سياسة

عمالة الأطفال في سوريا .. بين الحاجة والإهمال

بقلم: ديانا الصالح

من حلم بناء الإنسان إلى إنتاج الفقر، هكذا تبدو سوريا القديمة والجديدة، بلد لم تتبدل ملامحه نسيجاً ضعيفاً منهكاً قادته سنوات الحرب الطويلة إلى طريق مسدود لا يُفتح إلا بأيادٍ سياسية حكيمة، تصنع الفرق باتباع النهج الصحيح وتفضيل مصلحة الوطن على المصالح الشخصية وشبكات المحسوبيات.

محسوبيات أودت بالهيكلية المؤسساتية نحو الاختلال والفساد، الذي انعكس بشكل مباشر على حياة السوريين ومعيشتهم، نتيجة لذلك ازدادت مظاهر الفقر والضعف البنيوي في الخدمات الاجتماعية وما تبعها من مخرجات مأساوية كظاهرة عمالة الأطفال في سوريا التي باتت اليوم مظهراً مألوفاً وحاجة ضرورية للبقاء، لا مجرّد امتداد للعمل العائلي والصقل المهني كما كان متبعاً قبل سنوات الحرب عند بعض العوائل الريفية.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

ظاهرة عمالة الأطفال في سوريا

لا تزال أزمة عمالة الأطفال ظاهرة تفرض نفسها بقوة على المجتمع السوري، نتيجة للفقر والبطالة وغياب دور المؤسسات المجتمعية والاقتصادية، التي أفضت إلى اضطرار الأهالي إلى الاختيار بين التعليم أو البقاء على قيد الحياة، وعلى الرغم من الآمال التي كانت معقودة بمخرجات التحرير إلا أنها سرعان ما خابت بفعل التقصير الواضح تجاه البناء الاجتماعي والاقتصادي، وفقاً لما يراه محللون.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس دائرة الخدمات والرعاية الاجتماعية في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بمحافظة دير الزور، يحيى عبد المنعم السلامة، أن الأسباب الكامنة وراء انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في المحافظة، تتمحور حول ضعف المدخول الأسري، إلى جانب فقدان المعيل، مما يؤدي إلى توجههم نحو سوق العمل في أعمار صغيرة، مشيراً إلى أن حالة التسرّب المدرسي هي العامل الرئيسي لتفاقم هذه الأزمة.

سياسات اقتصادية واجتماعية هشة

يرى خبراء اقتصاديون أن أزمة عمالة الأطفال في سوريا، تضع الثغرات الكبيرة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية تحت المجهر، فعدم وضوح الرؤى الاقتصادية بعيدة الأجل يخلق حالة من الموت التنموي التدريجي، نتيجة توجه السياسات نحو خطط قصيرة المدى دون إيجاد حلول جذرية لعوائق النمو الوطني.

كما يبرز استمرار الاعتماد على الاقتصاد الريعي وتهميش القطاعات الإنتاجية الفاعلة كالزراعة والصناعة، أحد أهم أسباب ضعف الاقتصاد الوطني، مما يؤدي إلى التبعية الاقتصادية وتقويض القدرة الشرائية وجر المجتمع السوري نحو التهلكة المعيشية، ما ينعكس بشكل مباشر على تفاقم ظاهرة الاعتماد على الأطفال لزيادة مدخول الأسرة، على حساب حقهم في اللعب والتعلم.

أما بالنسبة لدور السياسات الاجتماعية فيراه مراقبون، شبه غائب، فبدلاً من أن تشكل مظلة حماية للأسر الفقيرة، دفع قصورها الأهالي نحو اعتماد استراتيجيات قاسية للبقاء، ولو على حساب مستقبل أطفالهم.

ويتجلى ذلك الخلل بغياب البدائل الاقتصادية والتعليمية كالإعانات والمنح المالية الكفيلة بسد رمق معيشتهم ولو بشكل بسيط، وانعدام الرقابة الفاعلة لحماية الأطفال في سوق العمل.

علاوة على ذلك، أدى عدم ربط المناهج التعليمية باحتياجات سوق العمل إلى خلق جيل يفتقر للمهارات المطلوبة، مما رسخ القناعة لدى الآباء بأن زجّ أطفالهم مبكراً في سوق العمل لتعلم مهنة مفيدة أجدى لهم من تعليم أكاديمي لا يسمن ولا يغني من جوع.

تساؤلات مشروطة

يشير ناشطون إلى أن المنظومة السياسية السائدة قبل التحرير لم تتغير كثيراً اليوم، مع إعادة تدوير رموز سابقة محسوبة على النظام المخلوع، لتغدو وجهات اقتصادية بحلة جديدة، ما يعيد إنتاج دائرة مغلقة تحقق مصالح النخب المقربة من السلطة على حساب المواطنين، ويؤدي إلى استمرار احتكار الثروات وتشجيع الفقر بأشكاله المتعددة، بعيداً عن فرص التنمية المستدامة واستثمار الإنسان.

فأين الجديد الذي تغنت به احتفالات التحرير وخطابات التدشين للمشاريع الحديثة التي لم تتُرجم واقعاً بل بقيت خاوية تقصّ آمال السوريين كشريط الافتتاح وفقاً لما وصفه سياسيون محليون.

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة توجيه حصة كبيرة من الاستثمارات الموعودة نحو القطاعات الخدمية والإنتاجية كقطاع الزراعة والصناعة والتعليم، فنسبتها حتى الآن محدودة جداً مقارنة بمشاريع السياحة والنقل، رغم أهميتها الفائقة في نهضة الواقع الاقتصادي المستدام، الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم، وفقاً للتقديرات التحليلية، فعلى سبيل المثال: إغفال قطاع الزراعة السوري الذي يعتبر عمود الإنتاج يهدد ما تبقى من أمن غذائي متهالك، ويحرم السوريين من فرص عمل مستدامة كفيلة بإنقاذ الأطفال من مغبة العمالة وخطر التسرب المدرسي.

بيانات إحصائية

تؤكد بيانات حديثة صادرة عن منظمة اليونيسف أن أكثر من 2.4 مليون طفل سوري بين سنّ 5‑17 عاماً خارج التعليم، مع أكثر من 1 مليون معرضين لخطر التسرب، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على مخاطر توجه الأطفال نحو سوق العمل وتعرضهم للاستغلال.

فيما تشير تقارير محلية وتقديرات إعلامية إلى ارتفاع نسبة عمالة الأطفال في سوريا لتبلغ 25% من إجمالي عدد العمال، مقارنة بمعدل 10% قبل سنوات الحرب، أي أن العدد تضاعف بشكل ملحوظ خلال سنوات الصراع.

كما تؤكد تقارير ميدانية رصد حوالي 413 طفل خلال عام 2020، يعملون في المناطق الصناعية ضمن محافظة السويداء، تحديداً في مدينة السويداء وبلدتي سلخد وشهبا.

وفي ضوء ذلك، تقدم منظمتا اليونيسف والعمل الدولية مجموعة من الاقتراحات لدفع عجلة التعافي من ظاهرة عمالة الأطفال، نذكرها كالتالي:

  • الاستثمار في حماية الأسر الفقيرة، عبر تقديم الإعانات والجهود التي من شأنها تغطية حاجاتها الأساسية.
  • تعزيز القوانين والأنظمة الخاصة بحماية الأطفال.
  • توفير فرص عمل كريمة للشباب، مع ضمان حقوقهم.
  • تطبيق القوانين المتعلقة بحماية الأطفال من مخاطر الاستغلال، وتفعيل مبدأ المحاسبة.

تبقى مسألة عمالة الأطفال في سوريا اختباراً حقيقياً لمدى نجاعة الجهات المسؤولة في طيّ صفحة الفقر والتردي الاجتماعي الاقتصادي، والسعي نحو تكوين مجتمع قائم على استثمار القدرات البشرية بشكلها الصحيح، من خلال حماية الطفولة وتعزيز الأنظمة والقوانين للحد من ظاهرة العمالة والتسرب المدرسي على حدٍّ سواء، إضافة إلى تفعيل برامج دعم للأسر الفقيرة، وتوفير فرص عمل مع الحفاظ على حقوق المواطنين بالحياة المعيشية الكريمة.

اقرأ أيضاً: العملة السورية الجديدة وشرعيتها الدولية.. ماذا قال الاقتصاديون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى