أعمال واستثمار

في سوريا حتى التيوس فيها “خيار وفقوس”.. المستورد يتفوق على المحلي؟

بقلم: ريم ريّا

في سوريا اعتاد السوريون على استخدام عبارة “خيار وفقوس” للدلالة على المفارقة في المعاملة أو التفضيل، لكن يبدو أن هذه المفارقة لم تعد تقتصر على البشر، بل وصلت حتى إلى التيوس. ففي السنوات الأخيرة، بدأ عدد من المربين يتجهون إلى اقتناء التيس السويسري المستورد، رغم السمعة التاريخية التي يتمتع بها الماعز الشامي السوري بوصفه أحد أشهر سلالات الماعز في المنطقة والأكثر طلباً فيها. وبين تيس محلي تأقلم مع البيئة السورية لعقود، وتيس آخر مستورد يصل بطرق مختلفة ويباع بأسعار مرتفعة، يبرز سؤال يفرض نفسه: لماذا أصبح المستورد أكثر طلباً؟ وهل يمثل ذلك تهديداً للسلالة السورية الأصيلة، أم أنه مجرد تنوع طبيعي في سوق تربية الماعز؟

التيس الشامي.. سلالة سورية عريقة

يعتبر الماعز الشامي، أو ما يعرف محلياً “بالماعز السوري”، من أبرز السلالات المحلية التي اشتهرت داخل سوريا وخارجها بقدرتها العالية على إنتاج الحليب والتكاثر. وتعود أصول هذه السلالة إلى غوطة دمشق وريفها، قبل أن تنتشر في محافظات عدة، ولا سيما في ريف دمشق، وحمص، وحماة، والساحل السوري، إضافة إلى أجزاء من المنطقة الشرقية. ويتميز التيس الشامي برأسه ذي الأنف الروماني البارز، وأذنيه الطويلتين المتدليتين، ولونه الدبسي الغالب، فيما يتراوح وزن الذكور بين 70 و110 كيلوغرامات.

كما تشتهر إناث الماعز الشامي بارتفاع الخصوبة، إذ يمكن أن تلد توأمين أو ثلاثة مواليد في الولادة الواحدة، بينما يصل إنتاجها من الحليب إلى نحو 500 كيلوغرام في الموسم، وقد يتجاوز 800 كيلوغرام في السلالات المحسنة وظروف التربية الجيدة، ما جعلها واحدة من أهم السلالات المنتجة للألبان في المنطقة.

اقرأ أيضاً: من المنصة الرقمية إلى المزرعة: كيف ننقذ الثروة الحيوانية؟

التيس السويسري.. ضيف جديد على المزارع السورية

في المقابل، بدأ التيس السويسري يلفت الأنظار داخل سوريا خلال السنوات الأخيرة، بعد دخوله عبر لبنان، بصورة غير نظامية وفق ما أفادت به بعض المصادر.

وفي حديث لسوريا اليوم 24، قال مربي التيس السويسري، السيد عزام البيك شهاب من مدينة “سلمية” في ريف حماة، إن الإقبال على هذه السلالة ازداد بسبب إنتاجها المرتفع من الحليب، موضحاً أن المعزاية السويسرية تستطيع إنتاج ما بين 7 و11 كيلوغراماً من الحليب خلال فترة الإدرار، وهو ما يجعلها خياراً مفضلاً لدى كثير من المربين الباحثين عن العائد الاقتصادي. وأضاف أن التيس السويسري يمكن تربيته في مختلف المحافظات السورية رغم أنه ذو منشأ بارد، إذ أثبت قدرة جيدة على التأقلم مع الظروف المناخية المحلية، كما توجد منه سلالات نقية وأخرى مهجنة.

أسعار مرتفعة وإقبال متزايد

ويشير “شهاب” إلى أن سعر التيس السويسري يتراوح بشكل تقريبي بين 600 و700 دولار وهذا ليس سعر نهائي بل قابل للارتفاع، بينما قد يتجاوز سعر الإناث 1000 دولار بحسب العمر والنقاء الوراثي والإنتاجية، وهي أسعار تفوق بكثير أسعار الماعز المحلي. ويرى أن ارتفاع الأسعار لم يمنع استمرار الطلب، بل على العكس، أصبح كثير من المربين ينظرون إليه باعتباره استثماراً طويل الأجل، خاصة مع ارتفاع إنتاج الحليب.

هل يتفوق على المحلي في كل شيء؟

ورغم الإقبال المتزايد على السلالة السويسرية، يؤكد  السيد “عزام البيك شهاب” أن الفوارق لا تشمل جميع الجوانب. وأوضح لسوريا اليوم 24 أن التيس السويسري لا يختلف عن التيس السوري في النظام العلفي، إذ يتغذى على الأعلاف نفسها، كما لا توجد فروق تذكر في نوعية اللحم أو جودته أو سهولة الذبح، نافياً الاعتقاد السائد لدى البعض بأن السلالة المستوردة تنتج لحماً أفضل. وبحسب شهاب، فإن نقطة التفوق الأساسية تبقى في إنتاج الحليب، بينما تتقارب السلالتان في معظم الصفات الأخرى المتعلقة بالتربية والاستخدام لإنتاج اللحوم.

يرى مختصون في قطاع الثروة الحيوانية أن لجوء بعض المربين إلى السلالات الأجنبية لا يعني بالضرورة ضعف السلالة المحلية، وإنما يرتبط غالباً بالحسابات الاقتصادية. فكلما ارتفع إنتاج الحليب، زادت كمية الألبان ومشتقاتها التي يمكن بيعها، وهو ما يشجع بعض المربين على تحمل تكلفة شراء سلالات أغلى سعراً لتحقيق عائد أكبر على المدى الطويل. كما تلعب الرغبة في تحسين الصفات الوراثية عبر التهجين دوراً في زيادة الطلب على التيوس المستوردة، وهو توجه معروف في قطاع تربية المواشي حول العالم.

هل يشكل المستورد خطراً على الماعز السوري؟

ورغم المزايا الإنتاجية لبعض السلالات الأجنبية، يحذر مختصون من أن التوسع غير المنظم في التهجين قد يؤدي إلى تراجع أعداد السلالة الشامية الأصيلة وفقدان جزء من خصائصها الوراثية التي تشكلت عبر مئات السنين. ويؤكد خبراء أن الماعز الشامي يمتلك صفات يصعب تعويضها، أبرزها قدرته الكبيرة على التأقلم مع البيئة السورية، وتحمله للظروف المناخية المحلية، إضافة إلى خصوبته المرتفعة وجودة إنتاجه من الحليب. لذلك، يرى مختصون أن الحفاظ على السلالة المحلية لا يتعارض مع الاستفادة من السلالات الأجنبية، بل يتطلب برامج تربية مدروسة تحقق التوازن بين تحسين الإنتاج وصون الموارد الوراثية الوطنية.

بين المحلي والمستورد… المنافسة مستمرة

قد يكون التيس السويسري قد جذب الأنظار بإنتاجه المرتفع من الحليب وأسعاره الباهظة، إلا أن الماعز الشامي السوري ما يزال يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أهم السلالات المحلية في المنطقة.

وفي النهاية، لا تبدو القضية صراعاً بين “محلي” و”مستورد” بقدر ما هي بحث عن أفضل مردود اقتصادي. لكن المفارقة تبقى لافتة، فحتى في عالم التيوس، أصبح هناك “خيار وفقوس”، بينما يواصل الماعز السوري إثبات أن الأصالة لا تزال تملك مقومات المنافسة إذا ما حظيت بالدعم والحفاظ على نقائها الوراثي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى