في سوريا: هل يضمد عقد اجتماعي جديد جراح الصراع المستمر؟

بقلم: ريم ريا
المشهد السوري وعلى مدار عقد من الزمن وأكثر، يشهد حالة من الصراع ذو الطابع المرّكب بفعل تداخل أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية ولاحقاً إقليمية في بوتقته. فتخطت الأزمة السورية الإطار المحلي لتدوّل، وتصنف على أنها واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط في العصر الحديث.
أكبر تحدي فرض على هذه البلاد هو اهتزاز العقد الاجتماعي فيها وتمزقه، فالسوريون اليوم يشهدون اهتزازات متكررة تنذر بتشظي إطار الدولة الواحدة. وانطلاقاً من الحاجة الماسة والضرورة لا الرفاهية ومحض التجديد.. سوريا اليوم بحاجة عقد اجتماعي جديد يمحي آثار الحرب والانقسامات، يداوي الجراح ذو طابع جامع لا مُنفر وانتقامي، يقوم على أساس العدالة ومبادئها والمواطنة والحق بالمساواة.
ما هو العقد الاجتماعي؟
العقد الاجتماعي هو وثيقة تحكم العلاقات في المجتمع، بين الناس، وبين الناس وحكومتهم والمؤسسات الأخرى. قد تكون أجزاء من العقد الاجتماعي رسمية، مثل الدستور والقوانين واللوائح، في حين أن العديد من جوانب العقد الاجتماعي قد تكون غير رسمية مثل المعايير الاجتماعية والاتفاقيات والأعراف والممارسات الدينية.
العقد الاجتماعي يعترف بالجوانب الإيجابية في الطبيعة البشرية ويشجعها ويدعمها كحثه على الحفاظ على حق الحياة كحق متصل بالطبيعة البشرية منذ الولادة، بينما يعتدل في الجوانب الأقل اتصالاً بجوهر الطبيعة البشرية، فتقرّ وفقه قوانين الانتخابات التي تُصنع على أساس استيعاب جميع شرائح المجتمع وفئاته، وبالعقد الاجتماعي يتحدد الفصل بين السلطات، وتستقل كل سلطة بمهامها.
اقرأ أيضاً: الشباب السوري على مفترق من التيه: بين ضياع الأمس وحُلم اليوم
الصراع المستمر في سوريا من قبل 2011 وما بعدها
الصراع على السلطة في سوريا لم يكن وليد عام 2011 فقط، بل جذوره تمتد إلى عقود سابقة حيث شهدت الساحة السورية في فترة الثمانينات مواجهات بين نظام حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين، وهذه المواجهة حملت طابعاً سياسياً صرفاً في بدايتها قبل أن تنحى بمنحى الصراع المسلح بين قوى أمن النظام والطليعة المقاتلة التابعة للإخوان.
الصراع الثاني في البلاد كان أوسع رقعة، مع اندلاع احتجاجات العام 2011 في سوريا تجدد الصراع على السلطة وسط مطالب شعبية بالإصلاح والتغيير، لكن تعنت النظام واستمرار استبداده المتوارث أودى لاتساع رقعة المواجهات لتشمل أراضي الجمهورية بشكل شبه كامل.. ليعود من جديد اللباس الطائفي إلى الواجهة وتتوشح به بعض الأطراف المتنازعة. ما زاد من حدة الانقسام الاجتماعي في البلاد بالتوازي مع ازدياد الانقسام السياسي.
لترى سوريا نفسها أمام توظيف للهويات الدينية والمذهبية لم تشهده عبر تاريخها. فحتى وإن لم يكن أصل الصراع طائفي إلاّ أن التداعيات وتدحرج الأحداث جعلت من هذا الصراع أداة بيد أطراف متعددة بالداخل وذريعة لأطراف خارجية لتعزيز مواقعها في بلاد استراتيجية كسوريا.. فكما بيّنا في مقال سابق أن من يملك دولة كسوريا يملك المنطقة برمتها. كل تلك العوامل المتراكمة والمتداخلة عمّقت أزمة البلاد وعرقلت أي مسار توافقي جامع.
اقرأ أيضاً: مقال رأي: «مظلومية السنة» بين أيتام صدام وضحايا الأسد: ذاكرة جمعية أم اجتماعية؟
من جعل سوريا ساحة للصراع الداخلي والتصارع الخارجي؟
كما ذكرنا للصراع أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية، وكل تلك الأبعاد هي مسببات في هذا الصراع. هل يتحمل “بشار” وحده إيصال البلاد إلى حافه الهاوية؟ أم هناك شبكة كاملة من التعقيدات أوصلت سوريا إلى صراعٍ مستمر.. مصحوبةً بضغط خارجي، كان فيها بشار هو رأس السلطة التي سهّلت الانفجار؟
للإجابة على هذه الأسئلة علينا فَرد تتالي الأحداث منذ استلام بشار للسلطة في العام 2000 بعد أن ورث عن أبيه كرسي الحكم والبطش معاً، لم يغير شيء من نهج أبيه سوى أنه أكثر تعنتاً منه، وأقل قدرة على قراءة المشهد السياسي وما يمكن أن يفضي إليه في نهاية الطريق. أيعقل أنه لم يكن يرَ سقوطه الحتمي؟
منذ توليه الحكم تابع النهج القمعي، وبعد الحراك الثوري، حوّل مؤسسات الدولة إلى آليات قمع للشعب وحقوقه، أرسى في حكمه دعائم الخوف، فتخطى الاعتقالات التعسفية وتعذيب السجون ليفرض حصار على المدن ويحرم السكان من أبسط مقومات الحياة. وما حصار الغوطة في ريف دمشق وبابا عمرو في حمص في بداية الاحتجاجات إلّا دليل على الوحشية المتبعة. ومن العوامل الرئيسية لدفع البلاد لهاوية إنسانية قبل أن تكون سياسية.
هذا من ناحية السياسة والقبضة الأمنية، فماذا عن الاقتصاد؟
على مدى سنين حكم كلا نظام الأسدين أحاطا نفسيهما بشبكة من التجار المرتبطين بهما ارتباطاً مباشراً، فساهموا وإياهما في خنق الشعب السوري وإطباق الحصار عليه من كل جانب.
هذه الطبقة المتنفذة استغلت النفوذ السياسي المعطى لها واحتكرت السلع الأساسية ورفعت الأسعار بشكل غير متوازن، كما فعل “طريف الأخرس” المقرب من “أسماء” عندما احتكر مادة السكر ورفع أسعارها وأحدث نقصاً متعمداً للمادة في الأسواق. وهذا الاحتكار ليس الأول فلا مجال لإفراد سلسلة المواد المحتكرة من قبل متنفذي النظام السابق.
كل ذلك أنتج شعباً محاصراً اقتصادياً.. يخترع طرقاً للبقاء. أراد النظام بذلك ربط اعتماد الشعب عليه وحده اقتصادياً أيضاً لا سياسياً فقط، فبذلك يضمن بقاءه إلى جانب أسطوانة الصمود والتصدي التي كان يصدح بها على مسامع السوريين.. وكل المواد محتكره لديه.
إلى جانب ظهور نخبة من الأثرياء بعد الثورة كلها تتبع للنظام بطريقة أو بأخرى على حساب معاناة غالبية الشعب البسيط. هذا التلازم ما بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية “الخاصة” بالعائلة الحاكمة وأذرعها، شكلت ضغطاً مستمراً على الشعب السوري، لتجعل من الفقر والحرمان سوطاً آخر من نهجها للسيطرة السياسية على البلاد.
في سياق متصل، وجدت بعض القوى الخارجية فرصة لفرض مطامعها وتحقيق مكتسبات تحقق مصالحها من بوابة الانفجار الشعبي في العام 2011. ما جعل القوى الخارجية تتصارع على سوريا عبر أدوارٍ مزدوجة فبعضها دعم المعارضات بالسلاح والمال، وبعضها ساند النظام وأطال عمره سياسياً ومده عسكرياً، لتجعل من الاحتجاجات الشعبية حرباً مستمرة أرهقت البلاد والعباد، وتعقد المشهد السوري أكثر واتخذ أبعاداً أوسع.
ليكون السبب الأكبر في حماية البلاد من الصراع: سياسات كلا نظام الأسدين الداخلية القائمة على القمع والفساد بالتعاون مع شبكة المتنفذين الاقتصادية.. لتأتِ الدول الخارجية وتشعل وقود الساحة السورية أكثر فأكثر.. ما أجج البلاد وأوصلها إلى هنا.
سقط النظام فهل سقطت أدواته أم أنها تدور؟
بعد ليلة السقوط، أين اختفت أذرع النظام الاقتصادية وأعوانه بالحصار … بشار في موسكو، لكن الباقي أين؟
ثار حديثٌ في الأوساط السورية عن إعادة تدوير لمتنفذي النظام السابق وتعويمهم من جديد، لاسيما المتنفذين الاقتصاديين، ماذا يفعلون خارج السجون والتحقيق؟ من يعيد أموال الشعب المنهوبة ويعوض سنين الخنق الاقتصادي؟ يبدو أنّ كثيرين ممّن كانوا شركاء النظام في القتل الاقتصادي للسوريين باتوا محظيين.
ضباط وعناصر الجيش السابق، حلّت أمورهم، منهم من خضع لتسويه ومنهم من هو قابع بالسجون بانتظار قضاء عادل يبتّ بكل الأفعال ويفصل بجميع الأحداث.. فشق النظام السابق الأمني قد طوي بشكل كامل تقريباً، لكن مع إعادة تعويم شخصيات النظام السابق وعرضها من جديد على الواجهة كيف ستحل المعضلة السورية الداخلية؟
كل ذلك يدفعنا لضرورة البحث عن عقد اجتماعي جديد وجامع قائم على محاسبة كل من ضيّق الخناق على الشعب السوري اقتصادياً وسياسياً. عقد تسوده العدالة والمساواة وتخيم عليه مبادئ المواطنة ويكون فيه حق التعبير مكفولاً ومحمياً.. عقد ينعم به الشعب السوري بكل أطيافه بحياة كريمة تليق به.
على غرار الكثير من الدول التي خرجت من رحم الحرب، يمكن كتابة عقد جديد يقوم على أساس تعزيز الشراكة بين مختلف المكونات الاجتماعية في البلاد، وإعداد صياغة دستورية تضمن العدالة وحقوق الجميع، ومن بينهم الاقليات، إلى جانب مؤسسات ديمقراطية صلبة تعكس تمثيل الجميع.
هذا سياسياً، أمّا اقتصادياً فيجب أن يركز العقد الجديد على التنمية الاقتصادية المتوازنة وتوزيع الموارد بشكل عادل لتقليل الفجوات الاجتماعية في البلاد، مع تشجيع الحوار الوطني فهو سبيل الخلاص وحلّ لا مفرّ منه لتبقى البلاد موحده وناجية بكل أفراد شعبها.









