المجتمع السوري

عمال التوصيل في سوريا.. سباق يومي مع المخاطر والرزق المتقطع

في السنة الكبيسة يأتي تاريخ 29 شباط مرة واحدة كل أربع سنوات، وهو يوم نادر وغير منتظم، يشبه تماماً حياة الكثير من العمال اليوم، وهو يوم عيد “قديس المخاطر San Precario”، الرمز الذي ابتكره ناشطون إيطاليون في عام 2004 ليجسّد معاناة العمال المؤقتين، الفريلانسر وكذلك الأعمال التي تفتقد إلى الاستقرار والضمانات.

ربما تبدو هذه الحكاية بعيدة عن سوريا، لكنها قريبة أكثر مما تعتقد، ففي شوارع دمشق وحلب وحمص واللاذقية يتنقل الآلاف من عمال التوصيل في كل ساعة بين الأحياء والمتاجر والمطاعم حاملين معهم طلبات الزبائن على دراجاتهم النارية تحت الشمس الحارقة أو برد الشتاء القارس، يسابقون الزمن والازدحام المروري بحثاً عن طريق يؤمن لقمة العيش، ومع اتساع مجال خدمات التوصيل في سوريا خلال السنوات الماضية اتسعت معها أيضاً قائمة التحديات التي تواجه العمال يوماً بعد يوم.

عمال التوصيل في سوريا والمخاطر

يبدأ يوم “الكابتن” السوري عادة قبل شروق الشمس ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، يرتدي الزي الخاص بالتطبيق أو المطعم ويثبت صندوق التوصيل الذي “اشتراه” من الشركة على دراجة النارية وينطلق في الشوارع، بدون دوام ثابت أو مكتب مريح، عمله كله على الطريق، يتلقى الطلب عبر التطبيق أو من قبل المدير مباشرة ويسرع إلى المطعم ينتظر تجهيز الوجبة لنصف ساعة أو ربما أكثر ومن ثم يسابق الزمن لإيصالها ساخنة قبل انتهاء مهلة التسليم.

أما الدخل فهو غير مستقر ويعتمد على عدد الطلبات والإكراميات ويتقلب المدخول شهرياً وفقاً للمواسم وقدرة الزبائن الشرائية والمنافسة بين آلاف الشباب من عمال التوصيل في سوريا، ممن دخلوا هذا السوق متحملين عدم وجود راتب مضمون أو تكاليف البنزين أو الصيانة فأي يوم عطل هو خسارة فورية.. هذه كلها جزء يومي من المهنة.

أما عن أزمة التنظيم فهي حكاية أخرى يرويها الضغط المتصاعد على هذا القطاع، وهي مشكلة تعانيها العديد من دول العالم وليس سوريا فقط، نظراً لنموه المتسارع واعتماده على أعداد كبيرة من العاملين.

وحاجة السوريين إلى أي فرصة عمل تحسن من مستواهم المعيشي، لا سيما مع ارتفاع نسبة البطالة وتراجع الدخل، يزيد الطين بلةً، وفي هذا السياق يقول السيد صالح لسوريا اليوم 24: “أعمل في مشروع دمر بمهنة توصيل الطلبات ولكن ازدياد أعداد العاملين في هذه المهنة يدفعني في كثير من الأحيان إلى العمل بهامش دخل متدنٍّ لا يغطي تكاليف عملي”.

مهنة تنمو أسرع من الحماية التي تتطلبها

شهد قطاع توصيل الطلبات في سوريا خلال السنوات الأخيرة نمواً كبيراً بشكل خاص مع انتشار تطبيقات الطلبات وتطبيقات المطاعم الخاصة والتي أصبحت تعتمد على “الدليفري” كجزء من نظام العمل، فوجد آلاف الشباب من هذا القطاع فرصة للعمل والدخل خاصة مع العبارات الترويجية التي تطلقها هذه التطبيقات عند  التوظيف مثل “المرونة بالعمل والربح اليومي”.

وقد يعتقد الشاب الباحث عن فرصة عمل أن كلمة مرونة تعني مرونة الوقت والدخل لكنها في الواقع تعني أنه لا عقود رسمية، لا تأمين صحي، لا تأمين اجتماعي، لا تعويض عن الحوادث أو الإجازات المرضية، الشركات أيضاً تكون مرنة لدرجة أنها تأخذ نسبة ثابتة من كل طلبية بينما يتحمل العامل كل التكاليف التشغيلية، فمعظم عمال التوصيل في سوريا يعملون دون حماية مهنية واجتماعية واضحة.

حجز الدراجة تعني خسارة مصدر الرزق

في الفترة الأخيرة نفذت حملات تنظيم الدراجات النارية في دمشق وعدة مدن سورية أخرى مما أدى إلى توقيف ومصادرة مئات الدراجات التي يعتمد عليها عمال التوصيل، فرع مرور دمشق نفذ حملة الحجز للدراجات النارية على اختلاف أنواعها في العاصمة، وتم تسجيل المخالفة بسبب “دخول مدينة دمشق”، وشملت هذه الحملة تطبيقات التوصيل والشركات المختلفة العمل.

عمليات الحجز لم تفرق ما بين الدراجات المرخصة وغير المرخصة، وهذه الإجراءات أثارت حالة واسعة من الجدل والقلق بين عمال التوصيل لأنها تهدد شريحة واسعة من الشباب الذين لا يملكون بدائل عمل أخرى، فيديوهات عدة انتشرت على وسائل التواصل تظهر شباناً يبكون أمام دراجاتهم المحجوزة ويناشدون الجهات المعنية بأن هذه الدراجة هي “رزقهم الوحيد” و”مصدر دخلهم اليومي”.

فالنسبة للعامل الذي يعتمد عمله على دراجته النارية فلا يعني حجز هذه الآلية مجرد مخالفة مرورية وإنما توقف عن العمل، وهو يفقد مصدر دخله الوحيد إلى حين استكمال الإجراءات القانونية واستعادة الدراجة والتي قد تصل إلى عدة أسابيع في حين تتراكم المصاريف اليومية عليه دون أي دخل مما يضعه أمام ضغوط معيشية إضافية.

عندما يتحمل عمال التوصيل كل المخاطر

تنبع الأسباب الكامنة وراء هشاشة مهنة التوصيل من عدة عوامل تتعدى أزمة غياب التأمينات أو احتمال فقدان الدراجة النارية لتشمل طبيعة العلاقة نفسها ما بين العامل والشركة، ففي معظم الحالات يتم التعامل مع العمال كمستقلين يحصلون على أجر مقابل كل طلب ينجزوه لا كموظف تقليدي له حقوقه وعليه واجبات.

وهذه العلاقة توسع أعمال الشركات وتقلل نفقاتها لكنها تتسبب بالمشاكل للعامل نفسه، فعندما ترتفع أسعار الوقود يرى نفسه مجبراً على تحمل الفرق، وعندما يتعرض لحادث مروري أو إصابة أثناء العمل لا يجد غالباً جهة تتحمل المسؤولية عنه أو تعوض خسارته.

أما على المستوى النفسي فيعيش “الكابتن” تحت ضغط دائم لما يعرف بتقييمات الزبائن في التطبيق والتي تتحكم بمستقبله اليومي، فالتقييم المنخفض قد يقلل من الطلبات الموجهة إليه بالإضافة إلى الزبون الغاضب بسبب التأخر أو الانتظار الطويل أمام المطاعم وغيرها من المشاكل التي يواجهها شباب هم بأغلبهم طلاب جامعيون أو حديثي التخرج ممن لم يجدوا فرص عمل في اختصاصهم.

اقتصاد المنصات الرقمية

هذا النمط من العمل ينتشر في دول العالم ويعرف باقتصاد المنصات الرقمية أو اقتصاد الوظائف المؤقتة، حيث تعتمد الشركات على العمال المستقلين لتقديم الخدمات عبر تطبيقات إلكترونية بدل التوظيف التقليدي، ويقدر عدد العاملين في هذا المجال حوالي 1.1 مليار شخص حول العالم وذلك لعام 2024-2025 كما يشكلون نحو 38% من القوى العاملة العالمية.

وفي سوريا يتجسد هذا المجال بوضوح في قطاع توصيل الطلبات، التطبيقات تروّج للمرونة في العمل والربح اليومي السريع، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً فالعامل يبدو مستقلاً على الورق إلا أنه في الحقيقة مرتبط بشروط الشركة، فالخوارزمية هي التي تقرر كم طلب يحصل عليه يومياً وتقييمات الزبائن تحدد دخله والشركة لا تتحمل أي التزامات تتعلق بالتأمين أو الضمانات.

وقبل أيام قليلة اعتمدت منظمة العمل الدولية أول اتفاقية دولية خاصة بالعاملين في اقتصاد المنصات الرقمية، وجاء ضمنها مجموعة من الحقوق الأساسية للعمال ومنها ضمان أجور عادلة وعدم ترك العامل تحت رحمة تقلبات الطلب، توفير الحماية الاجتماعية من تأمينات وتعويضات، حماية العمال من الطرد التعسفي أو إيقاف الحسابات بشكل مفاجئ من قبل المنصات الرقمية، ضمان حق العمال في تقديم الشكاوى والاعتراض على القرارات التي تمس عملهم أو مصدر رزقهم.

وإذا كانت هذه القضايا تشغل منظمات دولية اليوم فهي أكثر ضرورة وحاجة لعمال التوصيل في سوريا الذين يعمل الكثير منهم في ظروف مماثلة دون حماية واضحة، فوراء كل طلب يصل دافئاً إلى باب المنزل هناك شاب سوري يسابق الحر والبرد والازدحام والمخاطر، وهو ينتظر يوماً لا يأتي إلا مرة كل أربع سنوات، فالرزق الذي يسعون لأجل تأمينه لأسرهم يستحق أن يكون أكثر استقراراً وكرامة.

اقرأ أيضاً: بين التنظيم والمعيشة: حمص تصدر تعليمات الترخيص للدراجات النارية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى