عندما يعود السوري إلى بلده… حقائب ممتلئة بالاحتياط أكثر من الهدايا

بقلم: ريم ريّا
قبل أن يحجز السوري تذكرة الطائرة للعودة إلى الوطن، تبدأ رحلة أخرى لا تقل أهمية عن الرحلة نفسها وتتعدى تجهيز الأمتعة التقليدية. فالأمر لم يعد يقتصر على اختيار الملابس أو شراء الهدايا للعائلة والأصدقاء، بل أصبح يدور حول سؤال يتردد في ذهن كل مسافر اقتربت عودته إلى الوطن: “ما الذي قد أحتاجه ولا أجده هناك؟” لذا، تتصدر الأدوية قائمة الأولويات، سواءً للأمراض المزمنة أو مسكنات الألم أو حتى حقائب الإسعافات الأولية.
وإلى جانبها، يحزم شاحن متنقل عالي السعة تحسباً لانقطاع التيار الكهربائي أو انتهاء شحن الهاتف بمجرد الوصول إلى أرض الوطن. كما يحمل الكثيرون نقوداً بعملات مختلفة، خشية تعطل بطاقاتهم المصرفية أو صعوبة السحب الإلكتروني شبه المعدوم في البلاد. قد تبدو هذه الأمور بسيطة، لكنها تعكس عقلية جديدة فرضتها عليهم سنوات من العيش في الخارج تعدت العقد من الزمن، وتغير الظروف في وطن تغير فيه كل شيء من لافتة “سوريا ترحب بكم “. وحتى “رافقتكم السلامة“.
تفاصيل صغيرة يعيشها السوري… لكنها تحكي قصة سنوات من الغياب
أي شخص اليوم يستمع إلى أحاديث السوريين قبل السفر سيلاحظ أن النقاش لا يدور حول الأماكن التي سيزورونها أو المطاعم التي سيرتادونها، بل حول نصائح عملية، “لا تنسَ شاحنك”، “أحضر معك أكثر من كابل”، “خذ معك كمية كافية من الأدوية” تكفيك طوال الرحلة، و”لا تعتمد كلياً على الدفع الإلكتروني”.
حتى الأمهات يحملن حليب الأطفال أو مواد غذائية أساسية أخرى تحسباً لعدم توفرها بسهولة. ويحمل آخرون مصباحاً يدوياً صغيراً، أو جهاز إنترنت محمول، أو أجهزة إلكترونية بسيطة قد يحتاجها أحد أفراد العائلة. لم تعد هذه المشاهد استثنائية، بل أصبحت جزءاً من ثقافة السفر السورية أو بالأحرى “العودة إلى الوطن“. فقبل أن تكون الحقيبة مكاناً للأمتعة، أصبحت مخزناً، وكأن كل غرض فيها يحمل تجربة سابقة أو نصيحة يتبادلها المسافرون.
اقرأ أيضاً: سيناريوهات مقلقة .. ماذا لو توقفت حوالات المغتربين إلى سوريا؟
رغم ثقل الحقائب… يبقى الشوق هو العبء الأثقل
رغم امتلاء الحقائب بهذه الأغراض، فإن أثقل عبء يحمله السوري لا يقاس في المطار. إنه الشوق إلى الوطن، إلى وجوه أحبائهم، وإلى الشوارع المحفورة في ذاكرتهم، حتى وإن تغيرت ملامحهم. يعود الكثير منهم وهم يدركون أن الواقع قد لا يكون مثالياً، وأيضاً ليس كما تركوه ورحلوا، وأن الخدمات قد لا تكون كما تمنوا، وأنهم سيواجهون بعض الصعوبات اليومية. لكن هذا لا يُقلل من رغبتهم في استعادة لحظات بسيطة افتقدوها لسنوات.
فنجان قهوة مع العائلة، نزهة في الحي القديم، زيارة قبر قريب، أو مجرد جولة في المكان الذي نشأوا فيه. لذا، قد تبدو حقائب السوريين مليئة بالأدوية والمعدات الطبية والمال، لكنهم في الحقيقة يحملون شيئاً أكبر بكثير، “محاولة للتوفيق بين الحذر الذي اكتسبوه من التجربة والشوق الذي لم تُطفئه سنوات المنفى في قلوبهم”.
حقيبة السوري… مرآة لسنوات الغربة والمنفى
ربما لو فتحنا حقائب السوريين العائدين إلى وطنهم، لوجدنا قصصاً أكبر من مجرد ممتلكات. علبة الأدوية تحكي سنوات من الاعتماد على نظام رعاية صحية مختلف، وبطارية محمولة ترمز إلى عادة التفكير في كل تفصيل صغير، والمال يحمل معه الخوف من انقطاع الخدمات أو عدم القدرة على الدفع.
حتى الهدايا التي يحضرونها لعائلاتهم لم تعد مجرد تذكارات، بل محاولة للتعويض عن سنوات الفراق، وأحياناً أدوات عملية ومستلزمات لسد بعض الفراغات المتبقية في واقعهم. وهكذا، أصبحت الحقيبة مرآة تعكس حياة السوريين في المنفى، حياة تعلمت الاستعداد لكل الاحتمالات، لكنها لم تتخلَ أبداً عن حلم لحظة العودة إلى الوطن، حين لا تحتاج إلا إلى مفتاح المنزل، وتترك كل أعباء الهموم خارج الحقيبة.
لأن حقائب السوريين العائدين لم تكن مليئة بالهدايا بقدر ما كانت مليئة بالاحتياطات. ومع ذلك، يبقى طريق العودة، مهما طال، وجهةً تُقدّم الذكريات على الحقيبة.









