أعمال واستثمار

فائض الإيرادات.. فرصة ذهبية لبناء سوريا الجديدة أم استمرار للمسار الخاطئ؟

بقلم: علي مصلح

كشف وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، مؤخراً عن أن حجم الموارد في خزينة الدولة يفوق حجم الإنفاق، مشيراً إلى أن السبب في ذلك يعود إلى مكافحة الفساد وارتفاع إيرادات الضرائب الجمركية بشكل كبير. إلا أن هذه التصريحات أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري وهو ما تحدثنا عنه في مقال سابق لنا، أما اليوم فسوف نناقش: ماذا يدل وجود هذا الفائض في خزينة الدولة؟ وكيف يمكن استثماره بالشكل الأمثل، مستخدمين أمثلة مقارنة.

الوضع الراهن وقراءة ما وراء الأرقام

في خضم المتغيرات الاقتصادية العالمية، غالباً ما يُنظر إلى إعلان أي دولة عن تحقيق فائض في ميزانيتها العامة، أي أن إيراداتها تجاوزت نفقاتها، باعتباره مؤشراً على نجاح سياساتها المالية. وخير مثال على ذلك: شهدت المملكة العربية السعودية فترات من الفوائض المالية اللافتة، في عام 2022 وأوائل 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار النفط وزيادة الإيرادات غير النفطية. وهذا ما لم نشهده في سوريا، حيث لا يزال مصدر الفائض الذي تحدث عنه وزير المالية مبهماً في ظل غياب أي مشاريع استثمارية جديدة في ظل الاقتصاد السوري المتهالك، فهل فعلاً هذا الفائض حقيقي أم هو نتاج عدم الإنفاق على مشاريع استراتيجية تضمن استدامة النمو الاقتصادي في البلاد؟

وبالتالي فإن الفهم العميق لوجود فائض في خزينة الدولة يقتضي تجاوز النظرة السطحية، فهو ليس بالضرورة دليلاً على رخاء اقتصادي شامل، بل هو نتاج معادلة معقدة تتأثر بعوامل متقلبة. وعلى الرغم من ذلك، فإن مجرد وجود فائض في الخزينة فإن ذلك يفتح باباً للنمو، ولكنه يضع على عاتق صنّاع السياسات مسؤولية كبرى في كيفية توجيهه من مجرد رقم إيجابي في الحسابات إلى محرك حقيقي للتنمية المستدامة، وهذا ما شهدته السعودية عندما عملت على رؤية 2030 من خلال إنشاء ودعم مجموعة كبيرة من المشاريع الاستثمارية المتنوعة التي تضمن نمو مستدام في الاقتصاد لديها.

تحليل الفائض: الأسباب والتداعيات

ينبع الفائض في الخزينة عادةً من عدة مصادر متداخلة. في حالة السعودية، كان المحرك الأبرز هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالمياً، والذي يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية. إلى جانب ذلك، لعبت الإصلاحات الاقتصادية ضمن رؤية 2030 دوراً حيوياً في تنمية الإيرادات غير النفطية، عبر تطبيق ضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة وتوسيع القاعدة الضريبية. ومن جهة أخرى، قد يكون الفائض نتيجة لترشيد الإنفاق الحكومي أو تأجيل بعض المشاريع الرأسمالية الكبرى، فأي من هذه الأسباب ينطبق على الحالة في سوريا؟

الأهم حالياً، هو كيفية قراءة هذا الفائض، فإذا كان ناتجاً عن نمو اقتصادي حقيقي من خلال ما وصفه وزير المالية على أنه ارتفاع في الإيرادات الجمركية وبالتالي هناك نشاط في حركة البضائع الصادرة والواردة إلى البلاد، فإنه يتيح للدولة تعزيز احتياطاتها المالية، وخفض الدين العام، وتمويل مشاريع استراتيجية.

أما إذا كان على حساب تجميد الإنفاق على خدمات أساسية كالصحة والتعليم أو تأخير مشاريع بنية تحتية حيوية، فقد تكون له آثار سلبية على المدى الطويل على جودة حياة المواطنين وعلى وتيرة النمو الاقتصادي.

المشاريع الاستثمارية والإنتاجية: التوجه الأمثل

إن التحدي الأكبر بعد تحقيق الفائض يكمن في كيفية استغلاله بفاعلية. فبدلاً من توجيهه نحو الإنفاق الاستهلاكي قصير الأجل، وهو الحالة التي أشار إليها وزير المالية السوري عندما تحدث عن أن الفائض لدى الخزينة سوف ينعكس على سلسلة الرواتب والأجور، يجمع الخبراء على أن الوجهة الأمثل هي المشاريع الاستثمارية والإنتاجية التي تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتضمن استدامة النمو، وهو ما أشار إليه الأكاديمي والمستشار المالي والإداري د. عمر محمد، خلال تصريحات إعلامية.

حيث أن هذا التوجه لا يعزز فقط من صلابة الاقتصاد في وجه التقلبات المستقبلية، بل يساهم في خلق فرص عمل حقيقية. وذلك من خلال تطوير البنية التحتية، مثل تطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وإنشاء محطات طاقة متجددة، وتحديث الموانئ والمطارات لتعزيز مكانة الدولة كمركز تجاري عالمي. بالإضافة إلى دعم المصانع القائمة عبر توفير حوافز لتوسيع إنتاجها وتبني تقنيات حديثة، بالإضافة إلى إنشاء مناطق صناعية جديدة تجذب الاستثمارات الأجنبية، وهذا ما قد بدأنا نرى بوادره مما يجري في مدينة حسياء الصناعية في حمص.

بالإضافة إلى ذلك يمكن الاستثمار في تقنيات الري الحديثة لمواجهة تحديات ندرة المياه، ودعم المزارعين لتبني ممارسات زراعية مستدامة، بهدف تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ما من شأنه دعم وتطوير القطاع الزراعي والغذائي في البلاد، على اعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

آليات التمويل والإنفاق: مباشر وغير مباشر

لتحويل الفائض المالي إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، يمكن للدولة اتباع مسارين متكاملين في التمويل والإنفاق، يضمنان مشاركة كافة قطاعات الاقتصاد في عملية التنمية.

حيث يتمثل مسار الإنفاق المباشر في قيام الحكومة بتخصيص أجزاء من الفائض لتمويل مشاريع كبرى تملكها الدولة بالكامل أو تساهم فيها بنسبة كبيرة. على سبيل المثال، بناء مجمعات صناعية ضخمة، أو تنفيذ مشاريع بنية تحتية استراتيجية عبر الصناديق السيادية والتنموية، بطريقة مشابهة لصندوق الاستثمارات العامة في السعودية الذي يقود مشاريع تحولية كبرى. وهذا النوع من الإنفاق يضمن تنفيذ المشاريع ذات الأولوية الوطنية والتي قد لا تكون جاذبة للقطاع الخاص في مراحلها الأولى.

أما الإنفاق غير المباشر، فيكون من خلال التشجيع والتحفيز، وهو ما لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر استدامة على المدى البعيد. فبدلاً من أن تكون الحكومة هي المنفق الوحيد، تعمل كمحفز ومشجع للقطاع الخاص ليأخذ زمام المبادرة. ويتم ذلك عبر حزمة من السياسات الذكية التي تشمل تقديم إعفاءات ضريبية للشركات التي تستثمر في قطاعات محددة، وتوفير قروض ميسرة ومنخفضة الفائدة عبر بنوك التنمية الحكومية، بالإضافة إلى تبسيط الإجراءات البيروقراطية وتسهيل الحصول على التراخيص. فهذه الآليات تخلق بيئة استثمارية جاذبة وتشجع رؤوس الأموال الخاصة على الدخول في شراكة حقيقية مع الدولة لتحقيق أهداف التنمية.

اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سورية يشيد بالاستثمارات السعودية فما دورها في تحسن العملة؟

رؤية مستقبلية وتحديات قائمة

في الختام، إن تحقيق فائض في خزينة الدولة ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق هدف أسمى يتمثل في بناء اقتصاد متنوع ومستدام للأجيال القادمة. لذا، فإن توجيه هذه الفوائض نحو مشاريع إنتاجية واستثمارية هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الاعتماد على الموارد الطبيعية المتقلبة وتحصين الاقتصاد ضد الصدمات المستقبلية.

ومع ذلك، فإن هذا التوجه محفوف بالتحديات، فهو يتطلب وجود رؤية استراتيجية واضحة، وأطر حوكمة رشيدة تضمن الشفافية المطلقة في الإنفاق، وآليات صارمة لمكافحة الفساد لضمان وصول الأموال إلى وجهتها الصحيحة وتحقيقها للأثر التنموي المنشود.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى