سياسة

غوتيريش في دمشق.. ماذا تعني العودة الأممية؟

الكاتب: أحمد علي

سبعة عشر عاماً فصلت بين زيارة بان كي مون (Ban Ki-moon) لدمشق عام 2009 ووصول أنطونيو غوتيريش (António Guterres) إليها في 25 تموز 2026. تغيّرت السلطة وطبيعة الصراع وموقع سوريا الإقليمي خلال تلك المدة، كما تغيّر الدور المطلوب من الأمم المتحدة. لذلك جاءت الزيارة محمّلة بملفات تتجاوز البروتوكول، من إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى العدالة الانتقالية والمفقودين والانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب.

وصل غوتيريش بدعوة من الحكومة السورية، والتقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ثم وسّع برنامجه ليشمل مسؤولين في مجلس الشعب وهيئتي العدالة الانتقالية والمفقودين، ومحافظ القنيطرة، إضافة إلى زيارة سجن صيدنايا ودمشق القديمة. هذا التوزيع يرسم حدود الرسالة الأممية. المنظمة مستعدة للعمل مع مؤسسات الدولة الجديدة، لكنها تربط الدعم بمسار سياسي وقانوني يشمل بناء المؤسسات والمساءلة والتمثيل الأوسع للسوريين.

تصف دمشق الزيارة بأنها إعلان عن انتقال سوريا إلى موقع الشريك الفاعل في الأمم المتحدة. الوصف يعبر عن الطموح السياسي للحكومة، لكنه يحتاج إلى تدقيق. سوريا لم تفقد عضويتها في المنظمة، وظل مقعدها قائماً طوال سنوات الحرب. الجديد هو عودة التواصل المباشر على مستوى الأمين العام، بعد مرحلة كانت العلاقة خلالها تُدار أساساً عبر مجلس الأمن والمبعوثين والوكالات الإنسانية وتقارير الانتهاكات.

غوتيريش في دمشق بعد 17 عاماً

تمثل زيارة غوتيريش في دمشق أول حضور لأمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ ما قبل اندلاع الحرب عام 2011. وكان غوتيريش قد زار العاصمة قبل نحو 18 عاماً بصفته مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين، في مرحلة كانت سوريا تستقبل فيها أعداداً كبيرة من العراقيين. عودته هذه المرة جاءت إلى بلد يحاول إعادة ملايين السوريين إلى مناطقهم، ويبحث عن تمويل واسع للخدمات والسكن وفرص العمل.

قدّم الأمين العام الزيارة بوصفها زيارة تضامن في لحظة مفصلية. وبعد لقائه الرئيس الشرع، قال إن أي دولة تخرج من صراع شديد لا تستطيع إعادة بناء نفسها وحدها، ودعا المجتمع الدولي إلى تهيئة شروط التعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات والبنية التحتية وتوسيع فرص كسب العيش. كما أعلن استعداد المنظمة لدعم الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية وصوغ دستور دائم وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

تضع هذه المواقف العلاقة في إطار واضح. الأمم المتحدة تتعامل مع السلطات القائمة باعتبارها الطرف المسؤول عن إدارة المرحلة الانتقالية، وتفتح معها قناة سياسية وتنموية مباشرة. وفي الوقت نفسه، لم تمنح الزيارة حكماً نهائياً على نجاح الانتقال أو اكتماله. حديث غوتيريش عن الدستور والانتخابات والعدالة جاء ضمن الشروط الضرورية لاستقرار طويل، وليس ضمن مجاملة دبلوماسية عابرة.

حتى برنامج الزيارة حمل هذا المعنى. لقاءات قصر الشعب وقصر تشرين ركزت على التعاون والتعافي، بينما أعادت زيارة صيدنايا ملف المعتقلين والانتهاكات إلى قلب المشهد. واجتماعات غوتيريش مع المسؤولين عن المفقودين والعدالة الانتقالية ربطت المساعدة الدولية بقدرة المؤسسات السورية على تقديم إجابات للعائلات وضمان إجراءات قانونية قابلة للثقة.

ملفات الزيارة وشروط التعاون

حددت الحكومة السورية أولوياتها في إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، ودعم خطة إغلاق مخيمات النزوح، وتوسيع عمل وكالات الأمم المتحدة من دمشق. هذه المطالب مفهومة أمام حجم الخراب، لكنها تحتاج إلى تمويل يفوق قدرة الحكومة والمنظمات الإنسانية الحالية.

قدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو تقدير يشمل المباني السكنية وغير السكنية والبنية التحتية، ولا يغطي كامل كلفة استعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي. وفي 2026 ما زال 15.6 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة إنسانية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. تعني هذه الأرقام أن الانتقال من الإغاثة إلى التنمية لن يجري بقرار إداري، لأن شبكات المياه والكهرباء والمدارس والمستشفيات وفرص العمل تحتاج إلى برامج طويلة وتمويل مستقر.

قال الشيباني إن أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري عادوا خلال الأشهر الماضية. وكان مسؤول في مفوضية اللاجئين قد أشار في آذار 2026 إلى عودة نحو 3.4 ملايين لاجئ ونازح داخلي منذ 8 كانون الأول 2024. التقارب بين الرقمين يوضح اتساع حركة العودة، لكنه لا يثبت استدامتها. الأسر العائدة تحتاج إلى منزل قابل للسكن وخدمة صحية ومدرسة ودخل، وإلا قد تتحول العودة إلى انتقال مؤقت يعقبه نزوح جديد.

تستطيع الأمم المتحدة توحيد عمل وكالاتها ودعم التخطيط المحلي وتقديم الخبرة في إدارة الخدمات وجذب المانحين إلى مشروعات التعافي المبكر. ويمكنها مساعدة هيئات المفقودين والعدالة الانتقالية والانتخابات في بناء قواعد بيانات وإجراءات ومعايير مهنية. أما إعادة الإعمار الشاملة فتحتاج إلى قرارات من الدول والمؤسسات المالية والقطاع الخاص، وإلى بيئة قانونية وأمنية تقلل مخاطر الاستثمار وتحمي الحقوق والملكية.

لهذا لم تخرج الزيارة بإعلان عن صندوق إعادة إعمار أو حزمة تمويل محددة. ما صدر حتى الآن هو التزام سياسي بتوسيع التعاون، مع دعوة دولية لدعم سوريا. الفارق بين التعهد والتنفيذ سيظهر في الأشهر المقبلة، من خلال حجم التمويل الذي يصل فعلياً، ونوعية المشاريع التي تبدأ، وقدرة المؤسسات السورية على إدارة الموارد بشفافية والوصول إلى المحافظات والمجتمعات المتضررة.

السيادة وحدود التأثير الأممي

أخذ ملف الجنوب حيزاً بارزاً من المحادثات. أكد غوتيريش أن الجولان أرض سورية، ووصف الانتهاكات الواقعة على السيادة ووحدة الأراضي بأنها غير مقبولة، فيما طالب الشيباني بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما تناول لقاء غوتيريش مع محافظ القنيطرة أوضاع المدنيين والسوريين المحتجزين والانتهاكات في المحافظة.

يوفر الموقف الصادر عن الأمين العام دعماً سياسياً وقانونياً للمطلب السوري، ويعيد الملف إلى المرجعية الأممية في لحظة تتكرر فيها التوغلات والضربات. لكن قدرة المنظمة الميدانية محددة. تعمل قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» (UNDOF) على منع التصعيد ومراقبة الاتفاق وتسجيل الانتهاكات ورفع التقارير. ولا تملك القوة تفويضاً عسكرياً يتيح لها فرض الانسحاب بالقوة.

يعتمد أي تغير على قرارات مجلس الأمن ومواقف الدول المؤثرة ومدى التزام الأطراف باتفاق 1974. تستطيع زيارة غوتيريش رفع مستوى الضغط الدبلوماسي وتحسين قنوات الاتصال مع دمشق وقوات أندوف، لكنها لا تبدل ميزان القوة في الجنوب بصورة فورية. هذا الحد ينسحب على ملفات أخرى. الأمانة العامة تستطيع الوساطة والتنسيق والدعم الفني، بينما تبقى الموارد والعقوبات والضمانات الأمنية رهناً بقرارات الحكومات والمؤسسات الدولية المعنية.

تكشف الزيارة أيضاً عن انتقال طريقة التعامل الدولي مع سوريا. خلال سنوات الحرب، كانت الأولوية وقف القتال وإيصال المساعدات والتفاوض بين السلطة والمعارضة. المرحلة الحالية تضع أسئلة مختلفة أمام المنظمة، تتعلق بكيفية بناء مؤسسات جامعة، وتنظيم الانتخابات، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة النازحين، ومنع تحوّل التوترات المحلية إلى صدامات واسعة. نجاح التعاون مع دمشق يتوقف على تحويل هذه الملفات إلى إجراءات معروفة ومفتوحة للمتابعة.

حضور غوتيريش في دمشق يمنح السلطات السورية اعترافاً عملياً بأنها الشريك الحكومي الذي تتعامل معه الأمم المتحدة في المرحلة الجديدة، لكنه لا يلغي الرقابة على طريقة إدارة الانتقال. مسار الزيارة نفسه جمع بين الاجتماع بالرئاسة، وزيارة صيدنايا، والاستماع إلى ملفات المفقودين، ومناقشة الجنوب. هذا الجمع يوضح أن التعاون الأممي سيبقى مرتبطاً بالتعافي والسيادة من جهة، وبالحقوق والمشاركة والمساءلة من جهة أخرى.

النتيجة المباشرة هي فتح قناة سياسية على أعلى مستوى بعد انقطاع طويل. أما التحول العملي فيحتاج إلى آليات تنسيق واضحة من دمشق، وتمويل لمشروعات الخدمات والسكن والعمل، وتعاون موثق في ملف المفقودين، وخطوات معلنة في الدستور والانتخابات والعدالة الانتقالية. من دون هذه النتائج ستبقى الزيارة علامة سياسية مهمة، لكنها لن تخفف وحدها الأعباء التي يعيشها السوريون.

اقرأ أيضاً: بالتعاون مع الأمم المتحدة الإنمائي: إنجاز 60٪ من شاركا التكايا في دير الزور

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى