فرنسا في سوريا.. جعجعة طَحنُها الوهم

مقال رأي – بقلم عروة درويش – «فرنسا في سوريا.. جعجعة طَحنُها الوهم»
شكّلت فرنسا يوماً ما إحدى القوى التقليدية في النظام الدولي، لكنّ السنوات الأخيرة أثبتت أنّ قدراتها الاقتصادية والعسكرية في انحدار واضح. من هنا يأتي السؤال: لماذا لا يزال اسم فرنسا في سوريا يتردّد ضمن مشهد الهيكلة السياسية الجديدة؟ كيف يمكن لدولة تعاني تراجعاً في أدواتها المادية أن تحافظ على حضورها في قلب الخطاب الجيوسياسي العالمي؟
الإجابة القصيرة: باريس لا تتحدث دوماً باسمها الخالص، بل تظهر في كثير من الأحيان كظلٍّ لقوة أمريكية نافذة ضمن الانقسام القائم في المشهد السياسي في واشنطن. ومن هنا، يصبح حضورها المتكرر في الملفات الدولية انعكاساً لشبكة أوسع من التناقضات والمصالح والاصطفافات تتجاوز قدرتها الذاتية، لا يؤثر إلّا بقدر تأثير الأصيل الذي يحرّكها.
في هذا المقال، أسعى لتحليل هذه المفارقة من خلال التدخلات والتصريحات الفرنسية في سورية، التي تُمثّل المثال الأوضح على التناقض بين الضجيج الدبلوماسي الفرنسي وواقع التراجع الاستراتيجي.
الركود الاقتصادي والضغوط المالية
وفق مقاييس عديدة، لم تعد فرنسا «محركاً اقتصادياً» كما كانت. فرغم أنّها ما تزال «اسمياً» سابع أكبر اقتصاد في العالم، لكن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لا تتجاوز نحو أربعة بالمئة فقط. وبالأسعار الثابتة، فإن الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي اليوم أصغر مما كان عليه قبل الأزمة المالية في 2008.
بعد انتعاش ما بعد الجائحة بنسبة نمو بلغت +7 % عام 2021، تباطأ الأداء الاقتصادي الفرنسي. إذ بلغ متوسط النمو نحو 1 % سنوياً في 2023–2024، مع توقّعات بالتراجع إلى 0.6 % فقط نهاية هذا العام 2025. ورغم تراجع التضخم، فإن الزيادات الحقيقية في الدخل تبقى متواضعة.
بالتزامن مع ذلك، تحمل فرنسا ديناً عاماً ضخماً «نحو 113 % من الناتج في 2023، مع مسار صعودي باتجاه 118 % بحلول 2026». أمّا البطالة، التي بلغت 7.1 % منتصف 2023، فمتوقّع أن ترتفع نحو 8–9 % بحلول أواخر 2025. إجمالاً، تصف التوقّعات الرسمية الوضع بأنه «تباطؤ قوي» وإضعاف للاقتصاد المحلي.
وقد نبّه معلّقون بارزون إلى هذا الاعتلال منذ زمن، وذلك سابقٌ حتّى لأزمة كورونا. فقد حذّر مقال نشرته «أتلانتيك كاونسل» منذ 2013، بأنّ الاقتصاد الفرنسي كان «مريضاً»، ولم يسجّل نمواً لخمسة أعوام، مع بطالة شبابية فوق 26 %.
وفي الآونة الأخيرة، لاحظ محللون ماليون أوروبيون، تراجع ثقة الأعمال في فرنسا وتباطؤ الاستهلاك. ورغم استمرار تصنيف فرنسا كبلد ذي دخل مرتفع واقتصاد متنوّع، فإن آفاق نموّها البعيدة الأمد مقلقة: الاستثمار ضعيف، وثقة المستهلك تراجعت مع آثار التقشّف المالي. هذا الركود الاقتصادي يُقوّض ادّعاء باريس وجودها في القيادة العالمية. وكما قالت «شبيغل»، فإن «النموذج الفرنسي بلغ مرحلته النهائية».
تخلّف اقتصاد فرنسا عن نظرائه. وفي المقابل، رفعت قوى صاعدة– كالصين والهند– حصّتها العالمية، بينما تواصل مساهمة أوروبا في الناتج العالمي الانكماش. وتُظهر إحدى البيانات، أنّ حصة فرنسا من الاقتصاد العالمي بالكاد تبلغ اليوم نحو 2.0 %. في هذا السياق، يشكّك كثير من المحللين في قدرة فرنسا على إسقاط القوة بعيداً عن حدودها. وكما نشر مركز SETA التركي للأبحاث، فالأمر بصريح العبارة: أنّ باريس «لم يعد يُنظر لها، في نظر كثير من المراقبين، بأنّها لاعبٌ ثقيلٌ في السياسة الدولية».
فرنسا وسوريا: تهميشٌ تحت ظلال القوى الكبرى
أثناء الحرب السورية وما بعدها، أطلقت فرنسا مواقف أخلاقية ودبلوماسية، لكن قوّتها الفعلية على الأرض هامشية. فمنذ 2011، نددت باريس بالنظام السوري وشاركت في بعض عمليات مكافحة «داعش»، لكنها لم تنشر قوات برية كبيرة. وحتى عندما انتقدت بقوة توغّل تركيا عام 2019، اعترف الرئيس ماكرون علناً وبصراحة بأن فرنسا أُزيحت جانباً فعلياً. وأسف لأنّ أوروبا تتصرّف كـ «شريك صغير»، وأنّ «الواقع… أنّ من خرجوا منتصرين بفرض قوتهم في المنطقة هم تركيا وروسيا وإيران». وفقاً لكلامه، فقد ابتعد ميزان القوى عن الغرب في سورية، وفرنسا خلف الركب.
وكان ردّ تركيا على انتقادات فرنسا واضحاً. فقد سخر الرئيس رجب طيب أردوغان من ماكرون بعدما أثار مسألة تضامن «الناتو» إثر التوغّل التركي في مناطق شمال شرق سورية. والأدقّ، أنّ أردوغان شكّك علناً في شرعية الوجود الفرنسي في سورية، قائلاً: «ماذا تفعلون هناك؟ ليس لكم حقّ بالبقاء… لم يدعُكم النظام أيضاً». بمعنى آخر، أوضح الزعيم التركي، أنّ فرنسا ليست طرفاً في أي مسار سلام محلي، ولا مرحّباً بها كقوة متدخّلة. أما القليل من المستشارين والضباط الفرنسيين الخاصّين، فكانوا عملياً ضمن المظلّة الأمريكية. وتصرّ أنقرة على أنّ الولايات المتحدة هي الطرف الخارجي الوحيد ذي الصلة بقضية الأكراد السورية.
وقد تأكّد هذا المعنى بعد سقوط سلطة الأسد. ففي كانون الثاني 2025 استبعد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أي دور لفرنسا في فكّ الاشتباك أو حفظ السلام. وقال للصحفيين إنّ أنقرة «لا تتفاوض إلا مع الولايات المتحدة» بشأن شمال شرق سورية، وصنّف فرنسا على أنها بلدٌ «يحاول أن يدفع بمصالحه في سورية وهو يختبئ وراء أمريكا». وهذا التصريح العلني من حليف في «الناتو» لافت. إذ يعني أنّ صوت فرنسا في سورية يُرى كصدىً للسياسة الأمريكية، لا كموقف مستقل. فتركيا ترى أنّ باريس لا تملك نفوذاً مباشراً هناك– بل نفوذها قائم بقدر ما هي جزء من الائتلاف الذي تقوده أمريكا، ومن هنا علّقت وسائل الإعلام على أنّ تركيا ضغطت على السلطة في دمشق لعدم المشاركة في باريس مرة أخرى في الحوار مع قسد. وبغضّ النظر عن مدى تجاهل فيدان للانقسام الداخلي التركي، وأنّ هناك جزءاً من جهاز الدولة التركي- مثله مثل فرنسا- ينطق باسم الأمريكيين، وليس باسم مصالح الشعب التركي، فإنّ توصيفه لمحاولات فرنسا في سورية صحيح.
لهذا علينا أن ندرك بأنّ تصريحات فرنسا في سورية بخصوص تأييد قسد، ورغم أنّها قد تصبّ بشكل أو بآخر في صالح تعظيم مصالح فرنسا في سورية، تنبع قيمتها من أنّها تمثّل صوت قسم نافذ في السياسة الأمريكية، وهو قسمٌ قويّ يعبّر عن نفسه ضمن الانقسام الأمريكي الحاصل في التعامل مع جميع الملفات الدولية، بل وحتى الداخلية في الولايات المتحدة ذاتها.
إنّ أيّ ظهور لفرنسا ضمن غير هذه القراءة هو مضلل، فحتّى عندما فرض ترامب رسومه الجمركية بشكل مذلّ على الاتحاد الأوروبي، ورغم تعليقات المسؤولين الفرنسيين على هذه الاتفاقية بأنّها مذلّة، لم تتمكن فرنسا من سحب أوروبا، أو حتّى نفسها بشكل مستقل. من هنا يمكننا أن ندرك أن فرنسا تتحرّك ضمن كتلةٍ غربية تقودها أمريكا. ولهذا علينا أن ندرك أنّه في ساحات التماس، التي تشكّل سوريا جزءاً منها، الآخرون يرسمون المسار– وفرنسا تتبع.
اقرأ أيضاً: من أوصل العلم «الإسرائيلي» إلى ساحات السويداء؟
————————————————————————————————————
تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.









