فراس معلا في لندن: سبّاح النظام الذي خرج من الماء وترك الرياضة غارقة

بقلم: أوديت الحسين
في الصورة التي وصلت إلى موقعنا من مراسلنا في لندن، لا يحدث شيء استثنائي للوهلة الأولى. رجل يقف داخل سوبرماركت، ويتحرك بين الرفوف، ويختار ما يريد، ويمضي في تفاصيل يومية لا تستحق عادة أن تُروى. لكن الرجل في الصورة ليس عابراً تماماً.. إنه فراس معلا، رئيس الاتحاد الرياضي العام السابق في سوريا، وأحد الأسماء التي ارتبطت بمرحلة طويلة من النفوذ والفساد الرياضي داخل مؤسسات السلطة البائدة.
لكنّ وجود معلا في لندن، وهي المدينة الواسعة القادرة على ابتلاع مواضٍ مشينة كثيرة، مهم هنا لسببين: الأول أنها إحدى المدن التي اعتاد رجالات السلطة السابقة على تكوين شبكات أمان داخلها، عبر امتلاك عقارات وحسابات بنكية وعلاقات سياسية، تحسباً ليومٍ كيوم 8/12/2024 وهروب بشار الأسد. السبب الثاني أنّ معلا يظهر اليوم في عدستنا بعد أشهر من تداول أنباء عن الحجز الاحتياطي على أمواله وأموال عائلته، وبعد وضع منشآت وأندية مرتبطة باسم العائلة تحت تصرف الصندوق السيادي.

تاريخ فراس معلا
بدأ ظهور معلا في العلن كرياضيّ معروف قبل أن يصبح مسؤولاً. بدأ سباحاً، وارتبط اسمه بسباقات المسافات الطويلة وبعائلة لها حضور واسع في السباحة السورية. منحت هذه البداية الرياضية لسيرته واجهة مناسبة. واجهة البطل السابق، الرجل الآتي من المسبح لا من جهاز أمني أو حزب سياسي.
لكن حتى هذه الواجهة الرياضية لم تكن بريئة تماماً من فساد النفوذ والسلطة. ففي رواية متداولة داخل الوسط الرياضي، يسردها شاهد قريب من تلك المرحلة، تعود إحدى لحظات «التشبيح» الأولى لفراس معلا إلى الصدام بينه وبين السباح هشام المصري في عام 1988، في سباق 1500 متر. تقول الرواية إن المصري سبق معلا بفارق يقارب 100 متر، وإن المدرب شوكت المصري قال بوضوح وهو يعترض على قرار الحكم إن الفائز هو هشام لا فراس. عندها، بحسب الرواية ذاتها، هاجمت شقيقة فراس والمرافقة الموجودة معها المدرب، ووجهتا إليه الشتائم، وحاولتا الاعتداء عليه، لأن النتيجة التي كان يُراد تثبيتها لم تكن نتيجة السباق كما جرى في الماء، بل النتيجة كما أرادها أصحاب النفوذ.
هذه ليست حادثة معزولة، فجولة «قهر المتوسط» في 2018 التي أراد فراس معلا أن يسجلها في غينيس كأول من يقطع المسافة بين قبرص واللاذقية سباحة، لم تقبل غينيس تسجيلها بسبب المرات الزائدة التي صعد فيها معلا إلى القارب، وهو ما جعل معلا يقول: «يكفيني دخول قصر الأسد ولست بحاجة لغينيس». ربما لهذا السبب منع فراس معلا، عندما كان رئيساً للاتحاد الرياضي، هشام المصري، من المشاركة بالنيابة عن المنتخب السوري بذريعة عدم رفع العلم السوري. مع العلم أن فراس ذاته شارك في بطولة عالمية ليس بالنيابة عن سوريا، بل عن روسيا!
الماضي هنا مدخل لفهم آليات إدارة السلطة للفساد، والهروب من محاولات إعادة التجربة من أيّ كان. والد فراس، هاشم معلا، كان ضابطاً نافذاً في بنية السلطة السابقة، وتصفه مصادر متعددة بأنه من الأسماء العسكرية التي حملت ثقلاً كبيراً داخل نظام حافظ الأسد. أما غيداء معلا، شقيقة فراس، فهي زوجة معين شحادة، الضابط في الحرس الجمهوري المرتبط بوحدة مرافقة وحماية حافظ وبشار الأسد، ما يضع العائلة داخل شبكة دعم أوسع من الرياضة بكثير.
لذلك كان كثيرون في الوسط الرياضي يتعاملون مع آل معلا لا كعائلة رياضية فقط، بل كامتداد لقوة أكبر. قوة قادرة على فرض نتيجة سباق، أو معاقبة مدرب، أو إبعاد سباح، أو لاحقاً التحكم باتحاد ومنشآت وأندية.
في شباط 2020، وصل فراس معلا إلى رئاسة الاتحاد الرياضي العام. لم يكن المنصب عادياً. الاتحاد الرياضي العام ليس مجرد هيئة تنظم البطولات أو تدير شؤون الأندية. كان مؤسسة فوق الرياضة، تتحكم بالاتحادات، وتملك سلطة على المنشآت وملكياتها واستثماراتها، وتقرر في التعيينات، وتشرف على مفاصل واسعة من الحياة الرياضية. كان موقعاً يجمع بين الإدارة والسلطة والمال العام.
لهذا فإنّ طريقة وصول معلا إلى رئاسة الاتحاد هي جزءٌ أصيل من القصة. فقد ذكرت مصادر رياضية أن اسمه لم يكن ضمن الأسماء المنتخبة في المؤتمر العام، وأن وصوله جاء بقرار سياسي من القيادة القطرية لحزب البعث، أي من المكان الذي تمّ إفراغه من قيمته الحزبية منذ السبعينيات وبات مجرّد منفذ رفيع المستوى لأوامر السلطة العليا.
لم يكن فراس وحده، بل عائلته كانت معه. أشقاء فراس معروفون في السباحة، وبعضهم ارتبط باستثمارات رياضية وشركات وأندية. في المعلومات المنشورة عن «نوادي معلا» و«قرية معلا»، تظهر ملامح هذا التداخل بين الرياضة والاستثمار. البعض يقول أنّ الاستثمارات كانت لهم ويعطون قسماً من ريوعها لأصحاب النفوذ الأعلى. آخرون يقولون بأنّ معلا وأشقائه ليسوا أكثر من واجهات برواتب مرتفعة، كغيرهم كثر ارتبطوا بالحقبة السابقة.
مثال من كرة القدم
كرة القدم كانت المثال الأوضح على هذا الفساد. كانت اللعبة الشعبية الأولى، لكنها بقيت أسيرة إدارة مرتبكة ومصالح متداخلة. تغيّرت اتحادات، وجاءت لجان مؤقتة، ورحل رؤساء وجاء آخرون، لكن الأسئلة بقيت نفسها: من يقرر فعلاً؟ من يحاسب؟ من يختار؟ من يحمي؟ ولماذا تبقى الوجوه نفسها، أو الشبكات نفسها، قادرة على العودة في كل مرحلة بثوب جديد؟
في نادي الوحدة، ظهرت طريقة إدارة فراس معلا للرياضة بأوضح صورها. ماهر السيد، النجم السابق والرئيس المنتخب للنادي، فاز عام 2019 في انتخابات داخلية، ثم بدأ عهده برسالة تهديد ورصاصة أمام منزله. بعد عامين، حُلّت إدارته بقرار من الاتحاد الرياضي العام، تحت عنوان فقدان النصاب بعد استقالة أكثر من نصف الأعضاء المعترضين على تعيين فراس معلا لعضوين عن «الحزب» لا دخل لهما بالعملية الرياضية. روى السيد لاحقاً أن الاستقالات جاءت نتيجة ضغوط واتصالات، وربط إبعاده بملف أموال عمر خريبين وعدم قبوله بتسليمهم استثمارات نادي الوحدة الكبيرة.
في الوحدة، لا تنتهي القصة عند خروج ماهر السيد وحسب، ورفضه المشاركة في انتخابات النادي في كانون الثاني 2024، المهزلة بحسب وصفه، بل أيضاً في الجهة التي ورثت الموقع بعده. فغياث الدباس، الذي خسر أمام السيد في انتخابات النادي عام 2019، عاد لاحقاً إلى الرئاسة وبقي في الموقع حتى بعد التحرير وسقوط سلطة الأسد. يثير اسم الدباس انزعاجاً لدى جزء كبير من السوريين، سواء بسبب الكوارث التي حلت بالنادي، أو التي حلت بكرة القدم أثناء ترأس شقيقه فادي اتحاد كرة القدم، أو بسبب ارتباط اسميهما برجل الأعمال المقرب من السلطة السابقة – والمسوى وضعه من السلطة الحالية – محمد حمشو، المتزوج من شقيقتهما.
بالنسبة لكثيرين، هناك مفارقة في أن فادي الدباس، الذي سبق أن ترأس اتحاد كرة القدم في عهد السلطة السابقة ولم يؤد الاتحاد حسناً في عهده ولا على أي صعيد، لم يبقَ اسماً من الماضي، بل عاد بعد التحرير إلى موقع القرار نفسه تقريباً: نائباً لرئيس الاتحاد السوري لكرة القدم. يتساءل هؤلاء: ألم يكن فرار الأسد ومن حوله من أمثال فراس معلا، كفيلاً بنزع أظافر المتنفذين الذين فشلوا مراراً في مهامهم؟ مع العلم بأنّه، وأثناء كتابة هذه الكلمات، تناقلت بعض وسائل الإعلام غير المشهورة خبراً مفاده: «الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لرئيس الاتحاد السوري سابقاً، والذي يشغل منصب نائب رئيس اتحاد كرة القدم الحالي فادي الدباس»، دون القدرة على تحديد مدى صحتها.
شبيحة حتى على الجيش!
بعض القصص التي يرويها العاملون في الوسط الرياضي لا تظهر في الوثائق الرسمية. وهي، بحكم طبيعتها، تحتاج إلى تحقق ومراجعة، لكنها تساعد على فهم المناخ العام، وكيفية تشبيح بعض النافذين حتى على المؤسسات التي كانت تقوم بحماية نفوذهم بشكل أو بآخر.
حصل موقعنا على شهادة خاصة موثوقة إلى حدّ كبير، من رجل كان كان حاضراً أثناء خلاف وقع بين أحد أشقاء فراس معلا وضابط في الجيش السوري القديم برتبة رائد، ينحدر من قرى القرداحة. كان الخلاف بسبب منع الضابط شقيق فراس معلا من الدخول إلى مسبح عسكري دون صفة أو إذن خاص. وبحسب الشهادة، تطور الخلاف إلى حد قيام شقيق معلا بتهديد الضابط، وهو التهديد الذي نفذه بالفعل. فبعد ساعات من مغادرته الموقع بشكل إلزامي، قام فرع المخابرات العسكرية 293 باستدعاء الضابط، وأوقفه قرابة الأسبوعين. بعد ذلك أطلق سراحه وفي سجله عقوبة مسلكية رغم أنه كان «ينفذ مهامه» وحسب!
إنّ عرضنا لهذه الشهادة يأتي ضمن سياق فهم مراكز النفوذ في سوريا أثناء حكم السلطة البائدة، فوجود رتبة عسكرية في الجيش، لضابط ينحدر من قرى الساحل، وتحديداً القرداحة، لم يكن عائقاً في وجه آل معلا ومن شابههم. يعني هذا أنّ علاقات آل معلا ومن شابههم كانت أقوى حتى من الأشياء التي يتعامل معها السوريون على أنها مسلّمات. في الواقع، هذا هو المعنى العملي للتشبيح في سوريا: أن يمتلك شخص ما سلطة غير رسمية تجعله أكبر من القانون وأقرب إلى الخوف.
هذا الخوف كان جزءاً من إدارة الرياضة أيضاً. فالمؤسسات الرياضية عملت بأسماء فاسدة علمت أنها محمية، ولهذا كان الفساد في الرياضة أكبر من فساد مالي اعتيادي.
لا ينبغي لقضية فراس معلا أن تتحول إلى مطاردة شخصية فقط، فقيمتها الحقيقية أنها تفتح باباً على ملف أكبر: ملف الرياضة السورية بوصفها واحدة من ساحات الفساد في عهد السلطة السابقة، بل وكي نتكلم بجرأة: إحدى الساحات التي يريد البعض إدامة الفساد فيها بأشخاص جدد.
إذا كانت هناك أموال محجوزة، فيجب على المعنيين كشفها. وإذا كانت هناك منشآت عامة استُثمرت بشروط مجحفة، فيجب مراجعة عقودها. وإذا كانت هناك شركات واجهة أو استثمارات عائلية استفادت من المنصب، فيجب تتبعها. وإذا كان بعض رجال المرحلة السابقة لا يزالون داخل الاتحادات، فيجب مسائلتهم.
المشكلة التي يفتحها اسم فراس معلا أوسع من شخصه. إنها تتعلق بطريقة صنعتها السلطة البائدة ثم تركت آثارها داخل المؤسسات. لذلك لا يكفي أن يختفي بعض رموز تلك المرحلة أو أن تُحجز أموال بعضهم. الأهم أن تُكشف الطريقة التي عملوا بها، وأن تُراجع العقود التي مرّت عبرهم، وأن يُسأل الذين سهّلوا وبقوا، والذين فشلوا ثم عادوا إلى مواقع القرار كأن الفشل لم يكن جزءاً من الفساد.
هذه هي مهمة الرياضة السورية بعد التحرير: أن تستعيد حقها من الذين عاملوها كملكية خاصة. أن يعود المسبح للسباح، والملعب للاعب، والنادي لجمهوره، والاتحاد للرياضة لا لشبكات النفوذ. عندها فقط يمكن لصورة فراس معلا في لندن أن تصبح خاتمة مرحلة، لا دليلاً جديداً على أن الفاسدين يعرفون طريق الخروج، بينما لا تزال المؤسسات تبحث عن طريق العودة.
اقرأ أيضاً: الدكتور محمد أبو زيد في «كاجوال»: الإسلام بين الشورى وحرية المعتقد وفقه الواقع









