المجتمع السوري

في داريا.. نساء يحوّلن الحرف اليدوية إلى وسيلة للبقاء

بقلم: ريم ريّا

في غرفة صغيرة بمركز داريا الثقافي، كان سوق أنامل الخير أكثر من مجرد سوق للحرف اليدوية، بل كان ملاذاً للنساء اللواتي فقدن عائلاتهن خلال سنوات الحرب، ساعياتٍ لإعادة بناء جوانب من حياتهن اليومية. وبين معروضات الحرف اليدوية، والخياطة، وتنسيق الزهور، واللوحات، تتكشف قصصٌ طويلة عن الفقدان، والعمل المنزلي، ومحاولات الاكتفاء الذاتي، في مدينة لا تزال تحاول العودة إلى الحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب المدمرة والنزوح. يطلق على هذا “التمكين الاقتصادي”، ولكنه في الواقع جهدٌ مضنٍ لضمان عدم اضطرار الأمهات لانتظار حزمة مساعدات شهرية.

الحرفة كبديل عن الغياب في داريا

نظمت النساء البازار بأنفسهن، بعد سنوات من العمل الفردي من منازلهن دون مساحة مناسبة لعرض منتجاتهن أو الوصول إلى الزبائن. ونظراً لتضاؤل ​​الدعم من المنظمات الصغيرة، خطرت لبعض المشاركات فكرة إنشاء بازار دوري يتيح لهن البيع مباشرةً وعرض أعمالهن.

دعم مركز داريا الثقافي هذه المبادرة بتوفير المكان والمعدات الأساسية، بينما حوّلت النساء المكان إلى مركز نابض بالحياة يزخر بالألوان والتفاصيل المصنوعة يدوياً تعلمت بعض المشاركات حرفهن من الصفر بعد فقدان معيلي أسرهن، ليس بدافع الشغف فحسب، بل أيضاً لأن الحاجة الاقتصادية أجبرتهن على البحث عن أي مصدر دخل من المنزل.

في إحدى الزوايا، عرضت زبيدة جناح مصنوعات من الراتنج تعلمت صنعها خلال فترة إقامتها في لبنان، بعد فقدان وظيفتها. ما بدأ كتجربة تعليمية شخصية تحول إلى مهنة تشاركها الآن مع نساء أخريات بحاجة إلى الدعم المالي. وفي زاوية أخرى، رتبت أحلام الحو باقات من الورود النضرة والناعمة بعناية فائقة، بعد أن تعلمت تصميم الأزهار عبر الإنترنت. تسعى جاهدةً لتحويل هذا العمل إلى مشروع مستدام لتخفيف عبء تربية أطفالها الخمسة.

تتشابه معظم القصص في السوق في أن الحرف اليدوية لم تعد مجرد عمل جانبي، بل أصبحت ضرورة يومية. لا تسعى النساء العاملات في هذا المجال إلى زيادة دخلهن فحسب، بل إلى تحقيق الاستقرار الشخصي والاجتماعي، في ظل واقع اقتصادي يجعل حتى أبسط المهام مرهقة. حتى شراء الأقمشة أو الحصول على المواد الخام أصبح رحلة شاقة من التعب والحسابات الدقيقة. يتميز الاقتصاد السوري بقدرته العجيبة على تحويل أي مشروع صغير إلى معركة لوجستية مع الأسعار المرتفعة، والنقل، والكهرباء، والصداع المستمر.

اقرأ أيضاً: داريا بعد التحرير واقع خدمي يتحسن تحت ضغط الدمار

ما بعد البيع.. مساحة دعم نفسي واجتماعي

لم يكن البيع هو الغاية الوحيدة للبازار، فقد كان من الواضح أن التجمع بحد ذاته يحمل قيمة رمزية عميقة للمشاركات. تحدثت كثيرات عن أهمية التحرر من عزلة منازلهن والتواصل مع نساء يعشن ظروفاً مماثلة بعد سنوات من الضغط النفسي وفقدان الأقارب.

رأت إنعام مشمشتين، التي عرضت لوحات جدارية ولوحات فنية، الفن مساحةً للتعبير، لا مجرد مصدر دخل. وتحدثت غيداء مشمشتين عن صعوبة العمل والخياطة بعد فقدان والدها وشقيقها، وعن اضطرارها لتحمل مسؤوليات يومية كانت توزع سابقاً داخل الأسرة. كانت هذه التفاصيل الصغيرة حاضرة بقوة في أحاديث المشاركات أكثر من لغة “المشاريع” و”التمكين” المعتادة في الخطابات الرسمية.

حتى الزوار الذين أتوا لشراء المنتجات أو التجول بين الأكشاك اعتبروا البازار مساحةً للدعم، لا مجرد سوق مؤقت. شراء قطعة يدوية هنا له معنى مختلف، لأنه مرتبط بقصة امرأة تحاول إعادة بناء حياتها شيئاً فشيئاً وسط ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.

مع أن هذه المبادرات لا تُغيّر ظروف المعيشة تغييراً جذرياً، إلا أنها تكشف عن تحولات اجتماعية أعمق في المدن السورية ما بعد الحرب، حيث انخرطت النساء بشكل أكبر في الأعمال المنزلية والمشاريع الصغيرة، ليس كنشاط اختياري، بل كوسيلة أساسية للبقاء. فبين قطعة من الراتنج، وباقة من الورود، ولوحة فنية، تحاول نساء داريا ابتكار نمط حياة جديد، أقل استقراراً من ذي قبل، ولكنه قائم على مبدأ واضح، ألا يترك أحد عاجزاً تماماً أمام الخسارة.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى