سياسة

عندما يهتز الإقليم.. اقتصاد سوريا تحت ضغط الجغرافيا السياسية

صدمات الإقليم تصل دمشق.. الاقتصاد السوري في عين العاصفة

بقلم: ريم ريّا

بعد التحرير عام 2024، وفي فترة تحاول سوريا التقاط أنفاسها الاقتصادية بعد أن عانت طويلاً من الحرب والعزلة، جاءت موجة جديدة من التوترات الإقليمية أواخر شباط الفائت لتعيد هذه البلاد لسؤال قديم يعيد طرح نفسه: متى سيبقى الاقتصاد السوري معزولاً عن عواصف المنطقة؟ 

ارتدادات التصعيد العسكري بين إيران وأمريكا وإسرائيل، لم تقتصر آثاره على ساحات المواجهة المباشرة، بل منذ بدايته أثار ارتدادات وعواصف اقتصادية امتدت عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وصولاً إلى الاستثمارات الإقليمية. ففي اقتصاد هش كاقتصاد سوريا، ما زال يعتمد على الاستيراد والبضائع الأجنبية إلى حدٍ كبير ويستند على الدعم الخارجي للنهوض من جديد، تتحول أي صدمة في البيئة الجيوسياسية المحيطة إلى عامل ضغط إضافي على الأسعار لا سيما سعر الصرف، وتقوض فرص التعافي الاقتصادي للبلاد وتحد منها.

منذ أواخر عام 2024 ومع سقوط النظام وتغير السياسة الخارجية لسوريا، بنت دمشق في مطلع عام 2025 جزء هام من توقعاتها الاقتصادية على فرضية الاستقرار الإقليمي الذي يسمح بتدفق الاستثمارات الخارجية، تحديداً من دول الخليج، من أجل تمويل مشاريع إعادة الإعمار وتحفيز النمو.

لكن، بدأ الارتباك مع تصاعد الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط التي لم تكمل الأسبوعين بعد، لكنها وضعت كل رهنات سوريا الاقتصادية أمام اختبار صعب، في حين تشير فيه بعض التقارير الدولية إلى احتمال إعادة بعض الدول الخليجية تقييم التزاماتها الاستثمارية الخارجية في حال استمرت الحرب وازدادت كلفتها الاقتصادية.

باتت الأسواق السورية اليوم أكثر حساسية لأي اهتزاز في الجغرافيا السياسية للمنطقة، فبين ارتفاع في تكاليف النقل والطاقة، وتسارع التضخم الداخلي في البلاد، تراجعت قدرة المواطن الشرائية وبات الوضع الاقتصادي خانقاً لمعظم السوريين.  ليعاد طرح السؤال التالي بإلحاح: هل يمكن للاقتصاد السوري الاستمرار في مسار التعافي وحيداً، أم أن التوتر الإقليمي سيعيد خلط الأوراق واضعاً هذا المسار أمام تحديات جديدة؟

اقتصاد سوريا والتوتر في الإقليم.. أولى حلقات الصدمة الاقتصادية

تتصاعد المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية مع مرور أقل من إسبوعين على بدايتها، لتتجاوز معها التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب ساحات القتال وصولاً إلى سلاسل الإمداد في المنطقة والمنافذ البحرية. هذه المسارات حيوية بالنسبة لاقتصاد هش كاقتصاد سوريا.

التوتر العسكري المتصاعد في الخليج العربي، وما يرافقه من مخاوف متكررة حول الملاحة في مضيق هرمز شبه المغلق، أدى إلى إحداث ارتفاع ملحوظ في تكاليف التأمين البحري وأولها الشحن، ما انعكس مباشرةً على تكلفة استيراد السلع الأساسية إلى دول تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات، في مقدمتها سوريا.

وفقاً لتقديرات خبراء النقل البحري، فإن أقساط التأمين على السفن العابرة لمناطق التوتر في الشرق الأوسط، ارتفعت بنسبة تراوحت بين 20 و40% خلال الفترة الأخيرة. في حين سجلت سلع البناء والطاقة زيادات في أسعارها وصلت إلى 50%، والمواد المرتبطة بالطاقة سجلت ارتفاعاً وصل نسبة 125%.

هذه الارتفاعات لا تقف عند حد ارتفاع الفاتورة التجارية للدولة فحسب، بل تعني أيضاً انتقال كلفة إضافية مباشرة إلى الأسواق المحلية، وسرعان ما لوحظت في الأسواق السورية. وهذا أمر طبيعي، فاقتصاد كاقتصاد سوريا يعتمد على الاستيراد لتأمين نسبة كبيرة من احتياجاته الغذائية وحتى الصناعية سيصبح شديد الحساسية لأي اضطراب في النقل الدولي.

في سوريا هناك عوامل “تزيد الطين بله”، مثل محدودية الإنتاج المحلي وتضرر البنية الصناعية خلال سنوات الحرب، إضافةً إلى تضرر البنية الزراعية بسبب موجات الجفاف والسياسات الحكومية الخاطئة في السابق. لتتحول زيادة تكاليف الشحن إلى عامل تضخمي سريع الانتقال أصاب الأسعار الداخلية. وهو ما لمسه بالفعل المواطن السوري في ارتفاع أسعار مواد البناء والسلع الاستهلاكية الأساسية، وانعكس كتزاحم شعبي على محطات الوقود ومراكز بيع الغاز.

اقرأ أيضاً: سوريا في معادلة “حماية الممرات”: ما الذي تكسبه/تخسره من حديث أوروبا عن تأمين البحار؟

الاقتصاد الدخلي تحت الضغط المزدوج “التضخم وتراجع الليرة”

إذا كانت الحرب الإقليمية تضرب الاقتصاد السوري من الخارج من خلال التجارة والإمداد، فإن تأثيرها داخلياً له زخم ضاغط أكثر عبر سعر الصرف والتضخم المتسارع في البلاد. اقتصاد سوريا انكمش بأكثر من 50% خلال سنوات الحرب، والليرة السورية فقدت ما يقارب 99% من قيمتها. وها هو اليوم يدخل هذه المرحلة من التصعيد الإقليمي وهو في وضع هش أساساً.

تتزايد الضغوط على الأسعار المحلية في سوق يعاني أصلاً من تضخم متراكم منذ سنوات. ويشير الباحث الاقتصادي السوري “يونس كريم” إلى أن التضخم الحالي في سوريا ليس مجرد نتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية الحالية، بل مزيج من تضخم “موروث” من مرحلة ما قبل التحرير عام 2024. إضافةً إلى تضخم جديد نشأ نتيجة لرفع سقف التوقعات الاقتصادية خلال العام الماضي 2025 دون توفر موارد إنتاجية حقيقية تدعم تلك التوقعات. ويضيف الباحث، هذه الظاهرة خلقت فجوة بين الدخل الحقيقي للمواطنين والأسعار، ما أدى إلى تآكل سريع للقدرة الشرائية لمعظم الشعب السوري.

الواقع المعيشي يجسد تحليل الباحث بوضوح، إذ تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي، إلى أن سوريا باتت واحدة من 18 بؤرة ساخنة للجوع في العالم لعام 2026، في حين يقدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 16.5 مليون سوري، أي ما يقارب 70% من السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني.

في الحقيقة، مع بقاء مستويات الدخل والأجور منخفضة بهذا الشكل في البلاد، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الأولية بوتيرة أسرع من أي تحسن محتمل في الدخل، يصبح أي اضطراب خارجي إضافي، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب التجارة الإقليمية، عاملاً مضاعفاً للضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد.

رهان التعافي تحت الاختبار.. الاستثمارات الخليجية بين التردد والمراجعة

من تداعيات هذا الصراع الإقليمي، برز عامل ضغط إضافي على الوضع الاقتصادي السوري، وهو “مستقبل الاستثمارات الخليجية”، هذا العامل يعتبر وبالتوازي مع الضغوط الاقتصادية الداخلية من أكثر العوامل حساسية بالنسبة لمسار التعافي الاقتصادي في البلاد.

فدمشق كانت تراهن على هذه الاستثمارات بشكل كبير لتمويل مشاريع إعادة الإعمار. فالحكومة السورية قد بنت جزءاً من خطابها الاقتصادي على توقع تدفق رؤوس الأموال من دول الخليج، لا سيما قطر والسعودية. بغية المشاركة في مشاريع البنى التحتية والطاقة والعقار.

أشارت البيانات الرسمية إلى أن حجم الاستثمارات المسجلة في سوريا خلال عام 2025 بلغ نحو 56 مليار دولار موزعة على قطاعات متعددة، في حين أعلن الرئيس السوري “أحمد الشرع“، أن البلاد نجحت في جذب نحو 28 مليار دولار خلال عشرة أشهر فقط من العام 2025 نفسه.

لكن الحرب الإقليمية واستمرارها، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة استثمارات الخليج في سوريا على الاستمرار بالزخم نفسه أو الانكفاء. فقد ذكرت صحيفة Financial Times في تقرير نشر في مطلع آذار 2026، أن عدداً من دول الخليج بدأ مراجعة التزاماتها الاستثمارية الخارجية في ضوء التكاليف الاقتصادية للحرب، بما في ذلك احتمال إعادة النظر في بعض العقود أو تفعيل بنود القوة القاهرة في مشاريع قائمة.

تاريخياً، تعتمد الاقتصادات الخليجية على عاملين أساسيين لتعزيز نفوذها الاستثماري الخارجي وهما، تدفق عائدات الطاقة بالتوازي مع استقرارها السياسي النسبي بالمقارنة مع المنطقة ككل. لكن الحرب الحالية وضعت كلا العاملين تحت ضغط متزايد، ما قد يدفع بعض الحكومات الخليجية إلى إعادة توجيه مواردها نحو الداخل أو نحو مراكز استثمار أكثر استقراراً مثل آسيا.

في حال تحقق هذا السيناريو وهو واحد من سيناريوهات متعددة، فالاقتصاد السوري الذي يعوّل بشكل كبير على الدعم والتمويل الخارجي لإعادة الإعمار بكلفة تقدر بين 250 و400 مليار دولار حسب التقديرات الدولية، ربما يجد نفسه أمام فجوة تمويلية هائلة سيصعب أو ربما سيستحيل تعويضها في المدى القريب.

الأسواق السورية بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي

تواصل الحكومة السورية تأكيداتها رغم كل المؤشرات الضاغطة حالياً، أنه لا يوجد أزمة وقود أو اختناقات اقتصادية كبيرة في البلاد، مشيرةً إلى استمرار توفر المواد الأساسية في الأسواق. غير أن الواقع المعيشي على الأرض يعكس صورة أكثر تعقيداً مما يذاع على لسان التصريحات الحكومية على الشاشات الرسمية.

يرصد في الأسواق المحلية اليوم، الأسعار المرتفعة للسلع، وزيادة تكاليف النقل والمواد الأولية، كل ذلك يشير إلى أن  الاقتصاد في سوريا بدأ بالفعل يتأثر بالارتدادات غير المباشرة للحرب الإقليمية. ومع اعتماد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد وضعف البنية الإنتاجية المحلية، فإن أي اضطراب في التجارة الإقليمية أو أسعار الطاقة بات ينعكس سريعاً على الأسعار الداخلية.

ناهيك عن تزايد الضغط على الخدمات والبنية التحتية، نتيجة عودة نحو 1.2 مليون لاجئ سوري من الدول المجاورة، فضلاً عن عودة نحو مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. في ظل هذه المؤشرات، يصبح الفارق بين الخطاب الرسمي المتفائل والواقع الاقتصادي الملموس أكثر وضوحاً.

فالتعافي الاقتصادي الذي تسعى إلى تحقيقه دمشق، يعتمد على مزيج من الاستقرار الإقليمي والاستثمارات الخارجية والإصلاحات الداخلية. لكن استمرار تأزم الوضع في الشرق الأوسط قد يحول هذه المعادلة إلى معادلة هشة. في ظل اقتصاد ما زال طور إعادة البناء بعد أكثر من عقد من الانكماش والحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى