فجوة المهارات في سوريا: التعليم خارج السوق وسوق العمل خارج التعليم

بقلم: ديانا الصالح
يشهد العالم تحولات ومتغيرات متسارعة، حتى بات اقتصاد اليوم عبارة عن معارف وتقنيات، فأصبحتِ المهارات التي يتمتع بها الفرد هي المعيار الأساسي والعملة الحقيقية للاتجاه الوظيفي الحديث، الأمر الذي وضع الشباب السوري أمام تحدٍّ لا يمكن الاستهانة به، ففي الوقت الذي تُوّجت فيه الكفاءات والخبرات العملية المستنبطة من الثورة الصناعية الرابعة، أو الثورة التكنولوجية، لتكون الأساس التقييمي الذي يعتمد عليه سوق العمل العالمي، لم تعد الشهادة الأكاديمية تفي بالغرض دون تدعيمها بمجموعة من الخبرات المعرفية المتراكمة.
وهذا ما يُمكن إدراجه تحت عنوان “اقتصاد المهارات” ، الذي يُلزم الجهات التعليمية والشباب السوري بمواكبته عبر تكريس مبادئ التعلم المستمر وإعادة التأهيل المهني بما يتماشى مع الخطى التكنولوجية العالمية والتوجه نحو اقتصاد المعارف، بما يلبي الاحتياجات الملحّة التي تتعلق بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، حيث ستتركز متطلبات السوق القادم وفقاً للتقارير الدولية على الخبرات الهندسية إلى جانب الإشراف البيئي فضلاً عن السعي نحو تمكين قدرات التكيف التكنولوجي.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
اقتصاد المهارات
لم يعد الاهتمام المحوري في سوق العمل العالمي اليوم ينصب على ما تملكه من شهادات فقط، بل تعدى ذلك ليكون السؤال الجوهري: ما الذي تستطيع إنجازه فعلياً وما هي مهاراتك وخبراتك العملية؟ ومن هنا برز مفهوم اقتصاد المهارات كنقطة تحول جذرية في سياسات التوظيف والإنتاج، لتغدو المهارات الفردية والخبرات العملية إضافة إلى القدرة على التعلم المستمر، والتكيّف مع التطور التكنولوجي، أساس التقييم الحقيقي للقوى العاملة، متقدّماً على المؤهلات الأكاديمية التقليدية.
وينطلق تعريف اقتصاد المهارات وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي من كونه نموذج عمل يقوم على إعادة هيكلة العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وذلك من خلال التركيز على ما يمتلكه الفرد من كفاءات وخبرات عملية قابلة للتطبيق مع إمكانية تطويرها عبر التدريب المهني الواجب توافره ضمن مختلف الشركات، بما يسهم في سد الفجوة المتنامية بين مخرجات التعليم والمتطلبات الأساسية لسوق العمل الحديث.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير حديثة إلى معاناة الشركات اليوم من فجوة المهارات، ليغدو النقص في الكفاءات العملية أكبر المخاطر التشغيلية المهددة للخطط التنموية والتجارية، الأمر الذي يجعل المؤسسات المعتمدة على جوهر المهارات الفردية والعمل على تطويرها أكثر قدرة على الإبداع والابتكار إلى جانب مواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة، بالتالي تتمكن من تحقيق أهدافها الاستراتيجية بسرعة أكبر من غيرها، كما يضعها في مصاف التميز والريادة.
علاوة على ذلك، يمكّن النهج القائم على الكفاءات والمهارات العملية من تحقيق التميز والإبداع عبر تكريس التفكير خارج الصندوق بالاعتماد على قدرات الأفراد الذين تم توظيفهم وفقاً لمهاراتهم وما يمكن أن يحققوه فعلياً وليس استناداً لمؤهلاتهم النظرية السابقة فقط، ما يعكس التحول الفعلي نحو تحقيق المرونة الإدارية للقوى العاملة.
وبالعودة إلى سياقنا المحلي، يكتسب هذا المفهوم أهمية مضاعفة، نظراً للحاجة الملحّة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، التي تتطلب قوة مزدوجة تجمع بين العدد الكافي من الأيدي العاملة والمهارات المهنية والتقنية القادرة على زيادة الإنتاجية الفعالة وتحريك عجلة التعافي، ليتحول بذلك اقتصاد المهارات إلى الأساس العملي الذي يربط التعليم والتدريب بمتطلبات العمل الفعلية.
الفجوة بين التعليم وسوق العمل
أكدت منظمة العمل الدولية (ILO) عبر دراستها “التقييم السريع لفجوة المهارات في القطاعات الصناعية المختارة في سوريا” الممتدة من 1 نيسان إلى 10 تموز عام 2025، حدوث فجوة هيكلية عميقة بين مخرجات التعليم والمتطلبات الحقيقية لسوق العمل الصناعي في البلاد.
وإلى ذلك، تُظهر الدراسة الفارق الكبير بين مؤهلات الخريجين، وعلى وجه الخصوص خريجي الجامعات والمؤسسات التعليمية والتدريبية المهنية (TVET) من جهة، والاحتياجات التقنية الفعلية والدقيقة للصناعات من جهة أخرى.
ويتمثل عمق الفجوة بتفضيل نسبة 33% من أصحاب العمل المشمولين بالمسح، التركيز على الكفاءات والمهارات التقنية المتعلقة بقطاعاتهم، معتبرين أنها أكثر الجوانب أهمية والأولى بالتحسين في عصرنا الحالي.
كما أشارت نتائج الدراسة إلى معاناة معظم العاملين من نقص الخبرات والمهارات العملية نتيجة للتحصيل العلمي القائم على الدراسات النظرية إضافة إلى البرامج التدريبية البعيدة عن التطبيق العملي.
ويتمثل أبرز أسباب صعوبات التوظيف التي يواجهها أصحاب العمل وفقاً للتقرير، بنقص المهارات التقنية التي سجلت نسبة 16% من الإجابات، تليها الخبرات العملية والتي سجلت معدل إجابات يصل إلى 15%.
علاوة على ذلك، أكدت نتائج المسح اعتماد القطاع الصناعي بشكل أكبر على القوى العاملة ذات التحصيل العلمي العام، حيث تبلغ نسبة المعينين حديثاً من الخريجين الجامعيين حوالي 21%، و22% من حملة شهادة التعليم الثانوي، مقارنة بالدور المحدود للتدريب المهني، وهنا تبرز أهمية التركيز على ضرورة صقل إمكانيات مؤسسات TVET السورية، عبر تطوير مناهجها وتجهيزها بما يلزم للنهوض بالواقع التدريبي وتحويلها إلى نقطة الانطلاق لسد فجوة المهارات.
فيما خلصت الدراسة إلى تفاقم واتساع الفجوة القائمة، نتيجة لتراجع الربط بين جهات العمل والمؤسسات التعليمية والتدريبية، حيث تبيّن أن غالبية الشركات المشمولة بالاستطلاع لا تتيح فرص التدريب المهني، مما يؤدي إلى مواجهة الشباب لتحدٍّ مضاعف يتمثل بعدم قدرتهم على اكتساب المهارات التوظيفية اللازمة.
الوضع الاقتصادي السوري والبطالة
يؤكد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة وصول نسبة البطالة في سوريا إلى 24% خلال عام 2024 فقط، ما يعكس حجم التحديات الوجودية المتصاعدة للسوريين ضمن سوق العمل، الذي يقبع تحت وطأة التدهور الاقتصادي الكارثي، وانعدام الفرص التشغيلية المنظمة.
كما تعكس قلة الوظائف الرسمية اتجاه الشباب السوري نحو الاقتصاد الموازي، حيث أكد حوالي 73% من المشمولين باستطلاع الرأي أن أبرز العوائق التي تقف في طريق عودتهم إلى سوريا، البطالة التي تشكل أكثر هواجس اللاجئين الذين يفكرون بالعودة للوطن، فيما تُعتبر فرص العمل ثاني أبرز الهواجس المقلقة بعد الخدمات الرئيسية.
علاوة على ذلك، تتعدد الأسباب التي تعيق دخول الأفراد إلى سوق العمل، فمن الوضع الاقتصادي المتدهور إلى البنية التحتية المتهالكة نتيجة للحرب والنزاع الطويل، مروراً بتدهور الإنتاج المحلي، وتراجع دور القطاع الخاص، وصولاً للعقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد وما أنتجتها من تآكل للفرص العملية، وغيرها الكثير من العوامل التي أنتجتها ظروف البلاد القاسية، وأثرت سلباً على سوق العمل ما أدى إلى تراجع حجم الطلب على العمالة، وبالتالي إلى بطالة أكثر ومنافسة أكبر على الفتات الذي تبقّى من الفرص.
بينما فرض هذا الوضع المتردي صعوبة بالغة في الوصول إلى أساسيات وسبل العيش، ففي الوقت الذي سجل فيه مؤشر الوصول في مدينة دمشق 2.1 (صعب)، أشار مسح للمجلس النرويجي إلى تدني نسبة الحاصلين على فرص عمل مؤقتة من العائدين حيث بلغت 31% فقط، مما أدى إلى انخراط العديد بوظائف غير منظمة ومتدنية الأجر.
ختاماً، يتضح أن اقتصاد المهارات بات لغة العصر التي تتسابق الدول لإتقانها، حيث تعدى كونه مجرد خيار ليصبح ضرورة وجودية تفرضها الثورة التكنولوجية والاقتصاد القائم على المعارف، فهل تستطيع سوريا مواكبة تلك المتغيرات أم أنها ستبقى فريسة للفجوة الهيكلية المهددة لواقع الشباب وإمكانيات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي؟
اقرأ أيضاً: الشباب السوري على مفترق من التيه: بين ضياع الأمس وحُلم اليوم









