كيف سيعيد النفط رسم الاقتصاد بعد عودته إلى حضن الدولة؟

بقلم هلا يوسف
بعد سنوات من سيطرة قوات سوريا الديموقراطية على أهم حقول النفط والغاز في شرق سوريا، إن عودة الحقول إلى سيطرة الدولة السورية شكلت مرحلة هامة في طريق استعادة الموارد الوطنية، وإنهاء فترات طويلة من الاستنزاف للثروات النفطية. وبالنظر إلى الواقع فإن أبعاد هذه التطورات تتجاوز الجانب العسكري، حيث أن تأثيراتها الاقتصادية كبيرة وسيلمسها المواطن والدولة على حد سواء. لذلك في هذا المقال، نتناول واقع القطاع النفطي السوري بعد استعادة الحقول من قوات قسد، بدءاً من المؤتمر الصحفي الذي عقدته الشركة السورية للبترول في حقل العمر النفطي، مروراً بخطط إعادة التأهيل والشراكات الاستثمارية، وصولاً إلى صورة شاملة عن الإنتاج النفطي والغازي بالأرقام، ومقارنته بما كان عليه قبل الحرب وانعكاس ذلك على الاقتصاد السوري.
مؤتمر الشركة السورية للبترول بعد تحرير الحقول
عقب استعادة سيطرة الحكومة السورية على حقل العمر النفطي في ريف دير الزور الشرقي، عقدت الشركة السورية للبترول مؤتمراً صحفياً في موقع الحقل يوم الاثنين 19 كانون الثاني 2026، تناولت فيه واقع آبار النفط بعد استلامها والخطوط العريضة لمرحلة التطوير المقبلة، وخلال المؤتمر أكد الرئيس التنفيذي للشركة يوسف قبلاوي أن سوريا تقف على أعتاب مرحلة جديدة في قطاعي النفط والغاز، تقوم على إعادة تنظيم الإنتاج ورفع كفاءته بمشاركة الكوادر الوطنية والشركات الأجنبية المؤهلة.
وأوضح قبلاوي أن حقل العمر، الذي يعد أكبر الحقول النفطية في سوريا، يضم نحو 900 بئر نفطي، وكان ينتج قبل الحرب قرابة 50 ألف برميل يومياً، إلا أن إنتاجه تراجع بشكل حاد خلال السنوات الماضية ليصل إلى حوالي 5 آلاف برميل يومياً فقط. وأرجع هذا التراجع إلى أساليب الاستخراج البدائية التي استخدمتها قسد، والتي لم تقتصر آثارها على تراجع الإنتاج، بل تسببت أيضاً بأضرار كبيرة في البنية التحتية والبيئة المحيطة بالحقل.
وأشار إلى أن العمل جارٍ على استكمال إجراءات نقل ملكية الحقل بالكامل إلى الشركة السورية للبترول، بعد أن كان مشروعاً مشتركاً مع شركة شل، وأكد أن الحقل سيصبح خلال فترة قصيرة تحت الإدارة الحكومية الكاملة، ما يسمح بالبدء ببرنامج تأهيل شامل يهدف إلى استعادة طاقته الإنتاجية السابقة.
كما تطرق قبلاوي خلال المؤتمر إلى البعد البيئي في عملية إعادة تشغيل الحقول، مؤكداً أن الحكومة لديها خطة استراتيجية لإعادة تأهيل حقول النفط والغاز بطريقة تراعي حماية البيئة واستدامة الموارد. وأوضح أن حقل العمر بحاجة إلى تدخل فني عاجل يشمل إصلاح الآبار وتحديث معدات الاستخراج والمعالجة، ومعالجة آثار التلوث الناتجة عن السنوات الماضية.
وأكد أن عمليات استلام الحقول جرت بالتنسيق الكامل مع الجيش العربي السوري، الذي يتولى حماية المنشآت النفطية والغازية من أي محاولات تخريب أو سرقة، بما يضمن استقرار العمل واستمراريته. كما أشار إلى أن محافظة دير الزور طلبت من الموظفين في المناطق المحررة حديثاً البقاء على رأس عملهم لضمان استمرارية الخدمات واستقرار المؤسسات العامة.
اقرأ أيضاً: المعابر والنفط والسجون: الملفات التي تجعل «الاندماج» أكبر من مجرد قرار عسكري
الشراكات الاستثمارية والعودة التدريجية للشركات الأجنبية
بالتزامن مع خطط الإعلان عن خطط إعادة التأهيل، كشف قبلاوي عن وجود اهتمام متزايد من شركات أجنبية، ولا سيما أميركية، بالدخول في شراكات مع الجانب السوري في قطاعي النفط والغاز. وأوضح أن شركة كونوكو فيليبس تستعد للعودة إلى الاستثمار في حقول الغاز السورية، بعد توقيع مذكرة تفاهم في تشرين الثاني الماضي لتطوير الحقول القائمة والتنقيب عن حقول جديدة، في خطوة تهدف إلى رفع إنتاج الغاز خلال فترة قصيرة.
كما أشار إلى أن شركة شيفرون أبدت اهتماماً بالاستثمار في الحقول البحرية السورية، إلى جانب شركات أخرى تخطط لدخول السوق السورية للمرة الأولى. وفي ما يتعلق بحقل العمر، أوضح قبلاوي أن شركة شل، التي كانت الشريك الأجنبي فيه قبل عام 2011، علقت أنشطتها عقب اندلاع الحرب والعقوبات الأوروبية، ثم طلبت لاحقاً الانسحاب ونقل حصتها إلى الدولة السورية، فيما لا تزال المفاوضات جارية بشأن تسوية مالية نهائية تضمن نقل الملكية الكاملة للحقل إلى الجهات الحكومية.
اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لحراقات النفط في سوريا… وقود يهدد الحياة!
واقع الإنتاج النفطي والغازي في سوريا بالأرقام
قبل اندلاع الحرب، كان قطاع النفط يشكل أحد أعمدة الاقتصاد السوري، إذ بلغ إنتاج البلاد نحو 385 إلى 390 ألف برميل نفط يومياً في عام 2010، وساهم النفط حينها بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو نصف الصادرات، وأكثر من 50% من إيرادات الدولة. غير أن الحرب والعقوبات أدتا إلى انهيار هذا القطاع، حيث تراجع الإنتاج خلال ذروة الحرب بين عامي 2014 و2019 إلى ما بين 24 و34 ألف برميل يومياً.
ومع التعاون الذي شهدته العلاقات بين الحكومة الجديدة وقسد عقب سقوط النظام السابق، شهد الإنتاج النفطي بعض التعافي، إذ ارتفع إلى نحو 110 آلاف برميل يومياً، يأتي حوالي 100 ألف برميل منها من الحقول التي كانت خارج سيطرة الدولة سابقاً وكانت تحت سيطرة قسد. ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم تدريجياً مع إعادة تشغيل حقلي العمر والتنك بعد استكمال عمليات التأهيل.
أما على صعيد الغاز الطبيعي، فتنتج سوريا حالياً قرابة 7 ملايين متر مكعب يومياً، في حين تحتاج المنظومة الكهربائية إلى نحو 18 مليون متر مكعب يومياً لتعمل بكفاءة. وكان معمل كونوكو للغاز شرق دير الزور يشكل قبل الحرب أكبر منشأة لمعالجة الغاز في البلاد بطاقة إنتاج وصلت إلى 13 مليون متر مكعب يومياً، إلا أنه متوقف منذ سنوات بسبب الأضرار وانقطاع الاستثمار.
أهم الحقول النفطية والغازية شرق الفرات
– حقل العمر النفطي: يعد أكبر حقل نفطي في سوريا يقع شرق محافظة دير الزور، بلغ إنتاجه في ذروة نشاطه خلال تسعينيات القرن الماضي نحو 80 ألف برميل يومياً، ثم استقر قبل الحرب عند حوالي 50 ألف برميل يومياً، في حين يتراوح إنتاجه حالياً بحدود 20 ألف برميل يومياً. ويشكل الحقل ركيزة أساسية في خطط رفع الإنتاج النفطي في المستقبل.
– حقل التنك النفطي: ثاني أكبر الحقول النفطية في محافظة دير الزور، وكان من أبرز الحقول التي اعتمد عليها الإنتاج في المنطقة خلال السنوات الماضية. ورغم عدم توفر أرقام دقيقة وحديثة عن مستوى إنتاجه الحالي، فإنه يُعد من أعمدة الإنتاج النفطي شرق الفرات.
– حقل الجفرة النفطي: يقع شرق دير الزور، وكان ينتج قبل الحرب حوالي 2000 برميل يومياً، إلا أن إنتاجه تراجع خلال السنوات الماضية ليصل إلى نحو 1000 برميل يومياً.
– حقل كونوكو للغاز: يقع شرق دير الزور، وكان أكبر منشأة لمعالجة الغاز في سوريا قبل الحرب، بطاقة إنتاج بلغت نحو 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً. توقف الحقل عن العمل منذ سنوات نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنشآت وتوقف الاستثمارات.
– حقول رميلان والسويدية (محافظة الحسكة): تضم أكثر من 1300 بئر نفط و25 بئر غاز، وبلغ إنتاجها في ذروة ما قبل الحرب نحو 90 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع حالياً إلى حوالي 9 آلاف برميل يومياً فقط، بسبب نضوب بعض المكامن وتقادم الآبار.
– حقول نفط الرقة: تشمل حقل الثورة جنوب غرب محافظة الرقة، إلى جانب عدد من الحقول الصغيرة المجاورة مثل الوهب، والفهد، ودبيسان، والقصير، وأبو القطط، وأبو قطاش قرب الرصافة. وتميزت هذه الحقول تاريخياً بإنتاج متواضع لم يتجاوز بضعة آلاف برميل يومياً، ويبلغ إنتاجها الحالي مجتمعة نحو 2000 برميل يومياً.
اقرأ أيضاً: ماذا تنتج سوريا من النفط يومياً الآن؟
الأهمية الاقتصادية لاستعادة الحقول
استعادة حقول النفط والغاز تمثل دفعة اقتصادية كبيرة لسوريا في مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتيح زيادة الإنتاج المحلي من المشتقات النفطية والغازية، وتخفيف الاعتماد على الاستيراد الذي استنزف مليارات الدولارات سنوياً. كما أن تحسن إمدادات الغاز المحلي سيؤدي إلى تحسين التغذية الكهربائية، وتقليل كلفة إنتاج الكهرباء، ما ينعكس إيجاباً على قطاعات الصناعة والزراعة والنقل.
وإلى جانب ذلك، يفتح ارتفاع الإنتاج آمال مستقبلية باستئناف تصدير النفط والغاز، وهو ما يوفر تدفقات من القطع الأجنبي، ويدعم الخزينة العامة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد كبيرة لتمويل إعادة الإعمار. ورغم أن حجم الإنتاج الحالي لا يزال بعيداً عن مستويات ما قبل الحرب، فإن توحيد إدارة الموارد النفطية تحت سلطة الدولة، وجذب الاستثمارات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، تشكل مجتمعة فرصة حقيقية لوضع قطاع الطاقة السوري على مسار التعافي التدريجي، بما ينعكس في نهاية المطاف على الاستقرار الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
في النهاية، من المؤكد أن استعادة الدولة السورية لحقول النفط والغاز خطوة مهمة جداً في مسار التعافي الاقتصادي، وخصوصاً بأن ذلك يفتح المجال للشراكة مع الشركات الأجنبية التي تساهم تلقائياً في دعم الاقتصاد وبالتالي تحسين حياة المواطن السوري.









