عودة الأنهار وارتفاع السدود: هل تجاوزنا خطر الجفاف؟

بقلم هلا يوسف
شهد الموسم المطري الحالي تحسناً ملحوظاً بعد سنوات طويلة من الجفاف وتراجع مستويات المياه في الأنهار والسدود. فعودة جريان أهم الأنهار الرئيسية بعثت الأمل لدى المواطنين بتخطي موجات الجفاف التي ضربت الأراضي الزراعية خلال السنوات السابقة. فقد عادت المياه إلى مجاريها في كل من العاصي وبردى، بالإضافة إلى نهري القرقور والكبير الشمالي، وترافق ارتفاع منسوب نهر الفرات مع تحسن مخزون السدود، بما في ذلك سد تشرين وسد لوران، ووصول سد الحفة في ريف اللاذقية إلى سعته التخزينية الكاملة (2.5 مليون متر مكعب).
أما بالنسبة إلى الهطولات المطرية، فتشير بيانات وزارة الزراعة إلى أرقام لافتة مقارنة بالموسم الماضي: القنيطرة 380.5 مم مقابل 131.5 مم، سرغايا 300 مم مقابل 97 مم، حمص 267.8 مم مقابل 67.8 مم، درعا 204 مم مقابل 85.9 مم، ودمشق 135 مم مقابل 36.8 مم. ومع ذلك، فإن هذا التحسن النسبي لا يعني نهاية أزمة الجفاف الطويلة، إذ يعتمد التعافي الكامل على سنوات من إدارة المياه الفعالة.
الجفاف وأنواعه والتحديات البيئية
قد يعتقد اليعض أن الجفاف ينتهي خلال موسم فقط من الهطولات المطرية الكثيفة، إلا أن الحقيقة مغايرة، وذلك بسبب أن الجفاف له أشكال متعددة منها الجفاف الهيدرولوجي الناتج عن انخفاض المياه في الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، والجفاف الزراعي الناتج عن قلة المياه المتاحة للنباتات. وقد أدى تراكم سنوات من سوء الإدارة والاستنزاف إلى تحول الأزمة من جفاف مناخي إلى جفاف اقتصادي واجتماعي، شمل النزاعات على الموارد الطبيعية والهجرات البيئية من مناطق مثل الجزيرة السورية وأرياف حلب وجبل العرب.
ويشير الدكتور معن دانيال داود، المحاضر في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي وخبير إدارة الموارد المائية، إلى أن موسم 2024-2025 كان الأكثر جفافاً منذ بدء التسجيل المناخي في شرق المتوسط، ويؤكد داود أن الأنشطة البشرية، مثل الاستنزاف المكثف للمياه الجوفية، والتوسع الزراعي غير المدروس، والحروب التي دمرت البنية التحتية، زادت من تفاقم الجفاف وحولته إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أكثر من كونها طبيعية بحتة.
تحليلات الخبراء والآثار المستقبلية
فيما يتعلق بإمكانية تعويض سنوات الجفاف الطويلة بموسم مطري جيد، أوضح شادي جاويش، رئيس مركز التنبؤ المركزي، أن الأمر يعتمد على عدة عوامل مترابطة. فمدة الجفاف تلعب دوراً رئيسياً، إذ إن فترات الجفاف الطويلة تحتاج وقتاً أطول للتعويض، كما أن نوع التربة يؤثر بشكل مباشر على قدرة الأرض في الاحتفاظ بالمياه. بالإضافة إلى ذلك، تلعب البنية التحتية دوراً محورياً، بما في ذلك وجود السدود والخزانات لتخزين المياه، إلى جانب الاحتياجات الزراعية التي تتعلق بكمية المياه المطلوبة للمحاصيل وكيفية توزيع الأمطار على مراحل نموها.
وأشار جاويش إلى أن الموسم المطري الجيد قد يخفف من آثار الجفاف، لكنه لا يعوض بالكامل العجز السابق، وأكد أن المسألة معقدة وتحتاج إلى دراسة معمقة من قبل وزارتي الموارد المائية والزراعة. ومع ذلك، أعرب عن تفاؤله بأن الأمور تبدو “مبشرة” حتى نهاية الشتاء على الأقل فيما يتعلق بالهطولات المطرية والثلجية، مما يعني وجود تحسن نسبي في الموارد المائية والزراعية.
وأشار الدكتور داود إلى أن الأزمة المائية في سوريا تتفاقم بسبب نشاطات المجتمع البشري، مشيراً إلى محورين رئيسيين: الأول يتعلق بالاستنزاف غير العقلاني للموارد الطبيعية، بما فيها المياه والتنوع النباتي، ما يقلل قدرة الأرض على مواجهة التغيرات الهيدرولوجية ويزيد من الجريان السطحي وتدهور التربة. والثاني يتعلق بأضرار الحروب والنزاعات المسلحة التي أدت إلى تلوث الأراضي، وتدمير شبكات المياه والبنية التحتية، وتسريع انتقال الملوثات، مع انعكاسات سلبية على جميع أشكال الحياة.
وأكد داود أن تراكم هذه المشكلات منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي أدى إلى تحول الجفاف من ظاهرة هيدرولوجية مرتبطة بالمناخ إلى جفاف اقتصادي ممتد لأعوام، مما سبب تدهوراً في الأحواض المائية السطحية والجوفية، وجفف ينابيع رئيسة مثل ينابيع الخابور، وزيادة مساحات الأراضي غير المستثمرة زراعياً، وارتفاع تكاليف تأمين المياه. وقد تحول هذا الجفاف الاقتصادي في مناطق مثل الجزيرة السورية وأرياف حلب والمناطق المحيطة بالبادية السورية إلى جفاف اجتماعي، مع نزاعات عنيفة على الموارد الطبيعية وهجرات واسعة لمئات الآلاف من السكان.
ويشير داود إلى أن أي تحسن نسبي نراه الآن، من خلال الهطولات المطرية الأخيرة، يظل مرتبطاً بكيفية تعامل المجتمع مع موارده الطبيعية النادرة بشكل عقلاني. ويؤكد أن هذا ليس تشاؤماً، بل دعوة لتطبيق أفضل الممارسات العلمية والاجتماعية لإدارة الموارد، بما في ذلك التخطيط التشاركي للمخططين والمسؤولين والباحثين والناشطين، لضمان استدامة الموارد المائية وإعادة التوازن للأحواض الصغرى والكبرى، وتحسين الغطاء النباتي الطبيعي والمستزرع، مع انعكاسات إيجابية طويلة المدى على صحة المجتمع وإنتاج الغذاء وتكاليفه.
أما الصحفي البيئي زاهر هاشم، فيؤكد أن الهطولات الأخيرة مفيدة على المدى القريب لتغذية التربة والمياه السطحية، لكنها غير كافية لتغيير واقع الجفاف الطويل الأمد، مع التحذير من أن الأمطار الغزيرة على الأراضي الجافة قد تتحول إلى سيول جارفة وتؤدي إلى تآكل التربة.
ويضيف المهندس باسل غفاري، مدير الموارد المائية في دمشق وريفها، أن الهطولات ساعدت في رفع مخزون الأنهار والينابيع، وتقليص الفجوة بين العرض والطلب على المياه، وأكد على أهمية الإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما يشمل إدارة الطلب على المياه، واختيار محاصيل أقل استهلاكاً لها، والاستفادة من المياه المعالجة.
بينما أشار الخبير الزراعي أكرم العفيف إلى أهمية توزيع الأمطار على مراحل نمو المحاصيل وحصاد مياه الأمطار كحل فعال لتعزيز الأمن المائي والزراعي، مع التحذير من الاستنزاف المتزايد للمياه الجوفية نتيجة تشغيل الآبار بالطاقة الشمسية.
وكنا قد أعددنا في موقعنا تقريراً كاملاً حول كيفية استغلال مياه الأمطار في الساحل السوري كونها من أكثر المناطق التي تشهد تساقط للأمطار، وأشرنا إلى وجود هدر كبير في المياه بفعل قدم الطرق المستخدمة لجمعها والظروف الجغرافية التي تحتم وجود طرق أكثر فاعلية. وأكدنا على ضرورة الأخذ بالمشاريع المقدمة من قبل طلاب ودكاترة قسم الجغرافية لحصد مياه الأمطار بأفضل الطرق.
ويشير البنك الدولي إلى تراجع حصة الفرد من المياه المتجددة من نحو 1700 متر مكعب عام 2003 إلى أقل من 700 متر مكعب حالياً، ما يضع سوريا ضمن خانة الندرة المائية المطلقة. بينما حذر تقرير جامعة الأمم المتحدة من أن العالم دخل مرحلة “الإفلاس المائي”، حيث لم تعد أنظمة المياه قادرة على العودة إلى مستوياتها السابقة.
ختاماً، من المؤكد أن هناك تحسناً كبيراً في الهطولات المطرية، فمنظر الأنهار والينابيع التي تتدفق تعطي مؤشرات إيجابية على وفرة هذا الموسم، لكن من خلال آراء الخبراء نجد أن الاستفادة منها يتزامن مع السياسات والأساليب التي ستتبعها الجهات المعنية في المحافظة على هذه المياه، بالإضافة إلى ترشيد المواطنين للاستهلاك.
اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل









