سياسة

قابلية العيش في دمشق عند 32 نقطة… هل هي فعلاً «غير قابلة للعيش»؟

الكاتب: أحمد علي

حصلت دمشق على 32 نقطة من أصل 100 في مؤشر قابلية العيش العالمي لعام 2026، وبقيت في المرتبة 173، الأخيرة بين المدن التي شملها المؤشر. وانطلق مقال نشرته «اندبندنت عربية» في 2 آب من هذه النتيجة ليصف العاصمة السورية بأنها «غير قابلة للعيش»، مستنداً إلى التصنيف وإلى شهادات عن الأمن والصحة والتعليم والبنية التحتية. هل تقود بيانات المؤشر فعلاً إلى هذا الحكم، أم أنها تقول شيئاً أضيق وأكثر تحديداً؟

المقال يلتقط أزمة حقيقية في الحياة اليومية داخل دمشق، ويضعها ضمن أثر حرب طويلة وانتقال سياسي لم يتحول بعد إلى تحسن واسع في الخدمات. لكن العنوان ينقل النتيجة من مقارنة بين 173 مدينة إلى وصف مطلق، كما أن مراجعة التقرير الأصلي تكشف أخطاء في توزيع الدرجات الفرعية. التشخيص العام معقول، أما الدقة التي يحتاجها الاستنتاج فتتطلب الفصل بين ما قاسه المؤشر وما أضافه المقال إليه.

كيف حُسبت قابلية العيش في دمشق؟

أجرت وحدة إيكونوميست إنتليجنس (Economist Intelligence Unit – EIU) مسحها في أيار 2026، وقيّمت 173 مدينة عبر 30 مؤشراً موزعة على خمسة مجالات. يمنح المؤشر الاستقرار 25 بالمئة من الدرجة النهائية، وتحصل الثقافة والبيئة على الوزن نفسه. وتبلغ حصة الرعاية الصحية 20 بالمئة، وكذلك البنية التحتية، بينما يشكل التعليم 10 بالمئة.

بعض المؤشرات كمي ويُبنى على بيانات خارجية، وبعضها نوعي يقدره محللو الوحدة ومساهمون من داخل المدن. يشمل الاستقرار الجريمة واحتمالات الإرهاب والنزاع العسكري والاضطراب المدني. أما البنية التحتية فتدخل فيها الطرق والنقل والاتصالات والسكن والكهرباء والمياه والروابط الدولية. ويقيس قسم الصحة توافر الرعاية العامة والخاصة وجودتها وإمكان الحصول على الأدوية، بينما يضم قسم الثقافة والبيئة عوامل تمتد من المناخ إلى الفساد والقيود الاجتماعية والرقابة وتوافر النشاط الثقافي والسلع.

الدرجات الأصلية لدمشق تختلف عن الترتيب الذي ورد في «اندبندنت عربية». أعطاها تقرير EIU عشرين نقطة في الاستقرار و33 في الرعاية الصحية. وسجلت الثقافة والبيئة 41 نقطة، مقابل 33 للتعليم و32 للبنية التحتية. المقال منح التعليم 41 نقطة والثقافة والبيئة 33، وخفّض الرعاية الصحية إلى 32. بذلك جرى تبديل درجتي التعليم والثقافة، مع اختلاف نقطة في الصحة.

يؤثر هذا الخطأ في قراءة التفاصيل. المقال بنى جزءاً من تحليله على أن التعليم هو المجال الأعلى تقييماً، بينما يبين المصدر الأصلي أن الثقافة والبيئة حصلتا على الدرجة الأعلى. كما أن القول إن دمشق لم تتجاوز الثلث في جميع المجالات لا ينسجم مع حصول هذا المجال على 41 نقطة. المتوسط الموزون للدرجات الأصلية يساوي نحو 31.6 نقطة، وهو ما يفسر تقريب النتيجة النهائية إلى 32.

المقارنة مع العام السابق تضيف معلومة غابت عن التركيز الرئيس للمقال. سجلت دمشق 30.7 نقطة في مؤشر 2025، وهي نتيجة بقيت حينها من دون تغيير عن 2024، ثم ارتفعت إلى 32 في 2026. ظل الاستقرار عند 20 نقطة، وبقي التعليم والبنية التحتية قريبين من مستوييهما السابقين، بينما ارتفعت الرعاية الصحية من 29.2 إلى 33 نقطة. التقرير الجديد نفسه أشار إلى تحسن واضح في هذا المجال منذ كانون الأول 2024. لم يكف التحسن لتغيير المرتبة، لكنه يمنع التعامل مع نتيجة 2026 كنسخة مطابقة تماماً لما سبقها.

أين يصيب المقال؟

المرتبة الأخيرة منطقية داخل معايير المؤشر. الاستقرار ما زال أضعف المجالات، كما أن الكهرباء والمياه والنقل والرعاية العامة لم تستعد انتظاماً يقترب من المدن الأعلى تقييماً. بيانات مؤسسات دولية مستقلة تدعم اتجاه هذا التشخيص، وإن كانت معظمها وطنية ولا تخص دمشق وحدها.

قال البنك الدولي في حزيران 2025 إن سنوات الحرب قيدت إمدادات الكهرباء في سوريا إلى ما بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، وإن الشبكة ظلت عرضة لانقطاعات متكررة بسبب الأضرار ونقص الصيانة والاستثمار. هذه المشكلة تمتد مباشرة إلى عمل المياه والمشافي والسكن، وهي عناصر يضعها مؤشر قابلية العيش في دمشق ضمن حساب البنية التحتية.

أفاد تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) عن عام 2025، نشر في تموز 2026، بأن نصف مراكز الرعاية الصحية الأولية في سوريا خارج الخدمة، وأن عدد الأطباء المتبقين يقارب 20 ألفاً. وسجل التقرير وجود 2.45 مليون طفل خارج المدرسة ونحو ثمانية آلاف مدرسة غير عاملة. الأرقام وطنية، ولذلك لا يمكن إسقاطها آلياً على العاصمة، لكنها تؤكد أن ضعف منظومات الصحة والتعليم الذي تناوله المقال قائم على قاعدة أوسع من الانطباعات الفردية.

يضيف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الصادر في شباط 2025 بعداً غائباً عن مؤشر EIU نفسه. قدر البرنامج أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الناتج المحلي تقلص إلى أقل من نصف مستواه عند بداية الحرب، فيما أصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلاً من العمل. هذه الوقائع تؤثر في قدرة سكان دمشق على شراء الخدمة الخاصة أو تأمين بديل للكهرباء والمياه، مع أن دخل الأسرة وكلفة المعيشة لا يظهران كقسم مستقل في مؤشر قابلية العيش.

يقدم مقال «اندبندنت عربية» شهادات تساعد على رؤية أثر الانهيار المؤسسي في حياة أشخاص يعملون في السياسة والصحة والتعليم. غير أن هذه الشهادات لا تقوم مقام بيانات عن معدلات الجريمة داخل دمشق أو مستوى كل مدرسة ومشفى أو الفروق بين الأحياء. بعض الأقوال ينتقل من أوضاع سوريا العامة ومن نزاعات تقع خارج العاصمة إلى تفسير درجة المدينة، من دون بيان مقدار ما أدخله EIU فعلياً في حسابه لكل عامل. تبدو النتيجة العامة قابلة للتفسير، بينما تبقى العلاقة بين كل شهادة وكل نقطة في المؤشر غير مثبتة.

حدود الاستنتاج

يعرّف EIU قابلية العيش بوصفها قياساً للراحة النسبية والتحديات التي يواجهها الفرد في موقع معين. ويذكر أن من استخدامات المؤشر تحديد بدل المشقة للموظفين الذين ينتقلون للعمل بين الدول، إلى جانب مقارنة مستويات التنمية ومساعدة المؤسسات في قرارات الموقع والاستثمار. هذه الغاية تفسر حضور التعليم والصحة الخاصين والسكن الجيد والاتصال الدولي ضمن المعايير، لكنها لا تنتج وصفاً كاملاً لتجربة سكان المدينة الأصليين.

يصنف المؤشر أي نتيجة دون 40 نقطة ضمن فئة «غير القابلة للتحمل» وفق سلّمه، ولا يقول إن المدينة خالية من إمكان الحياة البشرية. دمشق هي الأدنى بين 173 مدينة اختارتها الدراسة، وليست الأدنى بين كل مدن العالم. الفارق مهم لأن ترتيب العينة يجيب عن موقعها داخل مجموعة محددة، ولا يثبت عدم وجود مدن أسوأ خارجها.

النتيجة تتأثر أيضاً بالأوزان التي اختارتها الجهة المعدة. الاستقرار والثقافة والبيئة يشكلان معاً نصف الدرجة، بينما يحصل التعليم على العشر. قد تنتج أوزان أخرى ترتيباً مختلفاً، كما أن التقدير النوعي لبعض المؤشرات يجعل إعادة الحساب مستقلاً صعبة ما دامت البيانات التفصيلية للمسح الكامل غير متاحة في التقرير المجاني.

لا يقيس المؤشر بصورة مباشرة الأجور والإيجارات وكلفة الغذاء أو الفروق بين أحياء دمشق. أسرة تملك دخلاً بالدولار وتستطيع شراء الكهرباء والرعاية الخاصة تعيش واقعاً مختلفاً عن موظف يعتمد على الأجر المحلي والخدمة العامة. ولا تظهر في التصنيف شبكات التكافل العائلية أو الاقتصاد غير الرسمي، مع أنها وسائل يستخدمها السكان لتدبير حياتهم. هذه العناصر لا تلغي أزمة المدينة، لكنها تحدد ما يستطيع المؤشر إثباته.

نتيجة «اندبندنت عربية» منطقية حين تفهم بوصفها تحذيراً من انهيار شروط الحياة الحضرية، وتؤيدها درجة دمشق المنخفضة واستمرارها في ذيل التصنيف. العبارة التي تقول إن العاصمة «غير قابلة للعيش» أوسع من الدليل المتاح، كما أن الخطأ في توزيع الدرجات يضعف التحليل القطاعي للمقال. الصياغة الأدق هي أن دمشق جاءت أخيرة بين المدن الـ173 التي قيّمها EIU، وأن ظروفها وقعت ضمن الفئة الأسوأ في منهجيته.

الحكم التالي يحتاج إلى بيانات سورية منشورة عن ساعات الكهرباء والمياه، وأداء النقل والمشافي والمدارس، ومعدلات الجريمة، والفروق بين الأحياء. استمرار غياب هذه البيانات يترك التصنيفات الخارجية مرجعاً يصعب تدقيقه محلياً. تحسين ترتيب دمشق يحتاج إلى تقدم يمكن قياسه في الخدمات والاستقرار وإتاحة نتائجه للناس.

اقرأ أيضاً: مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي: حضور عربي كثيف في الدورة الأولى

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى