المجتمع السوري

فاتورة بدون عداد.. كيف تحولت الكهرباء إلى عبء على الأسر السورية؟

بقلم هلا يوسف

لم يكن حديث كثير من العائلات السورية في الآونة الأخيرة عن فاتورة كهرباء لم يتوقعوها، بل عن دفع فاتورة لم يستهلكوها. فبعد أن تم رفع أسعار الكهرباء، جاءهم قرار جديد جعل القلق أكبر، خاصة لدى الأسر التي لا تمتلك عدادات كهرباء رغم أنها مسجلة رسمياً لدى مؤسسة الكهرباء.

القصة بدأت عندما أعلنت مؤسسة الكهرباء في ريف دمشق عن آلية جديدة لتقدير استهلاك الكهرباء للأسر التي لم تركب لها عدادات أحادية الطور بعد، بسبب النقص الكبير في العدادات. ومع تطبيق التعرفة الجديدة نهاية عام 2025، تقرر احتساب استهلاك ثابت قدره 400 كيلو واط ساعي لكل دورة فوترية مدتها شهران، على أن تُحسب الفاتورة وفق شرائح محددة: 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة للكيلو، و100 كيلو واط بسعر 1400 ليرة، بينما يُحاسَب المعفيون من التقنين بسعر موحد يبلغ 1700 ليرة للكيلو واط.

هذا القرار لا يشمل كل المواطنين، بل يطال فئة محددة، وهم المشتركون الجدد، والعائلات التي فقدت عداداتها، ومنهم كثيرون عادوا إلى منازلهم في مناطق كانت خالية أو متضررة من الحرب، وقدموا طلبات رسمية لتركيب عدادات جديدة، لكن شركات الكهرباء لم تستطع تلبية هذه الطلبات بسبب عدم توفر العدادات. أي أن المتضررين هم في الأساس أشخاص التزموا بالقانون وانتظروا دورهم.

عند سماع الخبر، بدأت الأسئلة تظهر. كيف يمكن احتساب استهلاك ثابت على منازل غير مسكونة؟ ماذا عن البيوت التي يزورها أصحابها أياماً قليلة فقط؟ وماذا عن العائلات التي اعتمدت على الطاقة الشمسية ولم تعد تستخدم كهرباء الدولة إلا نادراً؟ كل هذه الحالات المختلفة وُضعت تحت رقم واحد، وكأن الجميع يعيش الظروف نفسها ويستهلك الكمية نفسها من الكهرباء.

في أحد الأحياء، يقول أحد المواطنين إن بيته شبه فارغ، لا يوجد فيه سوى لمبة وبعض الأجهزة البسيطة، ويستغرب كيف سيطُلب منه دفع فاتورة عن كهرباء لم يستخدمها. في الريف، هناك من يزور منزله أياماً معدودة في الشهر، ومع ذلك سيحاسب على استهلاك شهرين كاملين. وفي أماكن أخرى، أنفق الناس أموالهم على ألواح الطاقة الشمسية لتخفيف العبء عن الشبكة، ليجدوا أنفسهم مطالبين بدفع فاتورة تقديرية لا تعكس واقعهم.

الأكثر إيلاماً بالنسبة لكثيرين أن القرار لم يشمل من يستجر الكهرباء بطرق غير قانونية، أو من لم يسجل نفسه أصلاً لدى مؤسسة الكهرباء. هؤلاء بقوا خارج الحسابات، بينما تحمل العبء من أعلن عن نفسه وقدّم طلباً رسمياً. هكذا شعر كثيرون أن الالتزام لم يكن في صالحهم، وأن من تهرب هو الأقل تضرراً.

القرار، في جوهره، يعترف بعجز المؤسسة عن تأمين العدادات، لكنه بدل أن يضع خطة واضحة لمعالجة هذا النقص، نقل نتائجه مباشرة إلى المواطنين. فالعجز الفني تحول إلى فاتورة، وغياب العداد أصبح سبباً للدفع المسبق. ومع عدم وجود موعد واضح لتأمين العدادات وتركيبها، بقي وصف الوضع المؤقت غامضاً، ما زاد من القلق والخوف من أن يصبح هذا الإجراء أمراً دائماً.

كان كثيرون يتوقعون مساراً مختلفاً مثل وضع خطة معلنة لتركيب العدادات، أو تسوية شاملة للأوضاع في المناطق التي عاد إليها السكان، ومحاسبة حقيقية لمن يستجر الكهرباء بشكل غير مشروع. لكن ما حدث هو العكس، إذ جرى التعامل مع الفئة الأسهل، وترك جوهر المشكلة دون حل.

في النهاية، لا يرى المتضررون في هذا القرار تنظيماً بقدر ما يرونه تحميلاً لأعباء الفشل التقني لمواطنين لا قدرة لهم عليها. فبدل أن يدفع المواطن ثمن ما استهلكه فعلياً، أصبح مطالباً بدفع رقم ثابت لم يستهلكه. وهكذا، تحولت مشكلة نقص العدادات من أزمة إدارية إلى قصة يومية يعيشها الناس مع كل فاتورة، وتزيد من شعورهم بأن العدالة ما زالت غائبة عن تفاصيل حياتهم البسيطة.

اقرأ أيضاً: النموذج الإدلبي الناجح في الكهرباء: تجربة خاصة لا يمكن تعميمها على المحافظات!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى