سياسة

فواتير الكهرباء بين الجباية وحق الاعتراض وفك العدادات…!

الكاتب: أحمد علي

حين يصل النقاش إلى حدّ التلويح بفك العدادات والذهاب إلى القضاء، لا تعود فاتورة الكهرباء ورقة جباية عادية. الملف يتبدل كله، ويصير سؤالاً عن حدود سلطة الإدارة، وعن حقوق المشترك، وعن الطريقة التي تدير بها الدولة خلافها اليومي مع الناس على خدمة لا تزال، في أصلها، خدمة أساسية لا ترفاً.

هذا ما يفسر الحساسية الكبيرة المحيطة بالفواتير خلال الأشهر الماضية. فمنذ تعديل التعرفة في خريف 2025، ثم صدور فواتير الدورة السادسة وما أثارته من شكاوى واعتراضات، بات النزاع على الفاتورة جزءاً من النقاش العام، لا لأن الأرقام ارتفعت فقط، بل لأن الخدمة نفسها ما تزال غير مستقرة في مناطق واسعة، ولأن جزءاً من المشتركين ما يزال خارج القياس الدقيق بسبب غياب العدادات أو الأعطال أو مشاكل التأشير.

من هنا، لا يكفي أن يقال للناس ادفعوا أو ستتخذ إجراءات قانونية. السؤال الأهدأ، والأكثر فائدة، هو ما الذي يحق للجهة المزودة أن تقوم به فعلاً، وما الذي لا يجوز الجزم به في ظل غياب نصوص منشورة بوضوح كافٍ حول مهلة الإنذار وآلية الفصل وإعادة الوصل. ثم هناك السؤال الآخر، وهو الأهم اجتماعياً، ماذا يعني أن يساق نزاع معيشـي بهذا الحجم إلى لغة القانون والإنذار والعقوبة.

فواتير الكهرباء بين التحصيل والاعتراض

الصورة الإدارية التي ظهرت في الأشهر الأخيرة لا تسير في خط واحد. هناك خط تحصيل واضح، تمثل في توسيع قنوات الدفع والاستعلام، والإعلان عن إمكان التسديد عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني ونقاط الجباية. وفي المقابل هناك خط اعتراض لا يقل وضوحاً، ظهر في إطلاق خدمة إلكترونية لمعالجة طلبات الفواتير في دمشق، وفي إعلان كهرباء حماة استقبال طلبات الاعتراض عبر لجنة مختصة، مع الإشارة إلى معالجة أكثر من عشرين ألف طلب في الدورة السابقة.

هذا التفصيل ليس هامشياً. معناه أن الفاتورة، في نظر الإدارة نفسها، ليست دائماً ديناً مستقراً ونهائياً منذ لحظة صدورها. قد تكون مطالبة مالية قابلة للمراجعة والتصحيح إذا كان هناك خلل في القراءة، أو في التأشير، أو في طريقة احتساب الاستهلاك. ولذلك، فإن أي حديث عن الانتقال مباشرة إلى فك العداد أو الملاحقة القانونية لا يمكن فصله عن وجود مسار إداري موازٍ يعترف، ولو ضمنياً، بأن بعض الفواتير قد تكون محل نزاع فعلي.

وتزداد المسألة تعقيداً في حالة المشتركين غير المخدمين بعدادات. فالمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء اعتمدت منذ مطلع 2026 آلية تقدير موحدة مقدارها أربعمئة كيلوواط ساعي لكل دورة مدتها شهران، تحتسب منها أول ثلاثمئة كيلوواط بسعر ستمئة ليرة للكيلوواط، والمئة الباقية بسعر ألف وأربعمئة ليرة. النتيجة العملية هنا هي فاتورة تقديرية تبلغ ثلاثمئة وعشرين ألف ليرة كل شهرين، حتى قبل الدخول في مسألة الاستهلاك الفعلي لكل منزل.

ما الذي يجيزه القانون

في أصل المسألة، لا يوجد شك كبير في حق الجهة العامة المشغلة للكهرباء في إصدار الفواتير والمطالبة بتحصيلها. قانون الكهرباء رقم 32 لعام 2010 أعطى الوزارة صلاحية اعتماد القواعد العامة التي يجب أن يلتزم بها أطراف القطاع بما يضمن مصالحهم ومصالح المستهلكين، كما منحها صلاحية إصدار أنظمة الاستثمار واعتماد التعرفات والشروط العامة للعقود. وعلى هذا الأساس جاءت قرارات التعرفة الأخيرة التي ألزمت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء والشركات العامة في المحافظات بإصدار الفواتير دورياً ومتابعة التحصيل.

من هذه الناحية، يبدو أصل الحق واضحاً. لا يمكن لمرفق عام أن يستمر من دون جباية، وإلا صار عجزه عبئاً إضافياً على الشبكة وعلى الخزينة وعلى المشتركين الملتزمين. لكن وضوح أصل الحق لا يعني بالضرورة أن كل وسيلة من وسائل التحصيل واضحة بالدرجة نفسها أو منشورة على النحو الذي يسمح بالجزم بها أمام الجمهور.

وهنا تبدأ المنطقة الأشد حساسية. فالمصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها لا تظهر تعميماً عاماً منشوراً يحدد، بتفصيل لا لبس فيه، ما إذا كان فك العداد هو الإجراء الأول أو الأخير، وما هي مهلة الإنذار، وما إذا كان يكفي مجرد التأخر في الدفع، أو يجب أن يكون الدين ثابتاً وغير متنازع عليه، وما هي آلية إعادة الوصل وبدلاتها إن وجدت. ولهذا السبب، فإن القول القاطع بأن الشركة تستطيع في كل الحالات أن تزيل العداد فوراً لمجرد عدم السداد، يبقى أوسع مما تسمح به النصوص المنشورة علناً.

القراءة القانونية الأكثر تحفظاً تقول شيئاً أبسط من ذلك، وأدق منه في الوقت نفسه. للجهة المزودة، من حيث المبدأ، أن تطالب بالدين، وأن تنذر، وأن تنتقل عند استقرار الدين وعدم سداده إلى إجراءات أشد قد تصل إلى وقف الاستفادة بالخدمة، ثم إلى المطالبة القضائية أو التنفيذية. لكن هذه المشروعية تضعف كلما كان أصل الفاتورة محل نزاع جدي، أو كان الاعتراض ما يزال قائماً ولم يبت فيه بعد.

من الاعتراض إلى القضاء

في هذا النوع من الملفات، لا يبدأ الطريق من المحكمة عادة. توجد أولاً طبقة إدارية يجب أن تؤخذ بجدية. فمجرد إطلاق خدمة إلكترونية لمعالجة طلبات الفواتير في دمشق، وفتح كهرباء حماة باب الاعتراض عبر لجنة مختصة، يعني أن الإدارة تعترف بوجود مساحة رسمية للمراجعة والتصحيح. وهذا يمنح المشترك حقاً عملياً في طلب إعادة النظر بالفاتورة، وطلب بيان القراءة المعتمدة، وبيان الشريحة المطبقة، وطلب الكشف على العداد، أو معرفة سبب اعتماد التقدير بدلاً من القراءة الفعلية.

إذا لم تحل هذه المرحلة النزاع، يفتح باب القضاء. والإعلان الدستوري لعام 2025 نص على أن النظام القضائي في سوريا مزدوج، ويتكون من القضاء العادي والقضاء الإداري، مع إسناد القضاء الإداري إلى مجلس الدولة. وهذا يعني أن الطريق القضائي ليس واحداً دائماً. فإذا كان النزاع يدور حول قرار إداري أو إجراء اتخذته جهة عامة، فإن باب الطعن الإداري يظل وارداً. أما إذا تمحور الخلاف حول مبلغ الدين نفسه، أو حول التعويض والضرر، فقد يذهب النزاع في اتجاه آخر بحسب التكييف القانوني لكل حالة.

وما يجعل هذه النقطة أكثر من احتمال نظري هو أن الجدل حول الفواتير المرتفعة بدأ يأخذ بالفعل شكلاً قضائياً، مع الإعلان عن مبادرات قانونية لرفع دعاوى ضد وزارة الطاقة. هذا التطور مهم لأنه ينقل النزاع من مستوى الشكوى العامة إلى محاولة فرض مراجعة قانونية منظمة. لكنه يكشف أيضاً محدودية القضاء كحل يومي، لأنه أبطأ من الإجراء الإداري، وأكثر كلفة على الناس، وأقل قدرة على امتصاص أزمة واسعة إذا لم ترافقه آليات تسوية واضحة وسريعة.

العادة والسوابق العملية

إذا انتقلنا من النصوص إلى ما يجري عادة في المرافق العامة، تظهر صورة معروفة تقريباً في أغلب البلدان، وإن اختلفت التفاصيل. تبدأ المسألة بالمطالبة وبإشعار التأخر. ثم تعطى مهلة للسداد أو للتسوية. ثم يفتح باب التقسيط أو الاعتراض إذا كانت الفاتورة محل خلاف. وبعد ذلك فقط يجري التفكير بوقف الخدمة أو بالتحصيل الجبري. في الأنظمة الأوضح، لا يكون فصل الكهرباء بسبب عدم الدفع خطوة مباغتة، بل إجراء مقيد بإنذار مسبق، وبإعلام واضح، وبفرصة للتواصل حول خطة دفع، وبوقف الإجراء إذا كان الدين متنازعاً عليه أو إذا قدم المشترك دليلاً على السداد.

هذه ليست قاعدة سورية منشورة بالصيغ نفسها، لكنها تظل معياراً مقارناً مفيداً. هيئات تنظيم وخدمات دفاع عن المستهلك في بلدان أخرى تشترط عادة إخطاراً مكتوباً يبين سبب الفصل وتاريخه، وتمنح فرصة للتواصل حول التسوية، وتمنع فصل الخدمة إذا كان أصل الفاتورة محل نزاع قبل حسمه. قيمة هذا المعيار ليست في نسخه حرفياً، بل في إظهار أن الإجراء القانوني السليم في خدمات أساسية كهذه لا يقفز من المطالبة إلى العقوبة دفعة واحدة، بل يمر عبر درجات من الإشعار والمراجعة والتسوية.

أما في الحالة السورية الراهنة، فالسوابق المنشورة تعكس وضعاً لم يستقر بعد. من جهة، هناك توسع في التحصيل ونقاط الجباية والدفع الإلكتروني، وهو سلوك مفهوم من منظور المؤسسة. ومن جهة ثانية، هناك توسع موازٍ في الاعتراضات والشكاوى والحديث عن فواتير غير دقيقة أو تقديرية أو غير متناسبة مع ساعات التغذية. ومن جهة ثالثة، بدأ النقاش يخرج إلى المجال القضائي. وهذا كله يعني أن الملف ما يزال في طور الشد بين منطق الجباية ومنطق الاعتراض، ولم يتحول بعد إلى عرف إداري مستقر ومقبول على نطاق واسع.

حين يصير القانون اجتماعاً

هنا يتجاوز الموضوع حدوده الإجرائية. في ملفات الكهرباء والمياه والخبز والنقل، لا يقرأ القانون كنص مجرد فقط، بل كطريقة تتكلم بها الدولة مع المجتمع في لحظة ضيق. فإذا استُخدم المسار القانوني على نحو متدرج وشفاف، يبدأ بإنذار واضح، ويفتح باب الاعتراض، ويتيح التسوية أو التقسيط عندما يكون العجز مادياً لا احتيالياً، فإنه قد يعزز الانضباط ويرفع القبول بالقواعد نفسها، لأن الناس تشعر أن الخدمة لها نظام، وأن النزاع عليها له طريق مفهوم.

أما إذا صارت لغة القانون مجرد لغة تهديد، أي فواتير محل اعتراض، وخدمة متقطعة، وتعرفة مرتفعة قياساً إلى الدخول، ثم تلويح سريع بفك العدادات وبالإجراءات القضائية، فإن الأثر الاجتماعي يذهب في اتجاه مختلف تماماً. عندها تتحول الفاتورة من التزام مالي إلى علامة خصومة بين المجتمع والإدارة. ويزداد الميل إلى الامتناع الجماعي عن الدفع، أو إلى البحث عن الوساطات، أو إلى الاستجرار غير النظامي، أو إلى النظر إلى الجابي بوصفه طرفاً في النزاع لا ممثلاً لمرفق عام.

هذا البعد الاجتماعي ليس ثانوياً في سوريا، لأن الناس لا تقيس عدالة الفاتورة بالأرقام المكتوبة فقط، بل بما يصل فعلاً إلى البيوت من ساعات تغذية، وبما تستطيع الأسرة احتماله من أعباء. ولهذا فإن الإفراط في أدوات الإلزام قد يحقق تحصيلاً سريعاً في بعض الحالات، لكنه قد ينتج في المقابل خسارة أوسع في الثقة والامتثال الطوعي، وهي خسارة لا يعوضها أي مرفق عام بسهولة.

خلاصة مباشرة

يمكن تلخيص المسألة بهدوء. يحق للجهات العامة المشغلة للكهرباء أن تصدر الفواتير، وتطالب بتحصيلها، وأن تنتقل عند استقرار الدين وعدم سداده إلى إجراءات أشد قد تصل إلى وقف الخدمة أو المطالبة القضائية. لكن المصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها لا تسمح بالجزم بوجود تفويض منشور وواضح يبيح، على نحو مطلق وفوري، فك العدادات المنزلية في كل حالة تأخر عن الدفع من دون بيان تفصيلي لمهل الإنذار وطبيعة الاعتراض وآلية إعادة الوصل.

وفي المقابل، لا يملك المشترك حق الشكوى فقط، بل يملك حق الاعتراض، وطلب إعادة النظر، والتحقق من القراءة أو من سبب التقدير، وطلب معرفة الأساس الذي بنيت عليه المطالبة، ثم الذهاب إلى القضاء إذا تعذر الحل الإداري. أما اجتماعياً، فإن الطريق القانوني يكون مفيداً عندما يضبط العلاقة بين الخدمة والجباية، لا عندما يحل محل هذه العلاقة. لأن المرفق العام، في النهاية، لا يعيش بالقوة وحدها، بل بدرجة القبول التي يخلقها بين الناس.

اقرأ أيضاً: كم كلفة فواتير الكهرباء على الناس العاديين بعد رفع الأسعار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى