المجتمع السوري

فاتورة اليوم وشبكة الغد.. هل تكرر سوريا خطأ بريطانيا مع الكهرباء؟ ومن يدفع الثمن؟

بقلم: ديانا الصالح

مع بدايات شهر تشرين الثاني 2025، دخلت تعرفة جديدة لأسعار الكهرباء حيز التنفيذ في سوريا، 600 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي للشريحة الأولى حتى 300 كيلو واط ساعي، و1400 ليرة لما يزيد على ذلك، بعدما كانت الأسعار القديمة رمزية بالمقارنة مع الجديدة.

قرار وزارة الطاقة قسّم تعرفة الاستخدام المنزلي إلى شريحتين، بواقع 600 ليرة سورية للشريحة من 1 إلى 300 كيلوواط ساعي، و1400 ليرة لما يزيد على ذلك، ووصف وزير الطاقة محمد البشير الخطوة بأنها “مدخل لتحسين كفاءة القطاع وتعزيز استدامته”، لكن بعد صدور أولى الفواتير بالتعرفة الجديدة، بدأت ردود الأفعال بالظهور منتقدة الغلاء والأسعار الجديدة، خاصة أن المبالغ المستحقة للدفع تعتبر باهظة مقارنة بالدخل المحدود والمسرحين من أعمالهم.

لكن في الأسابيع التي سبقت هذا القرار، كانت وزارة الطاقة قد وقّعت اتفاقاً وصفه الوزير بأنه “لحظة تاريخية”، وهو مذكرة تفاهم بقيمة سبعة مليارات دولار مع تحالف دولي بقيادة أورباكون القطرية، لتوليد خمسة آلاف ميغاواط عبر 4 محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية، تعمل بالدورة المركبة (CCGT) في مناطق دير الزور ومحردة وزيزون بريف حماة، وتريفاوي بريف حمص، بالإضافة إلى محطة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في وديان الربيع.

لم يمضِ الكثير من الوقت حتى وُضِع حجر الأساس لأول هذه المحطات في حقل التيم بدير الزور، بحضور وزير الطاقة والمدير العام لشركة أورباكون القابضة رجل الأعمال رامز الخياط.

الحدثان يبدوان مختلفين للوهلة الأولى، لكن هناك رابط مشترك يجمعهما، فبين الاستثمارات التي تصل إلى مليارات الدولارات من جهة، والفاتورة التي تثقل كاهل المواطن من جهة أخرى، يقف سؤال واحد لم يُجب عنه أحد بعد بوضوح: هل ضخ الأموال والاستثمارات في توليد الكهرباء، يعني أن الشبكة التي تنقل هذه الكهرباء إلى البيوت ستُصلح أيضاً؟ أم أن المواطن هو من يدفع اليوم ثمن شبكة لم يُحسم من سيتحمل كلفة ترميمها بعد؟ وماذا تقول التجارب الدولية وتحديداً تجربة بريطانيا حول هذا الموضوع؟

مستقبل الكهرباء في سوريا لم يُحسم بعد!

عقود التوليد الكبرى التي وُقِّعت مع تحالف من الشركات الدولية، أبرزها شركة أورباكون القابضة القطرية من خلال شركتها يو سي سي UCC القطرية، وشركة بور انترناشونال الأميركية، وشركة جاليون إنيرجي التركية وشركة جنكز إنيرجي التركيتين، وقعت فعلاً، لكن ما لم يُوقع هو عقود الشبكة، وهذا الفارق بالذات يحدد مستقبل الكهرباء في سوريا.

بريطانيا مرّت بالتجربة ذاتها قبل عقود، ففي عام 1990، فككت حكومة مارغريت تاتشر الهيئة المركزية لتوليد الكهرباء في بريطانيا، وتم فصلها إلى 4 حلقات منفصلة، بينما كانت تعمل كمنظومة واحدة وهي التوليد والنقل والتوزيع والبيع، وبهذا تحول التوليد إلى شركات متنافسة، فيما أصبحت الشبكة كياناً مستقلاً، لتتولى شركات خارجية أمور البيع للمنازل.

لم تسر الأمور وفق المتوقع، فشركات التوليد والتوزيع كانت تحصل على أرباحها بسرعة، من خلال بيع كل وحدة كهرباء، أما الشبكة فكانت بحاجة إلى المليارات لتُستثمر اليوم وتأتي أرباحها بعد سنوات، وهذا النوع من الاستثمارات لا يجذب الشركات التي تقيس نجاحها بالأرباح الشهرية.

النتيجة كانت بقاء الشبكة المتهالكة كما هي لعقود، حتى أصبحت بحاجة إلى 89 مليار جنيه استرليني لتحديثها، والمثير للانتباه أن شركات الطاقة كانت قد وزعت خلال الفترة نفسها أرباحاً وصلت إلى 70.7 مليار جنيه استرليني على المساهمين.

فيما انهار الإنفاق الحكومي على أبحاث الطاقة بنسبة 95% مع أوائل الألفية، بعد أن كان يقارب 700 مليون جنيه سنوياً، عندما تم تفكيك الهيئة المركزية لتوليد الكهرباء وبيعها، بالتالي انخفض الإنفاق على البحث والتطوير التقني في شبكة الكهرباء البريطانية من 2 ٪ قبل الإصلاح إلى 0.1 ٪ فقط، لذلك وجد المواطنون البريطانيون أنفسهم يدفعون ثمناً باهظاً لرسوم الشبكة، والذي ارتفع من 136 جنيه إلى 250 جنيه خلال 7 سنوات فقط.

المشكلة بالأساس كانت بطبيعة العقود، التي فصلت بين الاستثمارات سريعة تحصيل الأرباح وبين من يمكنه أن يتحمل استثمارات طويلة الأجل لتحقيق الأرباح، وهي الشبكة دون وجود بنود تُلزم الطرف الأول لتمويل الثاني وتبقيه مهيئاً.

الانهيار سبق القرار في سوريا

في الحالة السورية، فإن سوريا لم تُفكك قطاع الطاقة، وذلك لأن الشبكة القائمة بالفعل كانت متهالكة بسبب الحرب، فقبل اندلاعها عام 2011، كانت الشبكة الكهربائية تغطي 99% من الأراضي السورية، وتمكنت من توليد ما يقدَر بنحو 9000 ميغاواط عبر 13 محطة.

معدل الإنتاج السنوي من الكهرباء في سوريا كان قبل 2011 يقدر بقرابة 9000 ميغاواط، وبالإضافة إلى الاستهلاك المحلي فإن الحكومة السورية كانت تُصدّر الكهرباء إلى كل من لبنان والأردن، وكانت الكهرباء تُنتج بطرق متعددة إما بواسطة الغاز أو الفيول، وإما بالاعتماد على الموارد المائية التي كانت تولد 8% من الإنتاج الكلي في عموم البلاد.

أما اليوم ووفقاً لتصريحات مدير مؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء خالد أبو دي، فقد تراجع إنتاج الكهرباء في سوريا من نحو 8 آلاف ميغاواط قبل 2011 إلى نحو 2000 ميغاواط فقط، مع فاقد يصل إلى نحو 45% نتيجة تهالك البنية التحتية.

أما العجز الحالي بين الطلب والتوليد فيصل إلى نحو 4500 ميغاواط، حيث يُقدَّر الطلب بنحو 6500 ميغاواط مقابل إنتاج لا يتجاوز 2000 ميغاواط.

الفصل هنا بين التوليد والشبكة لم ينشأ من قرار حكومي بإعادة هيكلة قطاع كامل، كما في الحالة البريطانية، فهو أمر فرضته الحرب، فالتوليد يمكن بناؤه من مرحلة الصفر بعقود جديدة، فيما تحتاج الشبكات إلى ترميم، وهو يعني أن المسؤولية تقع على الجانب الحكومي كونه لم يكن جزءاً من الاتفاقية الموقعة.

من يدفع أولاً؟

الفارق اللافت بين التجربتين يكمن في توقيت الدفع، فيما تُعتبر الفجوة التمويلية للشبكة عامل مشترك، ففي بريطانيا تراكمت تكاليف الإهمال لعقود قبل أن تظهر في الفواتير، أما في سوريا فرُفِعتِ الفواتير المنزلية لأضعاف، وقُدِّمت هذه الزيادة كجزء من “مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة”.

التصريحات الرسمية كشفت أن تعديل التعرفة هو خطوةٌ لمواجهة الخسائر الكبيرة، التي يتحملها القطاع سنوياً، أي أن المواطن السوري مُطالَب عملياً بدفع جزء من كلفة الشبكة سلفاً من خلال فواتير مرتفعة الآن، قبل أن تُحسم صيغة العقود التي ستموّل ترميم الشبكة فعلياً.

قد يكون هذا الأمر أكثر أماناً من تأجيل الدفعات وتراكمها لعقود، لكن تطبيقه في بلد يعيش فيه غالبية السكان تحت خط الفقر، فوفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وواحد من كل أربعة عاطل عن العمل.

بالتالي فإن غياب التوازن بين الجباية والتنفيذ، تعني أن المواطن السوري سيدفع الثمن مرتين، الأولى مع رفع التعرفة غير المنطقية لمواطنين هم بالأساس فقراء، والمرة الثانية في حال تكرر السيناريو البريطاني وتُركت الشبكة دون تمويل كافٍ، وذلك لأن العقود الكبرى للشركات لم تُلزم بها بالأساس.

وبناء على ذلك فإن مستقبل الكهرباء في سوريا اليوم يقف عند نقطة الحاضر والانتباه له، لتفادي الخطأ بدلاً من تكراره، فعقود التمويل الكبيرة ما تزال في بداياتها، فيما لم تُوقع عقود الشبكة بعد، وقد يكون هذا هو الوقت المناسب لطرح السؤال قبل أن يفوت الأوان: من سيتحمل كلفة الشبكة بشكل عقود موثقة ومُلزمة، وكيف سيعرف المواطنين أن الأموال التي يدفعونها اليوم تذهب فعلاً إلى ترميمها؟

اقرأ أيضاً: حماة تغرق بالظلام.. سرقة أكبال الكهرباء لا تتوقف لماذا تتكرر وما الحلول المطروحة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى