المجتمع السوري

في رمضان سوريا الأسعار تسبق الهلال.. والمواطن بين حسابات الغلاء وبدائل البقاء

رمضان تحت ضغط الأسعار.. كيف يتكيف السوريون مع غلاء المعيشة؟

بقلم: ريم ريّا

اقترب شهر رمضان المبارك من أبواب السوريين، وعادت الأسواق السورية إلى الواجهة بوصفها مؤشراً مباشراً على الواقع المعيشي، فتقدمت الأسعار قبل الهلال، وتسابق القلق إلى بيوت السوريين. ففي بلد يرزح منذ سنوات تحت أعباء اقتصادية متراكمة، لا يبدو رمضان مناسبة استهلاكية اعتيادية، بل اختباراً جديداً لقدرة الأسر على “التكيّف” الذي بات مؤخراً من عادات وتقاليد سكان هذه البلاد، التي امتهنت إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية ضمن هوامش دخل باتت أضيق وضاغطة من أي وقت مضى.

هذا العام، يدخل السوريون الشهر الفضيل في ظل موجة جديدة من الارتفاعات الجنونية في الأسعار، فقد طالت معظم السلع الأساسية، تحديداً الغذائية منها، في ظل شكاوى شعبية متزايدة من ضعف القدرة الشرائية، وتفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى في المدينة الوحدة وبين المحافظات الأخرى، وسط غياب حلول ملموسة تخفف من حدّة الغلاء.

الأسعار قبل رمضان في سوريا اللحوم خارج السباق والخضار بلا استقرار

حسب المعطيات الميدانية المرصودة في الأسواق الشعبية، والأسعار المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، يشار إلى أن أسعار اللحوم الحمراء تتصدر قائمة المواد الغذائية الأعلى كلفة، إذ باتت خارج القدرة الشرائية للغالبية العظمى من الأسر.

فقد تراوح سعر كيلو لحم الخروف “الهبرة” بين 160 ألفاً و200 ألف ليرة سورية، بينما سجل كيلو لحم العجل نحو 140 ألف ليرة، في حين وصل سعر كيلو الخروف على قيد الحياة إلى قرابة 63 ألف ليرة. أما الدجاج، الذي يفترض أن يشكل بديلاً أقل كلفة، قد شهد بدوره ارتفاعات ملحوظة، إذ تراوح سعر كيلو الفروج بين 20 و30 ألف ليرة، وبلغ سعر شرحات الدجاج نحو 45 ألف ليرة، بينما تجاوز سعر صحن البيض 30 ألف ليرة.

الخضار والفواكه لم تكن في حال أفضل. فعلى الرغم من كون بعضها محلي الإنتاج وفي ذروة الموسم، لكن سجلت أسعارها مستويات أثقلت كاهل المستهلك، فقد تراوح سعر كيلو البندورة من 8 و10 آلاف ليرة، والبطاطا نحو 9 آلاف ليرة، فيما وصل سعر البرتقال إلى 15 – 20 ألف ليرة، والتفاح سجل 25 ألفاًً حسب النوعية.

بناءً على قائمة الأسعار الجنونية، قد تصل كلفة صحن سلطة بسيط على مائدة رمضان إلى نحو 20 ألف ليرة، وهو رقم لم يعد تفصيلاً صغيراً اليوم في ميزانية أغلب الأسر السورية. المواطنون في حالة ذهول ويعبرون عن استيائهم بوضوح. بعضهم يرى أن السلع متوفرة، لكن القدرة الشرائية “معدومة”، وآخرون يشيرون إلى أن الأسعار ترتفع سريعاً مع أي صعود لسعر الصرف، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تحسنه. في حين تتالى الشكاوى من التفاوت الكبير في الأسعار بين الأسواق الشعبية وباقي المناطق، حيث يصل فرق السعر في الصنف الواحد إلى 50 أو 100 ليرة جديدة، ما يعادل (5000 – 10000) ليرة قديمة.

اقرأ أيضاً: تبييض اليوم.. عادة سورية أصيلة في رمضان تعكس الأمل والتجدد

رمضان البدائل.. كيف أعاد السوريون تشكيل مائدتهم؟

من سنين طويلة لم تتوقف موجات الغلاء ولم تكف عن ضرب موائد السكان وإنقاص أصنافها رمضاناً تلو الآخر. فلم يجد السوريون في مواسم رمضان الأخيرة وصولاً إلى رمضان الحالي، سوى إعادة تشكيل موائدهم وفق قدراتهم الشرائية التي تتراجع عاماً تلو الآخر. المؤسف أن هذا التغيير لم يكن وليد رغبة، بل نتيجة لارتفاع أسعار المواد الأساسية، ما دفع الأسر إلى البحث عن بدائل أقل كلفة تؤمن الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، للصائمين طوال النهار.

في هذا السياق، برز البرغل كبديل شائع عن الأرز في عدد كبير من الوجبات الرمضانية، سواء في أطباق رئيسية أو جانبية، نظراً لانخفاض سعره مقارنة بالأرز، وإمكانية استخدامه في وصفات متعددة. كما لجأت بعض الأسر إلى العدس والفريكة كبدائل مغذية وأقل تكلفة من اللحوم، خصوصاً في الشوربات وأطباق الإفطار السريعة.

أما على مستوى البروتين، فقد تراجع استهلاك اللحوم الحمراء بشكل ملحوظ، مقابل الاعتماد بشكل أكبر على الدجاج والبيض، وعلى ما يبدو في رمضان الحالي سوف يكتفي السوريون بالاعتماد على الحمص والفول والبقوليات (وجبات نباتية)، والاستعاضة بها عن اللحوم، كمصدر للبروتين على موائدهم، محاولةً منهم لتقليل الكلفة دون التخلي عن القيمة الغذائية.

للمشروبات الرمضانية مكانة في قلوب السوريين رغم محاولة الأسعار انتزاع هذه المكانة، لكن ولأن الشعب السوري “سيد التكيّف”، اتجه كثيرون إلى تحضير العرقسوس والتمر الهندي في المنزل، بدلاً من شرائها بأسعار مرتفعة، فيما تقلص شراء العصائر المصنعة. كما غابت أصناف تقليدية عن موائد رمضان، مثل قمر الدين والمكسرات والمشمشية، لتحل محلها كميات محدودة تشترى عند الضرورة فقط.

كذلك، الخضار والفواكه خضعت لمنطق البدائل، حيث فضل المستهلكون الأصناف الموسمية والأرخص سعراً، مثل البطاطا، البصل، الخيار، الكوسا، والفاصولياء الخضراء. مع الاستغناء عن الفواكه ذات الكلفة المرتفعة، مثل التفاح المستورد أو الموز ذي الجودة المرتفعة، أو استبدالها بأصناف أقل جودة مثل البرتقال المحلي أو الليمون الأقل حجماً، ولكن أكثر ملاءمة للميزانية. كما لجأت بعض الأسر إلى الشراء من الأسواق الشعبية أو مباشرة من المنتجين، بهدف تخفيض التكاليف قدر الإمكان.

مساعي حكومية محدودة لضبط السوق

تؤكد الجهات الحكومية على استمرارها في مراقبة الأسواق، مع التشديد على أن دورها يقتصر على مراقبة إعلان الأسعار، والوزن، المواصفات، دون التدخل المباشر في تسعير السلع ضمن ما يعرف “بالسوق الحرة”. بدورها تشير مديريات حماية المستهلك، إلى وجود آليات لرصد الأسعار والتدخل عند حدوث ارتفاعات “غير مبررة”.

في سياقٍ متصل، تتداول الأوساط المحلية الحديث عن إجراءات تنظيمية، مثل إطلاق معارض “أهلاً رمضان”، أو تعزيز الرقابة التموينية، وحتى إدخال وسائل توثيق حديثة لعمل المراقبين. غير أن شريحة واسعة من المواطنين ترى أن هذه الإجراءات، على أهميتها الشكلية، لم تنعكس فعلياً على الأسعار في السوق، ولم تحد من حالة الغلاء المستمرة.

رمضان سوريا بين الصبر الاقتصادي والحاجة إلى حلول

في الواقع، لم يعد شهر رمضان المبارك شهر العبادة والتكافل، بل بات يتحول كل سنة إلى مرآة تعكس بوضوح اختلال التوازن بين الأسعار والدخل في البلاد. بينما يواصل المواطن ابتكار بدائل للتكيّف مع الغلاء، ليبقى هذا التكيّف حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة.

يأتي رمضان في كل عام، ليوّصف الواقع ويقول، أن ما يحتاجه المواطنون السوريون اليوم ليس فقط إجراءات موسمية، بل سياسات اقتصادية أكثر استقراراً، تبدأ من ضبط الأسواق، وتحد من التفاوت في الأسعار، وتحمي القدرة الشرائية وترفعها، بحيث لا يبقى رمضان مناسبة سنوية لإعادة إنتاج القلق ذاته. فالصبر وحده بات لا يكفي، والبدائل مهما اتسعت، تبقى أقل من حق الناس في مائدة كريمة، لا تُدار بالآلة الحاسبة وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى