: ملعب العباسيين في دمشق.. من مرمى أهداف إلى Resort and spa
أبرز معالم الجبل المقدس في قلب العاصمة
الجبل مشهور باحتضانه عدداً من الأحياء السكنية الشهيرة، أهمها حي الصالحية ومنطقة المهاجرين وحي الأكراد ومنطقة الشيخ محيي الدين و”أبو جرش” والشركسية. كما يضم عدداً من الأديرة والمقامات التي تنسب للأولياء والصالحين، منها “دير مرّان”، وقبر النبي ذي الكفل عليه السلام، ومقام النبي يونس عليه السلام، وقبر ابن عربي، إضافةً إلى مقام النبي إيليا. من أبرز معالمه الأخرى:
-
مغارة الدم (مقام الأربعين)
يعود تاريخها إلى أكثر من 4 آلاف عام، وكانت معبداً وثنياً للآراميين ثم كنيسة في عهد الروم، ويقول “ابن جبير الأندلسي” إنها سميت بمغارة الدم لأنها مكان موضع مَقتل هابيل، الذي تقول الروايات إن دمه لطخ سفح الجبل حتى منتصفه ولم ينته إلا عند تلك المغارة، وتقول رواية أخرى إنها المكان الذي جرّ إليه قابيل أخاه هابيل بعد قتله، فترك دمه أثراً لم تمحه القرون.
يروى محلياً، أنه عند وقوع تلك الحادثة، اهتز جبل قاسيون من هولها وبدأ بالانهيار، إلا أن الملك جبريل عليه السلام تدخل وأمسكه بيديه مانعاً انهياره. يقال إن الدليل على تلك الحادثة هو بصمة يد ظاهرة على سقف المغارة، يعتقد الناس أنها تعود لجبريل. كما تذكر بعض الروايات أيضا أن أنبياء الله (إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب) صلّوا في المغارة التي فيها محرابان. وقيل إنها سميت مغارة الأربعين لأن سيدنا يحيى سكنها مع أمه 40 عاماً.
-
مغارة الجوعية (الجوع)
من المغارات الطبيعية في الجبل، وسميت كذلك لأسطورة تقول إن 40 نبياً لجأوا إليها هرباً من الكفار، ولم يكن معهم سوى رغيف خبز واحد، فآثر كل واحد منهم رفيقه، حتى ماتوا جميعهم من الجوع.
-
قبتان تاريخيتان
تقع القبتان التاريخيتان أعلى الجبل، الأولى على قمة الجنك، وهي مبنى مرصد قاسيون المعروف باسم “قبة السيار الأثرية” نسبة إلى الأمير المملوكي “سيار الشجاعي”، وكان يستخدم مرصداً فلكياً في عهد الخليفة المأمون لرصد النجوم والكواكب، والثانية هي “قبة النصر” لكنها اندثرت مع مرور الزمن.
اقرأ أيضاً: التراث اللامادي في سوريا بين الارتباط بالهوية ومعركة الاندثار
رمزية جبل قاسيون في ذاكرة السوريين
لقاسيون مكانة رمزية في قلوب السوريين قبل ذاكرتهم، فهو أكثر من مجرد معلم جغرافي مطل على العاصمة، بل شاهد على تحولاتها وتاريخها عبر العصور. هذا الجبل يحمل بين حجارته رمزية الثبات (ثبات المدينة وعراقتها)، يقف شامخاً يحرسها من الشمال وتنساب على سفوحه أحياء دمشق بقديمها وحديثها.
قاسيون وجدانٌ شعبيٌ حيٌّ نابضٌ بالحكايات والأساطير، ورمزٌ للانتماء وللوطن.. إطلالة دمشق لا تنسى من قاسيون والسوريون يحملون المدينة وجَبلها في قلوبهم بمزيجٍ من التاريخ والجمال والألم.. قاسيون هو صمود وحنان دمشق.









