أعمال واستثمار

فوسفات حمص يعود للعمل.. هل يشكل دفعة جديدة للاقتصاد السوري؟

بقلم: ريم ريّا

إعادة افتتاح معمل فوسفات حمص خطوة لافتة في سياق الجهود المبذولة لإحياء قطاعات الإنتاج المحلية بعد سنوات من التوقف والجمود بفعل الأزمة التي عصفت بالبلاد. شكل هذا المعمل لعقود أحد المفاصل الصناعية في سوريا، التي ساهمت في رفد الاقتصاد الوطني بمواد أولية ضرورية للصناعة الزراعية والكيميائية. ومع عودته إلى العمل، يعود الأمل بتنشيط حركة الإنتاج وإعادة الربط بين سلسلة التوريد الداخلية التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية. في هذا المقال سنتعرف على تفاصيل العودة وما الفائدة منها.

معمل فوسفات حمص قبل عام 2011

كان معمل فوسفات حمص قبل عام 2011، يعمل بوتيرة إنتاجية منتظمة جعلت منه جزءاً من المرتكزات الفاعلة في الصنعة الكيميائية السورية. إذ كان يستقبل الخامات المستخرجة من المناجم ويخضعها لعمليات التركيز والمعالجة لإنتاج الفوسفات المستخدم في الصناعات الزراعية.

ما ميز المعمل آنذاك وجود خطوط تشغيل مستقرة، إلى جانب يد عاملة خبيرة اكتسبت خبرتها على مدى سنين وعقود، وكانت منتجاته تشكل أهم الموارد الأساسية لباقي معامل الأسمدة في البلاد. وكان يورد جزء منها للتصدير حسب الخطط السنوية التي كانت موضوعة. وشكل المعمل حينها مفصلاً محورياً في الحركة الصناعية وسط محافظة حمص والمنطقة الوسطى عموماً، وساهم بخلق شبكة اقتصادية محلية حوله شملت النقل والخدمات الفنية وتأمين المواد المساعدة.

حتى عام 2011، كانت سوريا تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في تصدير الفوسفات، ويعتبر خام الفوسفات ثاني أهم مورد اقتصادي واستراتيجي في سوريا بعد النفط والغاز الطبيعي. أشارت تقارير عام 2018 إلى أن الاحتياطي الموثوق به يقدر بملياري طن، بينما الإنتاج السنوي لا يتجاوز 3.5 مليون طن.

يتوزع خام الفوسفات في سوريا على مناطق السلسلة التدمرية (خنيفيس والشرقية والرخيم)، ومنطقة الحماد (الجفيفة والثليثاوات والسيجري والحباري)، والمنطقة الساحلية (عين ليلون وعين التينة وقلعة المهالبة وحمام القراحلة). لكن مناجم السلسلة التدمرية، وخاصةً خنيفيس والشرقية، هي الأكثر أهمية والأفضل من ناحية الجدوى اقتصادية، حيث تتراوح سماكة طبقة الفوسفات بين 10 و12 متراً وقد تصل إلى 20 متراً في منطقة الشرقية، وتبلغ نسبة خامس أكسيد الفوسفور فيها 28 – 34%، بينما لا تتجاوز في الفوسفات المستخرج من باقي النقاط 18 – 22%.

لكن بعد عام 2011، انخفض إنتاج وتصدير الفوسفات بسبب الحرب، كما كان الفوسفات جزءاً من صراع أوسع بين روسيا وإيران في البلاد. في حين قالت وزارة الطاقة في الحكومة السورية، أنها تعمل على خطة لتصدير 6 ملايين طن سنوياً حتى نهاية عام 2026، ثم الوصول إلى 10 ملايين طن في 2027، مع التركيز على الأسواق الأوروبية والآسيوية، وخاصة الصين والهند. وأشارت الوزارة إلى أن تفعيل نظام “سويفت” ورفع العقوبات يمكن أن يحول الفوسفات السوري إلى منتج منافس عالمياً.

اقرأ أيضاً: إعادة تشغيل معمل «العربية»: خطوة عملية لإصلاح قطاع الإسمنت

تصدير الفوسفات في البلاد بغير وسطاء

تتم عملية تصدير الفوسفات السوري من خلال عقود رسمية بين “المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية” في وزارة الطاقة، بصفتها الجهة السورية المالكة للمادة، وشركات أجنبية تتولى الاستيراد، ويتم التنفيذ عبر شركات شحن معتمدة.

قامت الحكومة السورية بغضون ثلاثة أشهر من استلامها بتصدير تسعة بواخر محملة بالفوسفات السوري إلى وجهات مختلفة وبأحجام متفاوتة، مما عكس تحسناً ملحوظاً في تصدير هذه المادة بعد انتهاء الصراع. بتاريخ 22 نيسان الماضي، انطلقت أول باخرة فوسفات سوري من مرفأ طرطوس محملة بـ 10,000 طن، بينما غادرت الشحنة التاسعة المرفأ بحمولة وصلت إلى 38,500 طن في 26 حزيران الماضي. ووفقاً لتصريح مدير العلاقات العامة في “الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية” في سوريا، فإن إجمالي حمولة الشحنات التسع التي تم تصديرها يبلغ حوالي 180,000 طن.

كما أن الدول المستوردة للفوسفات هي مصر ورومانيا وتركيا وكازاخستان والهند، ويتم التصدير بموجب اتفاقيات تعاون وعقود تصدير مبرمة مع شركات دولية متخصصة في استيراد الفوسفات الخام، مع السعي لتوسيع نطاق التصدير إلى أسواق جديدة. توزعت الكميات المصدرة على دفعات زمنية متقاربة حسب الجاهزية اللوجستية في مرفأ التصدير وخطط التسويق الخارجية.

السيطرة الروسية السابقة على الفوسفات السوري

في عام 2018، مكن مجلس الشعب السابق شركة روسية من إحكام قبضتها على قسط مهم من إنتاج الفوسفات في البلاد، مع إقراره، عقداً موقعاً بين المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية و”ستروي ترانس غاز”، يمنح الشركة الروسية حق استثمار واستخراج خامات الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر.

تبلغ مدة العقد 50 عاماً، وأكدت مصادر روسية حينها أن وزارة النفط السورية وقعت عقداً مع شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية لاستخراج الفوسفات في مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي. وأوضحت المصادر أن العقد الموقع من المؤسسة التابعة لوزارة النفط نص على تقاسم الإنتاج، بحيث تكون حصة المؤسسة 30% من كمية الإنتاج، مع دفع قيمة ثمن كميات الفوسفات المنتجة، إضافة إلى سداد قيمة أجور الأرض والتراخيص وأجور ونفقات إشراف المؤسسة والضرائب والرسوم الأخرى والبالغة بحدود 2% ولمدة 50 عاماً، بإنتاج سنوي قدره 2.2 مليون طن من بلوك يبلغ احتياطه الجيولوجي 105 ملايين طن، وفقاً لوكالة سبوتنيك الروسية.

كانت الشركة قد بنت محطة لمعالجة الغاز على الأراضي السورية، إضافةً إلى توليها بناء محطة أخرى لمعالجة الغاز بقدرة 1.3 مليار متر مكعب سنوياً. في وقتٍ سابق كانت قد توقفت عمليات الإنتاج في 21 أيار 2015 بعد استيلاء تنظيم “داعش” على تدمر، قبل أن ينسحب منها نهائياً، بعد سنة.

إعادة افتتاح المعمل في حمص وما الدلالات

افتتح منذ يومين وزير الطاقة في سوريا “محمد البشير“، معمل غسيل وتجفيف الفوسفات بريف حمص، بعد انتهاء عمليات الترميم في مناجم “الصوانة” بمنطقة “خنيفيس” شرقي حمص، عقب توقف دام نحو عشر سنوات.

إعادة التشغيل هذه، جاءت في إطار خطة الوزارة لتطوير البنية التحتية والمرافق الحيوية، وبيّن البشير في تصريح للصحفيين في موقع المعمل، أن هذا الإنجاز تم بجهود الكوادر الوطنية والعاملين في شركات الفوسفات.

دلالات إعادة الافتتاح حسب الوزير، أن هذا المشروع يعزز حضور سوريا في سوق الفوسفات العالمي ويدعم الاقتصاد الوطني، كما أشار إلى أهمية إعادة الافتتاح في تنشيط قطاع الطاقة والثروة المعدنية. مبيناً أن هذا الإنجاز يشكل خطوة استراتيجية في تعزيز إنتاج الفوسفات وتحسين جودته، بما يفتح آفاقاً واسعة لدخول الأسواق العالمية ويعزز مكانة الاقتصاد الوطني. ويعكس هذا العمل الجهود الكبيرة والمخلصة التي بذلها العاملون لإعادة إطلاق المعمل والارتقاء بقطاع الفوسفات نحو مستويات أعلى من الكفاءة والجودة.

من جانبه، قال رئيس شعبة المصانع في مديرية فوسفات مناجم الشرقية  “فادي هرموش“، أن المصنع بدأ الإنتاج بالفعل بعد اكتمال عمليات التأهيل الشاملة، والذي تصل طاقته إلى 1.2 مليون طن سنوياً من الفوسفات المغسول والمجفف. مؤكداً على أهمية المشروع، كدعامة قوية للاقتصاد الوطني، وأن بدء الإنتاج بالمواصفات العالمية المطلوبة يعكس قدرة الخبرات الوطنية على استثمار الموارد بفاعلية لدعم التنمية الاقتصادية.

حسنات إعادة افتتاح المصنع من الناحية الاقتصادية

إعادة تشغيل معمل فوسفات حمص له بُعد اقتصادي يتجاوز عودة منشأة صناعية واحدة إلى العمل في سوريا، فهذه الخطوة تلامس عدداً من القطاعات المتشابكة. فالمعمل يشكل مَورد أساسي لإنتاج المواد الأولية الداخلة في صناعة الأسمدة. ما يعزز من قدرة السوق المحلية في البلاد على الاستغناء عن جزء من الاستيراد الذي أثقل الميزان التجاري خلال السنوات التي خلت.

تشغيل المعمل يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويعيد الحركة إلى سلسلة من الأنشطة المرتبطة بالنقل والتسويق ومختلف الخدمات اللوجستية. كذلك إن استثمار الفوسفات كخامة محلية يعزز من قيمة الصادرات السورية في حال توفرت الكميات الفائضة، ما يمكن له أن يدعم احتياطي العملات الأجنبية. كذلك، من شأن هذه العودة في حال كان إنتاج المعمل منظماً أن تبعث برسالة إيجابية للخارج والمستثمرين حول قدرة القطاع الصناعي المحلي على التعافي، وإعادة التموضع وسط بيئة اقتصادية أكثر استقراراً.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى