عندما تفتح سجون داعش: فراغ أمني وورقة ضغط سياسي!

بقلم هلا يوسف
داعش.. اسم لطالما شكل عقدة وصل وتارةً قطع للتحالفات الإقليمية، فقد نسجت قوات سوريا الديموقراطية علاقاتها الدولية على هذا الملف، واستطاعت حصد الكثير من الدعم الدولي خلال السنوات الماضية التي حجزت فيها عناصر داعش وعائلاتهم ضمن سجون ومخيمات خاصة بهم. ولكن التحول الكبير جاء عقب سقوط النظام السابق وانضمام الحكومة السورية الجديدة للتحالف الدولي، التي ترى أن ورقة قسد حُرقت، ومبررات تحكمها بهذا الملف سقطت. وما إن انطلقت الاشتباكات بين قسد والجيش السوري، واقتراب الأخيرة من سجون داعش، حتى بدأت حرب السجون تأخذ انتشاراً إعلامياً. وفي هذا المقال سنتعرف على سجون داعش التي كانت تحت سيطرة قسد، وحجمها، وآخر مستجدات سجن الشدادي الموجود على الساحة الإعلامية الآن.
سجون داعش.. حواضن للتطرف
تشير معظم الدراسات أن داعش لم تسقط بسقوط ما سمي بالخلافة عام 2019، بل دخل التنظيم مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وخطورة عنوانها السجون والمخيمات والفراغات الأمنية. فقد تحولت مراكز احتجاز عناصر التنظيم ومخيمات عائلاتهم إلى مناطق أمنية حساسة من الممكن أن تشكل تهديد في أي وقت بالمستقبل على سوريا والدول الإقليمية والدولية.
وبحسب تقرير للحكومة الأميركية قُدم إلى الكونغرس عام 2023، لا يزال نحو 8,950 مقاتلاً من تنظيم داعش محتجزين في سجون تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب 43,250 نازح في مخيمات مزدحمة، أبرزها مخيما الهول وروج، بينهم قرابة 25 ألف طفل دون سن الثانية عشرة.
يصف التقرير هذه السجون والمخيمات بأنها تعاني من نقص حاد في الخدمات وسوء الأوضاع الإنسانية، ما يجعلها في الوقت نفسه أزمة إنسانية كبرى وتهديد أمني متصاعد. فالازدحام وغياب الأفق والفقر وانعدام الحلول السياسية، كلها عوامل حولت المخيمات إلى بيئة خصبة للتطرف.
ويحذر التقرير الأميركي من أن تنظيم داعش لم يفقد تأثيره داخل هذه البيئات، بل أعاد بناء شبكاته سراً. إذ تنشط خلايا التنظيم داخل السجون والمخيمات، وتقوم بتهريب الأموال لشراء الولاءات وفرض السيطرة الفكرية وتنفيذ عمليات اغتيال خصوصاً داخل مخيم الهول.
وتشير هذه المعطيات إلى أن السجون لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى نقاط ضعف استراتيجية يمكن للتنظيم استغلالها لإعادة إنتاج نفسه.
وهنا سعت الولايات المتحدة، بالتعاون مع “قسد”، إلى منع عودة داعش عبر تأمين السجون وتحديث البنية التحتية وتدريب آلاف الحراس وتعزيز الشرطة المجتمعية داخل المخيمات. وأسهمت هذه الإجراءات في خفض مستوى العنف داخل المخيمات، حيث تراجع عدد جرائم القتل من 90 جريمة عام 2021 إلى صفر جريمة عام 2023.
ولكن التقرير يقر بأن الحل المستدام الوحيد يتمثل في إعادة المحتجزين، لا سيما الأجانب، إلى بلدانهم. ورغم عودة آلاف الأشخاص خلال الأعوام الأخيرة، لا تزال دول كثيرة ترفض استعادة مواطنيها لأسباب قانونية وسياسية وأمنية، ما ينذر ببقاء عشرات الآلاف في هذا الفراغ لسنوات طويلة.
اقرأ أيضاً: شبح «داعش» يعود: كيف تساهم الفوضى في إطالة عمر التنظيم؟
سجن الشدادي: من مركز احتجاز إلى ورقة أمنية خطيرة
تحول سجن الشدادي في شمال شرقي سوريا من منشأة مخصصة لاحتجاز عناصر تنظيم داعش إلى ورقة أمنية وسياسية شديدة الحساسية بالتزامن مع التحولات العسكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة. فقد جاءت حادثة الهروب الأخيرة خلال اشتباكات معقدة بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري، ترافقت مع تغير خريطة السيطرة الميدانية وانتقال مناطق استراتيجية إلى الحكومة السورية.
هذا الواقع جعل السجن يقع في قلب صراع النفوذ لا على هامش المعركة ضد الإرهاب. تضاربت الروايات حول عدد الفارين، بين حديث “قسد” عن هروب كبير يشمل 1500 شخص، وتأكيد الحكومة السورية أن العدد محدود لا يتجاوز 150 شخص. عكس هذا التضارب بالمعلومات حجم التوظيف السياسي للحادثة، ومحاولة كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الخلل الأمني. وبذلك لم يعد سجن الشدادي مجرد منشأة احتجاز، بل أصبح أداة ضغط ومساومة أمنية تستخدم لإبراز مخاطر الفراغ أو لانتزاع مكاسب سياسية، في ظل غياب مرجعية أمنية موحدة، وتراجع دور التحالف الدولي في الإشراف المباشر.
ويكشف ذلك ضعف منظومة إدارة السجون في المراحل الانتقالية، حيث تتحول مراكز الاحتجاز إلى نقاط ضعف استراتيجية يمكن أن تنفجر عند أول احتكاك عسكري أو سياسي، بما يهدد بإطلاق موجات عدم استقرار أوسع.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: داعش يحاول العودة مجدداً إلى سوريا!
تداعيات هروب عناصر داعش
يرى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن هروب عناصر تنظيم داعش من سجون شمال شرقي سوريا يشكل تطوراً أمنياً خطيراً، لا سيما أنه تزامن مع مرحلة انتقالية اتسمت بتفكك الترتيبات الأمنية السابقة وتراجع التنسيق بين الأطراف المحلية (قسد والحكومة السورية) وانحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز.
وبحسب تقديرات المركز فإن أخطر التداعيات المباشرة تكمن في إعادة إحياء قدرات التنظيم وعملياته داخل سوريا، إذ يمنح الهروب عناصر مجهزة قتالياً فرصة لإعادة بناء الخلايا النائمة واستعادة شبكات الدعم اللوجستي وتنفيذ عمليات استنزاف منخفضة الكلفة وعالية التأثير، خصوصاً في البادية السورية والمناطق الريفية الهشة.
كما يحذر المركز من البعد الدعائي للحادثة، حيث يستثمر داعش رواية كسر السجون لتعزيز معنويات أنصاره واستقطاب عناصر جديدة، مستنداً بذلك إلى تجارب سابقة أثبتت أن مثل هذه الأحداث غالباً ما تسبق موجات تصعيد أمني.
وأما على المستوى الإقليمي فيشير المركز إلى أن هروب السجناء يرفع احتمالات إعادة التنسيق الإقليمي بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، عبر تسلل الفارين من خلال المساحات الصحراوية المفتوحة، مما يزيد الضغط على المنظومة الأمنية العراقية، ويهدد بإعادة تدوير العنف العابر للحدود. وأما على الصعيد الأوروبي فيحمل الهروب مخاطر مضاعفة، في ظل وجود مقاتلين أجانب بين المحتجزين، إذ ترتفع احتمالات العودة غير الشرعية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة داخل دول الاتحاد الأوروبي، ما يعيد طرح إشكالية السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين خارج الحدود، والتي أصبحت بحسب المركز أقل قابلية للاستمرار.
كيف يمكن احتواء الوضع؟
يؤكد المركز الأوروبي أن المعالجة تتطلب تعاون متعدد المستويات. يبدأ أولاً بتحييد ملف السجون عن الصراعات السياسية المحلية، وإنشاء آليات إدارة مشتركة أو رقابة دولية تقنية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار. ثانياً يجب إعادة تفعيل دور التحالف الدولي، ليس فقط عسكرياً، بل استخباراتياً وتقنياً عبر دعم أنظمة المراقبة والإنذار المبكر والاستجابة السريعة لأي تهديدات تستهدف مراكز الاحتجاز. ثالثاً تسريع إعادة المقاتلين الأجانب إلى دولهم الأصلية ومحاكمتهم ضمن أطر قانونية واضحة، بالتزامن مع برامج نزع التطرف وإعادة التأهيل. ومن ثم رابعاً تعزيز التنسيق الإقليمي، خصوصاً بين سوريا والعراق، لضبط الحدود ومنع تسلل الفارين. ويرى المركز أن تجاهل هذه الإجراءات سيحول حوادث الهروب من أزمات أمنية محدودة إلى فرصة استراتيجية لإعادة تموضع تنظيم داعش، بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي على المدى المتوسط والبعيد.
باختصار، العبث بملف سجون داعش لا يستفيد منه أحد، حتى وإن استفاد في المرحلة القريبة فإنه سيواجه تأثيراته فيما بعد وسيدفع الجميع ثمن هذا العبث. وبالتالي التعاون المحلي والإقليمي والدولي لابد منه لتجنب مخاطر داعش. والحوار والتنسيق لا مفر منه بين قسد والحكومة السورية. إذ إنه يشكل الحل الوحيد لإرساء الأمن والأمان للجميع.
اقرأ أيضاً: من يعيد تنظيم «داعش» في سوريا إلى الواجهة؟









