غجر سوريا: هوية ضائعة ومستقبل بلا ملامح

غجر سوريا، بحياة هامشية وغموض للمصير ومستقبل شبه مغتال، صنعوا من أنفسهم لغزاً يصعب حله. للغجر وجود قديم في التاريخ منتشرين في أرجاء المعمورة، محتفظين بأسرارهم وحياتهم القديمة ومتحفظين على حاضرهم. وللغجر تسميات عديدة منها: “زط،” وكذلك مكدين أو مجدين، دلالة على الاستجداء والتسول، كما يطلق عليهم أحياناً اسم الساسانيين، ولكن أشهر أسمائهم “الشحاذون”. والغجر من الظواهر الاجتماعية المعقدة الضاربة في أغوار الزمان، وانتشارهم لم يقتصر على مجتمع دون سواه، فهم كانوا ومازالوا ينتشرون في المجتمعات البشرية المختلفة مختارين طواعية لا مجبرين على هذا النمط من الحياة. وغجر سوريا ذات التركيبة وذات الملامح: “غموض، تكتم، ومجهول يحدق بالجميع”.
من هم الغجر في سوريا؟ أين يعيشون وينتشرون، وضعهم القانوني؟ رغم كل ما يحيط بهم من ضبابية وقلة المعلومات المتوافرة عنهم، لنتعرف عليهم.
أين يعيش وينتشر غجر سوريا، ومن هم؟
بالضبط لا يعرف متى دخل الغجر إلى سوريا، لكن نمط حياتهم القائم على الترحال الدائم يشير إلى أنّ وجودهم في سوريا يعود إلى فترة استجلابهم من أواسط آسيا خلال فترات الفتح الإسلامي، وتوضح هذا الوجود في العهد العثماني، وازداد منذ الاحتلال الفرنسي حتى الوقت الحالي.
وفي سوريا هم قسمين: مواطنون يحملون الجنسية السورية وتجري عليهم واجبات المواطنة، وقسم آخر من مكتومي القيد، حيث غضّت الدولة الطرف عن إلزامهم بتوثيق القيود المدنية.
وبسبب تاريخهم الشفهي، والسرية التي يحيطون بها حياتهم، يصعب تحديد إلى أي مجموعة عرقية ينتمي الغجر، وما هو موطنهم الأصلي، إلا أن أغلب الباحثين يرجعون أصولهم إلى أواسط آسيا، حيث جاء في كتاب الغجر في العهد العثماني للكاتبين إيلينا ماروشياكوفا وفاسلين بوفوف أنهم قبائل هندوأوروبية جاؤوا من أواسط آسيا واستقروا في إقليم البلقان، الذي أصبح موطنهم الثاني، أما المصادر التي تتحدث عن وجودهم في إسبانيا إبان الحقبة الأندلسية، فتعيدهم إلى جنوب شرقي أوروبا.
يتوزعون في جميع المحافظات والمناطق السورية، وحسب الاحصائيات المنتشرة: في محافظة الحسكة التي تقع في أقصى الشمال الشرقي، بجوار الحدود العراقية – التركية يعيش ما بين 2000 و 3000 عائلة غجرية، وفي محافظة دير الزور التي تجاور الحدود العراقية تعيش نحو 1700 عائلة، وفي محافظة الرقة يرتفع العدد إلى الضعف تقريباً، ومثله في محافظة حلب، إلا أن عددهم يزداد بكثرة ملحوظة في باديتي حمص وحماه، ففي حماه يصل عددهم إلى أكثر من 4000 عائلة، وفي محافظة حمص بالأخص في جورة العرايس، يتواجدون بكثرة، ووجودهم حاضر في منطقة تدمر الأثرية التابعة لمحافظة حمص، وتنتشر أعداد قليلة منهم في بقية المحافظات والمناطق.
ومع نشوب الحرب في سوريا في العام 2011، تفاقمت أوضاعهم بشكل ملحوظ، رغم أن لم يكن لهم موقف سياسي واضح من النزاع، لكن ذلك لم يحمِهم من تداعياته: مناطق سكنهم في أطراف المدن دُمّرت، مثل حي جورة العرايس غرب حمص، وأُجبر من تبقى منهم على الانتقال بخيامهم نحو ساحات دمشق، هاربين من القصف والتشريد، باحثين عن مكان لا ينبذهم ولا يلفظهم.
اقرأ أيضاً: الهجرة والتحول الديموغرافي.. كيف تغيرت خريطة سوريا ولبنان؟
القانون السوري والغجر مكتومي القيد
لا يوجد في القانون السوري أي نص يمنع الغجر من تسجيل قيودهم المدنية، لكن ما يمنعهم هو مزيج من العوامل الاجتماعية والثقافية، منها العادات والتقاليد السائدة داخل المجتمع الغجري، بالإضافة إلى ضعف الوعي القانوني لديهم وعدم اكتراثهم به.
ومشكلة مكتومي القيد في هذا المجتمع تراكمية بطبيعتها، إذ تبدأ بوالدين غير مسجلين في سجلات الدولة، ما يؤدي بشكل تلقائي إلى بقاء أطفالهم مكتومي القيد كذلك، فتمتد المشكلة جيلاً بعد جيل.
إضافةً للعقبات الأمنية التي كانت تواجه الغجر بشكل خاص قبل الثورة السورية، ففي تصريح لأحد المحامين حول الموضوع أفاد: “حتى لو بادر الوالدان إلى تسجيل أطفالهما فور الولادة، فقد كان ذلك يتطلب موافقة أمنية من فرع الأمن السياسي، وذلك بسبب النظرة الأمنية والتمييز المرتبط بأصولهم العرقية”.
وعن إجراءات تسجيل مكتومي القيد، ذكر المكتب الإعلامي بوزارة الداخلية، أن القانون يشترط تقديم ملف مكتوم قيد، وإجراء فحص طبي لتحديد العمر، مع ضرورة توفير بيان عائلي وأوراق تثبت تسجيل أفراد الأسرة في السجلات المدنية، في حال كان آباؤهم مسجلين، يمكن لهؤلاء الأفراد استكمال إجراءات التسجيل استناداً إلى بيانات آبائهم.
وتقول “زينة” الفتاة الغجرية بهوية ضائعة وقيد مكتوم في بلاد لم تعترف بوجودها حتى على الورق، “حلمي أن أمتلك جواز سفر، وأن أسافر دون خوف”.
لسان حال زينة كما أغلب الغجر، أحلامهم البسيطة هي حقوق مشروعة وتثبت للفرد منذ ولادته، أقلها وجوده في سجلات الدولة باسم مكتوب ونسب معروف أو الحصول على شهادة تعليمية. ناهيك عن الأحلام الكبيرة كامتلاك منزل، وحتى السفر بشكل شرعي ومثبت بأوراق رسمية عوضاً عن الترحال كالظلال بلا هوية وبلا وجهه في بعض الأحيان.
اقرأ أيضاً: قانون سوري جديد لرعاية “مجهولي النسب” الذين أنجبتهم “الحرب”
مهن الغجر و محاولات دمجهم في بعض المجتمعات
بعض القبائل تعتمد على النساء في كسب المال، تعمل المرأة في الكدية والاستجداء، وبيع الأدوات المنزلية، وضرب الفأل، والتنجيم، والوشم البدائي للنساء والرقص. أما في قبائل أخرى، فيشارك الرجال النساء في كسب المال، إذ يمتهنون تركيب الأسنان بطريقة بدائية، والعلاج الشعبي، وقرع الطبول في الأعراس، والاستجداء كذلك.
ورغم انقراض بعض هذه المهن بسبب الوعي المجتمعي بمخاطر تركيب الأسنان الغجرية، لم يعرف الغجر التمدّن، بل رفضوه، حيث يعتبرون الاستقرار والعمل المستقر بمثابة العار، والكدية والاستجداء هي وسيلتهم الأساسية والثابتة لكسب المال.
وقليلة القبائل التي تعتمد على الرجال فقط، وهناك منهم من يعتمد على الرجال والنساء والأطفال في آن واحد.
وفي تجارب كان مصيرها الفشل لدمجهم في مختلف الدول، يختار الغجر المصير المجهول رافضين الاندماج بالمجتمعات المتحضرة رغم الأحلام الكبيرة التي يطاردها قلة قليلة منهم ويسعون لتحقيقها، فمنذ العام 1945 بدأ إدماجهم قي أوروبا من خلال برامج دمج قسرية، حيث تم وضع الغجر في منازل تابعة للدولة وتوظيفهم في وظائف متدنية المهارة، لكنهم بقوا منفصلين في مناطق ذات بنية تحتية غير ملائمة. وكان أطفالهم يدرسون في المدارس الأسوأ أداءً.
وفي بروكسل في عام 2011 أطلق إطار عمل للغجر بغية تحسين الوصول للتعليم، والتوظيف، والرعاية الصحية، والإسكان، حيث خُصص مبلغ 26.5 مليار يورو بين عامي 2007 و2013 من الصناديق الاجتماعية والتنموية والريفية، من أجل برامج تراوح بين تسجيل السلطات المحلية للأطفال الغجر في المدارس، إلى ضمان وصول عادل للسكن الاجتماعي. وبقيت نتائج جهود بروكسل لدمج الغجر في المجتمع متفاوتة وغير مبشرة.
ختاماً، غجر سوريا يتنقلون كالظلال بلا هوية ولا اسم نحو مستقبل مبهم، كأشباح لا تملك إلا الطبول والمزامير، وحده إيقاع الرقص من يثبت أقدامهم على هذه الأرض. يخوضون غمار المجهول ويواجهون طريقاً بلا ملامح، رسموه بأيديهم تارةً وتارةً رسم لهم بأقلام الإهمال من السلطات المعنية، الغجر “سوريون” على الأقل بحكم الولادة على هذه الأرض بغض النظر عن أصولهم، فمن حقهم العيش بكرامة وبأوراق ثبوتية رسمية موثقة، مهما كانت خصوصيتهم ونمط عاداتهم.
اقرأ أيضاً: اختناق سكاني كبير في إدلب ولا حلول في الأفق لأزمة السكن









