فجوة الدخل تتزايد.. هل يستطيع محدودو الدخل في سوريا تحمل تكاليف البقاء!

بقلم: ريم ريّا
في بلدٍ وقع تحت وطأة صراعٍ لم يرحم أحد واستمر لعقدٍ من الزمن. باتت قضية محدودي الدخل في سوريا من أكثر الملفات إلحاحاً ووجعاً على الساحة المحلية. مع تدهور الليرة السورية وتآكل القدرة الشرائية للعملية المحلية أمام موجات التضخم الجامحة، وجد ملايين السوريين من ذوي الدخل المحدود أنفسهم في سباقٍ يومي محموم لتأمين أبسط مقومات الحياة. في هذا المقال سنسلط الضوء على أوضاعهم، ونحاول تقديم حلول منطقية تساعدهم على المضي قدماً في حياتهم.
حال طبقة محدودي الدخل في سوريا
لطالما كانت طبقة محدودي الدخل في هذه البلاد في مهب الريح، حتى قبل عام 2011 وبالرغم من أن الأوضاع الاقتصادية كانت أفضل من الوقت الحالي، لكن ليس بشكل كبير، فقد واجه محدودو الدخل قبل الحراك الشعبي العديد من الصعوبات أولها تدني الرواتب. وكنّا في مقالات سابقة قد كشفنا عن حالها بالأرقام والدلائل.
الوضع الاقتصادي في سوريا في عام 2011 كان يعاني من اختلالات هيكلية جوهرية، والذين يعتاشون من الأجور والرواتب يمثلون نحو 90% من المجتمع، في حين يمثل الذين يحصلون على الأرباح والريوع نحو 10% من المجتمع فقط.
قبل السقوط بأشهر معدودة أصدرت هيئة التخطيط والتعاون الدولي التابعة لرئاسة مجلس الوزراء في سورية “الاستعراض الوطني الطوعي الثاني عن أهداف التنمية المستدامة 2024” والذي أفصح عن بعض الأرقام التي لم يكن قد جرى تحديثها منذ زمن بعيد. الرقم الذي أعلنته الهيئة في استعراضها حول حصة العمل من الناتج المحلي الإجمالي، أي حصة أصحاب الأجور من الناتج، والتي أكدت أنها لم تتجاوز 9.2%. ما يعني أن حصة أصحاب الأرباح تصل إلى 90.8%.
بالعودة إلى تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023، والبالغة نحو 6.2 مليار دولار، فإن حصة أصحاب الأجور الذين يشكلون الأكثرية الساحقة من المجتمع السوري لا تتجاوز 570 مليون دولار، بينما تتجاوز حصة أصحاب الأرباح 5.6 مليار دولار!
أما في الوقت الحالي وبعد ما يقارب العام على ما أصدرته هيئة التخطيط والتعاون الدولي، حال طبقة محدودي الدخل في سوريا يُوصف بالصعب للغاية، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر وفق تقارير أممية، بينما تتجاوز تكاليف المعيشة الأساسية بكثير متوسط الأجور. تعاني هذه الطبقة من انخفاض القوة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وعدم قدرة الدخول على تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء، والنتيجة هي انهيار الطبقة الوسطى وانتشار الفقر المدقع.
في السياق ذاته، هناك عدة دراسات وتقديرات من جهات مختلفة لمتوسط الحاجة لإنفاق الأسرة في سوريا والتي تراوحت تقديراتها بين 9 حتى 12 مليون ليرة شهرياً، فبالمقارنة مع متوسط تقديري لدخل الأسرة والبالغ قرابة 3.5 ملايين ليرة، نجد عجز الدخل المتاح عن تأمين ما لا يقل عن 60 % وسطياً من سلة الحاجات الأساسية.
وإن تقدير نسبة الإنفاق على الغذاء لا تقل عن 40 % من الحاجة للإنفاق، وهذا معدل كبير ويتجاوز المؤشرات العالمية والتي تفترض ألا يتجاوز الإنفاق على الغذاء معدل 25% من الإنفاق الإجمالي على سلة الحاجات الأساسية، وكذلك يمكننا تقدير أن الدخل الشهري الوسطي المقدر للأسرة السورية يعجز عن تأمين كامل الاحتياجات الغذائية بالشكل المرضي.
اقرأ أيضاً: التحول الطبقي في سوريا: كيف غير الغلاء مفهوم الرفاهية؟
كيف يصارع محدودو الدخل الحياة اليوم
كل يوم يستفيق المنتمون إلى هذه الطبقة على واقعٍ أشد قسوة، بشكل يومي أصحاب الدخل المحدود مهددون بفقد لقمة عيشهم “كسرة الخبز”، فقد حددت وزارة الاقتصاد سعر ربطة الخبز التجاري بـ 5500 ليرة من كوات المخابز و6000 ليرة لدى المعتمدين، في قرار لا يشمل الأفران التموينية الحكومية.
وبرر مسؤولو الوزارة هذه الخطوة، عند الاحتجاج عليها بمطالب أصحاب المخابز التجارية الذين اشتكوا من ارتفاع تكاليف الإنتاج، مشيرين إلى أن الخبز التمويني ما زال مدعوماً. لكن واقع الحال، أن أي زيادة في الأسعار هي تهديد للمواطن بشكل عام تحديداً أصحاب الدخل المحدود.
وفي تصريح أخير أكد مدير المؤسسة السورية للمخابز محمد الصيادي، أن هناك دراسة لتعديل سعر ربطة الخبز أو تقليص وزنها، ضمن خطة “لتحرير السعر جزئياً” بالتوازي مع إجراءات لتحسين دخل المواطن، وأوضح أن كلفة ربطة الخبز تصل إلى نحو 8500 ليرة، بينما كانت تباع سابقاً بـ4000 ليرة فقط، أي أن الحكومة كانت تدعم أكثر من نصف كلفتها.
لكن مع كل تعديل جديد، تتراجع القدرة الشرائية للمواطن السوري بشكل متسارع. فالزيادات الأخيرة على الخبز وحده تعني عبئاً إضافياً يتجاوز 30% على الأسر ذات الدخل المحدود. فالعائلة المؤلفة من خمسة أشخاص تحتاج إلى ربطتين من الخبز يومياً على الأقل، أي زيادة تقارب 4000 ليرة يومياً، ما يضعها أمام خيارين: إما تقليص استهلاك الخبز، أو اقتطاع المبلغ من بنود إنفاق أخرى كالتدفئة أو الغذاء.
كذلك القرار الصادر في 26 تشرين الأول 2025، أصبح سعر ليتر البنزين من نوع (90 أوكتان) 12980 ليرة سورية (نحو 1.1 دولار)، والمازوت 11210 ليرات، فيما بلغ سعر البنزين (95 أوكتان) 14520 ليرة، أما أسطوانة الغاز المنزلي فحددت بـ 140 ألف ليرة، والصناعي بـ 223 ألفاً. ما يعني أن الشتاء سيكون أشد قسوة على أصحاب الدخل المحدود الضائعين والمتسابقين لتأمين أولوياتهم.
أما عن شراء الملابس، فقد تراجعت القدرة الشرائية لهذه الطبقة من زمن بعيد، وباتت تلجأ إلى الألبسة المستعملة. حالياً يبلغ سعر الكنزة الشتوية في الأسواق بين 200 و250 ألف ليرة سورية، في حين وصل سعر بنطال الجينز النسائي إلى نحو 200 ألف ليرة، مع وجود أنواع مستوردة تجاوز سعرها 300 ألف ليرة.
كما أن الألبسة الرجالية لم تختلف كثيراً من حيث الغلاء، إذ بلغ سعر الطقم الجوخ في محلات الوكالات 850 ألف ليرة، في حين تراوح في الأسواق العادية بين 350 و400 ألف ليرة، وسعر القميص 180 ألفاً والبنطال 250 ألفاً. أما أسواق “البالة” فتشهد إقبالاً متزايداً، حيث تتراوح أسعار القطع بين 40 و100 ألف ليرة حسب النوع، ولا رقابة عليها أو على مصدرها وقدر نظافتها.
ومع الارتفاع الأخير لأسعار الكهرباء، زاد العبء على المواطنين، بالرغم من تأكيد وزير المالية السوري في وقت سابق، محمد يسر برنية، أن الحكومة ستأخذ بعين الاعتبار أوضاع محدودي الدخل والفقراء خلال التعديل المرتقب في أسعار الكهرباء.
إن تدني الأجور لا يواكب معدلات التضخم، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليص إنفاقها على الكساء الشتوي أو تأجيله. واستمرار الحال على هذا المنوال من ارتفاع للأسعار ومحدودية للدخل يعني اندثار إمكانية أصحاب تلك الطبقة حتى على إكمال يومهم.
توصيات بناءً على ما تم عرضه
الظروف صعبة بلا أي شك، لكن الوعي مطلوب لإكمال الحياة وذلك يقوم على زيادة العقلانية في الصرف. ففي المدى المنظور لا خيار آخر. فيجب إعادة ترتيب الأولويات المعيشية، فمن المهم الاقتصار على الحاجات الأساسية كالغذاء والدواء، إلى جانب التعاون الأسري والانتباه لاستهلاك الغاز والكهرباء، وتخفيف الضغط المالي عن الأسر من خلال تبادل الملابس المستعملة أو المواد الغذائية.
لتجنب ارتفاع أسعار الغذاء، يمكن زراعة الخضروات على أسطح المنازل أو في حدائق صغيرة أو حتى على شرفات المنازل، فهذه خطة فعالة لتقليص نفقات الغذاء خلال العام. ومع ارتفاع الكهرباء يجب استخدام الإنارة الموفرة للطاقة، إلى جانب إطفاء الأجهزة عند عدم الحاجة، فضلاً عن تنظيم ساعات تشغيل الأدوات الكهربائية كثيرة الصرف، هذه الإجراءات البسيطة يمكن لها أن تقلل من فواتير الكهرباء والوقود.
وسط تراجع فرص العمل الثابتة، يمكن للعديد من الأفراد استثمار مهاراتهم في أعمال منزلية كالحياكة، إصلاح الأجهزة، إعداد المأكولات المنزلية وبيعها، أو تقديم الدروس الخصوصية بأسعار مقبولة. فلا يستهين أحد بالمشاريع الصغيرة، وإن كانت متواضعة، فهي تساهم في خلق مورد إضافي يعين الأسرة وينوع دخلها.









