عودة سوريا إلى منظمة الجمارك العالمية: بداية إصلاحات حقيقية أم إجراء شكلي؟

بقلم ديانا الصالح
يمثل إعلان عودة سوريا إلى منظمة الجمارك العالمية، مساراً جديداً في تحديد علاقتها مع المؤسسات الدولية والإقليمية على حدٍّ سواء، وذلك بعد سنوات من الانقطاع الناتج عن الحرب التي مرت بها البلاد.
هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى تقنية أو بعيدة عن اهتمام الشارع السوري، لكنها في الواقع تطرح أسئلة جوهرية حول موقع سوريا الذي تستعيده ضمن الاقتصاد العالمي، فهل تعتبر هذه العودة بداية فعلية لتطبيق إصلاحات على القطاع الجمركي وربط الاقتصاد السوري بمعايير دولية حديثة؟ أم أنها مجرد استعادة مقعد دولي لا تنعكس نتائجه بشكل عملي على الأسواق أو التجارة؟
المشاركة في منظمة الجمارك العالمية
شارك وفد من الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في اجتماعات الدورتين الـ147 والـ148 لمجلس المنظمة واللتان انعقدتا في بروكسل، وضم مدير إدارة الجمارك العامة خالد البراد، ومدير العلاقات المحلية والدولية في الهيئة مازن علوش.
وقد كشفت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن هذا الحضور هو الأول من نوعه لسوريا، وذلك بعد انقطاع وصل إلى أكثر من 15 عاماً، ويعكس رغبة سوريا في استعادة دورها في المحافل الدولية.
خلال الافتتاح أبرز البراد الإصلاحات الجارية في القطاع الجمركي المحلي، مثل إحداث الهيئة العامة كجهة موحدة لإدارة المنافذ والجمارك والمناطق الحرة، فضلاً عن إصدار قانون جديد للجمارك وتعريفة جمركية محدثة، كما تحدث عن إطلاق الأكاديمية السورية للجمارك لتأهيل الكوادر المتخصصة.
ما هي منظمة الجمارك العالمية ولماذا تُعد مهمة؟
تعتبر منظمة الجمارك العالمية هي المرجعية الدولية الأهم لتنظيم العمل الجمركي وتوحيد المعايير والإجراءات الخاصة بحركة البضائع عبر الحدود، ويعتبر مجلس المنظمة العالمية أعلى سلطة لصنع القرار في المنظمة، ويضم رؤساء إدارات الجمارك في 187 دولة وإقليماً جمركياً، وهم يشرفون على نحو 98% من التجارة العالمية، كما يتولى المجلس رسم السياسات الجمركية الدولية ومناقشة قضايا أمن الحدود، وتيسير التجارة، ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود.
وتعمل المنظمة على تطوير الأنظمة الجمركية الحديثة، وتبادل المعلومات والخبرات، وإعداد الأدلة والمعايير التي تعتمدها الدول في إدارة حدودها التجارية وتبسيط إجراءات التخليص الجمركي.
وأن تكون عضواً نشطاً ضمن المنظمة يعني أن يتم مشاركة وتبادل المعلومات الحديثة، بالإضافة إلى وجود تدريبات متخصصة ودعم تقني يساعد الدول على تحديث إداراتها الجمركية.
ماذا تعني عودة سوريا عملياً؟
عودة سوريا إلى المشاركة في اجتماعات وأنشطة المنظمات الدولية قد تعني حتى الآن أموراً نظرية، لكن إن طُبّقت عملياً فهي تعني فتح الأبواب أمام الاستفادة من الدعم الفني والتدريبات والخبرات الدولية لتطوير العمل الجمركي.
كما تشمل تحديث الأنظمة الجمركية آليات التخليص الجمركي وفق المعايير الدولية، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات المتعلقة بمكافحة التهريب، ومن شأن العلاقات الجيدة أن تسهم في تسهيل حركة البضائع بين سوريا والدول الأخرى مستقبلاً، مما يعني تسريع القدرة على الاندماج في سلاسل التجارة الإقليمية والدولية.
كما أنه سيكون من الممكن جذب الاستثمار ودعم الإنتاج المحلي، فالإجراءات الجمركية الحديثة والموثوقة تزيد من ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين، وتسهل من عملية تصدير المنتجات السورية واستيراد المواد الأولية بتكاليف أقل، وهذا يدعم النمو الاقتصادي ويسهم في إعادة الإعمار.
علاوة على ذلك، تُعتبر عودة سوريا إلى منظمة الجمارك العالمية خطوةً إيجابيةً، لفتح المجالات أمام فرص تطوير جديدة في القطاعين الجمركي واللوجستي، وستكون المساحة مفتوحة للشركات ومكاتب التخليص الجمركي والشحن والخدمات اللوجستية والحلول الخاصة بإدارة حركة البضائع وسلاسل التوريد، هذه المجالات جميعها ستستفيد من أي خطوات مستقبلية لتطوير العمل الجمركي أو تنشيط الحركة التجارية، سواء من خلال الاستثمارات الجديدة أو تطوير الخدمات المرافقة لحركة التجارة.
كيف ستنعكس الخطوة على الاقتصاد السوري؟
الانعكاس المباشر على الاقتصاد السوري لن يكون بهذه السرعة التي يتوقعها البعض، فاستعادة العضوية ضمن منظمة الجمارك العالمية تعني عودة النشاط، ولا تعني ازدياد الصادرات أو انخفاض الأسعار وتحسن الأوضاع المعيشية والاقتصادية خلال أسابيع أو أشهر.
أما الفائدة الحقيقية فترتبط بتحديث التشريعات والقوانين الجمركية المحلية، التحول إلى أنظمة إلكترونية متطورة وحديثة، تحسين البنية التحتية للمنافذ الحدودية، كما تسهم في تسهيل الإجراءات أمام المستوردين والمصدرين.
وبمعنى أدق فإن المنظمة ستقدم الأدوات والخبرات اللازمة من قبلها، أما تنفيذ الإصلاحات لتتحول إلى نتائج عملية وملموسة فهي من واجبات الحكومات.
هل هي خطوة شكلية أم ذات تأثير حقيقي؟
يمكن القول إن هذه الخطوة تقع في منطقة وسطى ما بين الرمزية والعملية، فمن الناحية الدبلوماسية فإن عودة سوريا إلى المنظمة تحمل دلالة واضحة على الرغبة باستعادة الدور السوري في المؤسسات الدولية، وهذا الأمر شهدته قطاعات أخرى أيضاً مؤخراً وهي تصب في اتجاه إعادة بناء العلاقات الاقتصادية الدولية.
أما من الناحية الاقتصادية المحلية، فإن القيمة الحقيقية للعودة لا يمكن قياسها إلا من خلال القرارات والتحديثات الفعلية التي سيشهده قطاع الجمارك في سوريا، فإن بقيت المشاركة مرهونة بحضور الاجتماعات والمحافل الدولية فالأثر سيبقى رمزياً ومحدوداً.
لكن في حال استُثمرت هذه الاجتماعات وحُوّلت إلى أنظمة واقعية تُطبق على الأرض، لتطوير البيئة الجمركية والتجارية، فإنها ستكون من أبرز الأدوات التي ساعدت في إعادة دمج الاقتصاد السوري بالأسواق العالمية.
كما أن عملية إعادة الإعمار بكل أشكالها تعتمد بشكل كبير على جودة المعابر الحدودية والمرافئ، وبالتالي فإن إعادة الإعمار بمعناه الحقيقي يتجسد في فكرة تأهيل البنى التحتية الجمركية والأنظمة والتشريعات، بالتالي تكون الفرصة متاحة أمام استيعاب أي زيادة متوقعة أو منتظرة ضمن حركة المواد الأولية والبضائع.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن المواطن السوري لن يلمس أثراً مباشراً أو سريعاً لعودة سوريا إلى منظمة الجمارك العالمية، ولكن هذه الخطوة ستكون عاملاً مؤثراً في حركة التجارة وكل ما يرتبط بها من أسعار وتكاليف في حال ترافق معها إصلاح وتحديث حقيقي.
اقرأ أيضاً: قانون الجمارك الجديد: هل يفتح باب التغيير الحقيقي في التجارة والأسعار؟









