عن مجتمعٍ يتلمّس طريقه بعد العاصفة.. ماذا يخبرنا المؤشر العربي في سوريا 2025؟

الكاتب: أحمد علي
في كلّ مرّة نقرأ نتائج استطلاعٍ واسع، يغوينا الإحساس بأننا قبضنا على “نبض شعب”. لكن الحقيقة أبسط وأقسى: أيّ استطلاع، مهما كبر حجمه وتنوّعت عيّنته، يظلّ قاصراً عن التعبير الكامل عن أيّ شعب أو مسألة. من هنا تأتي قيمة التعامل معه بوصفه نافذة لا مرآة؛ نافذة تفتح لنا مشهداً جزئياً، نقرأه بحذر ونسائله بعقل بارد. على هذا الأساس نقترب من نتائج المؤشر العربي في سوريا 2025 التي أعلنها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، لنفهم المزاج العام واتجاهاته، ونضع الأرقام في سياقٍ أوسع من أهواء اللحظة.
كيف جرى تنفيذ المؤشر العربي في سوريا 2025 وما الذي يميّزه؟
يقدّم التقرير قاعدة بيانات غير مسبوقة في حجمه وتغطياته داخل سوريا: عيّنة بلغت 3690 مستجيباً من مختلف المحافظات والتكوينات الاجتماعية والاقتصادية، صُممت وفق عينة طبقية عنقودية متعددة المراحل، مع مستوى ثقة 98% وهامش خطأ يراوح بين ±2 و±3%. امتدّ العمل الميداني 25 يوماً بين 25 تموز و17 آب 2025، وشارك فيه أكثر من مئة باحث/ة، واشتمل على أكثر من 420 سؤالاً تمس قضايا الاقتصاد والمجتمع والسياسة والاندماج الوطني. وهذا الاتساع يجعل من المؤشر مصدراً مهماً للسياسات العامة والدراسات الأكاديمية، لكنه لا يعفي القارئ من تذكّر محدوديته المعيارية.
تفاؤل سياسي وحذر اقتصادي: بلدٌ ينتقل على حافة الأمل
تشي النتائج بمزاجٍ عامّ يغلب عليه الأمل: 56% يرون أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مقابل 25% يعتبرونها في الاتجاه الخاطئ. هذه الموجة الإيجابية تتغذى من تحسّنات أمنية وإشارات إلى الاستقرار ورفع العقوبات، وتتقاطع مع مشاعر واسعة (80–94%) بالبهجة والارتياح إزاء سقوط سلطة بشار الأسد. مع ذلك، تبقى القراءة الاقتصادية قاتمة: أغلبية تقيّم الوضع الاقتصادي بسلبية؛ 42% يصفون أسرهم في حالة عوز، و61% نادراً ما يتناولون اللحم أو أقل من مرة أسبوعياً، و36% يعتمدون على تحويلات خارجية.
ورغم صعود الأمل، يعبّر 27% عن رغبة في الهجرة، بدوافع اقتصادية وأمنية أساساً، فيما تظلّ القضايا السياسية والأمنية – من خطر التقسيم إلى التدخلات الخارجية – على رأس الأولويات (51%). وهذه المفارقة بين التفاؤل السياسي والتعب اليومي على جبهة الدخل والأسعار ستكون محدِّداً رئيساً لكيفية استقبال أيّ سياسة اقتصادية مقبلة.
اقرأ أيضاً: تقسيم سوريا: هل يتحول الكابوس إلى واقع؟
الدولة بين الثقة والأداء: عقد اجتماعي قيد التشكّل
تظهر أغلبية نسبية من الثقة في مؤسسات الدولة (حكومة، أمن عام، دفاع، محافظون) ضمن نطاق 54–57%، وتقييمات متباينة لسيادة القانون: 47% يرون أن تطبيقه متساوٍ بين المواطنين، مقابل 30% يقولون إنه يميّز لبعض الفئات، و12% ينفون المساواة. خارجياً واقتصادياً، يعتبر 61% و59% على التوالي أن سياسات الحكومة تعبّر عن تطلّعاتهم. وظيفياً، يُسجَّل نجاحٌ فوق 50% في ملفات الجريمة وحماية الملكيات وفض النزاعات والحفاظ على وحدة الأراضي، مقابل أداء أضعف في البطالة وضبط الأسعار ومكافحة الخطاب الطائفي.
أما في الخدمات، يرى نصف العيّنة تقريباً توافراً جيداً للغذاء والوقود، وتتراجع النسب في المياه (نحو 30%) والكهرباء (قرابة 25%). أما الفساد فحاضر بقوة في وعي السوريين (89% يرونه منتشراً)، مع اعتقاد 56% بأن انتشاره انخفض مقارنة بما قبل 8 كانون الأول 2024، وهي دلالة على توقعٍ شعبيّ لوتيرة إصلاحٍ أسرع تكبح أثر الفساد على الحياة اليومية.
الديمقراطية خيارٌ مُفضَّل… بشروط الواقع
يميل السوريون بوضوح نحو الخيار الديمقراطي: 61% يعتبرونه النظام الأفضل للحكم اليوم، و60% يوافقون على المقولة الكلاسيكية: “الديمقراطية، وإن كانت لها مشكلاتها، فهي أفضل من غيرها”. وتقبل الأغلبية (53%) التداول السلمي للسلطة حتى لو فاز حزبٌ لا يتفقون معه في انتخابات حرة ونزيهة، مع تأييد ملحوظ لوجود أحزاب وتيارات وطنية وإسلامية وقومية وليبرالية ويسارية. ويتيح ذلك قراءة مزدوجة: رغبةً في قواعد لعبة واضحة وضمانات للحقوق والحريات، ووعياً بأن الديمقراطية ليست عصاً سحرية، بل إطارٌ يتطلّب مؤسسات فاعلة وعدالة ناجزة واقتصاداً قادراً على خلق فرص.
الهوية والاندماج: ضغط الطائفية وممانعة المجتمع
يرى 64% أن السوريين انصهروا بدرجات متفاوتة في “أسرة واحدة”، لكن “خطاب الطائفية” حاضر بقوة (85%) ويشعر 84% بأن الناس يصنّفون أنفسهم والآخرين مذهبياً ودينياً، مع اعتقاد 83% بانتشار التمييز على هذا الأساس. ومع ذلك، تميل الكتلة الأكبر إلى التسامح اليومي: 66–78% لا يمانعون جيراناً من ديانات وطوائف وإثنيات أخرى، و67% يرفضون التشكيك في وطنية المعارضين لسياسات الحكومة.
ويحمّل 41% مسؤولية التوتر لعوامل خارجية، فيما يعزو 36% جذوره إلى غياب المواطنة والتسامح. وفي العدالة الانتقالية، يميل 65% إلى محاسبة كل متورّط بجرائم حرب أياً كان موقعه، مقابل 25% يحصرون المحاسبة بشخوص النظام السابق؛ وهي إشارة إلى إدراكٍ بأن السلم الأهلي يتطلب إنصافاً يسبق المصالحة.
نافذة واسعة، لكنه لا يغدو مرآة تعكس «حقيقة كاملة» عن السوريين!
كيف نفهم الصورة الأكبر؟
تُظهر بيانات المؤشر العربي في سوريا 2025 مجتمعاً يلتقط أنفاسه بين توقعاتٍ سياسية عالية ومطالب معيشية ضاغطة. التفاؤل بوجهة البلاد يقابله تشاؤم على مائدة البيت؛ الثقة النسبية بالمؤسسات تحتاج إلى ترجمةٍ في سياساتٍ ملموسة تخفّف كلفة الحياة وتوسع مظلة الخدمات؛ الميل للديمقراطية يطلب قواعد عادلة ومؤسسات مساءلة؛ والاندماج الاجتماعي، رغم عثراته، ما يزال ممكناً حين يواجه الناس اختبار الجوار والعمل والمدرسة.
بالنسبة لصنّاع القرار، الرسالة واضحة: لا يكفي ضبط الأمن وبناء خطاب وطني؛ المطلوب عقد اجتماعي جديد يزاوج بين توسيع الحريات، وتطوير الإدارة العامة، وخفض الفقر، وتحسين البنية التحتية – وفي القلب محاربة الفساد بمنهجية ونتائج ملموسة.
نافذة لا مرآة!
ختاماً، يبقى التأكيد ضرورة: المؤشر العربي في سوريا 2025 نافذة واسعة، لكنه لا يغدو مرآة تعكس “حقيقة كاملة” عن السوريين. فالاستطلاعات، بطبيعتها المنهجية وحدودها الميدانية، قاصرة عن تمثيل أي شعبٍ أو مسألةٍ تمثيلاً تاماً. قيمتها في أنها تمنحنا اتجاهات ومعطيات نسند بها التفكير، لا أحكاماً نهائية نغلق بها النقاش. وحين تُقرأ نتائجه مع بيانات الاقتصاد والخدمات والعدالة والمؤسسات، يصبح لدينا أساسٌ أفضل لتصميم سياسات أكثر عدلاً وفاعلية.
اقرأ أيضاً: محمد حبش: العلماني والإسلامي في سوريا الجديدة









