أعمال واستثمار

على رأسها أساليب الزراعة القديمة.. استنزاف الموارد المائية القاتل

بقلم: ريم ريّا

في بلدٍ يعرف تاريخياً “بأرض الأنهار والينابيع”، تحول الماء في سوريا من موردٍ طبيعي إلى أزمة وجودية تتغلغل بصمت في تفاصيل الحياة اليومية. لم تعد النقاشات حول ندرة المياه جدلاً بيئياً أو نقاشاً تقنياً بين الخبراء، بل أصبحت واقعاً يعيشه المواطنون في منازلهم، والمزارعون في أراضيهم، والدولة في حساباتها الاقتصادية.

على الرغم من الأمطار التي قد تبدو واعدة في بعض المواسم، إلا أن الوضع الأعمق يكشف عن خللٍ مزمن في إدارة موارد المياه. يتسارع معدل استنزاف المياه، لا سيما في القطاع الزراعي الذي يستهلك الجزء الأكبر منها، في وقتٍ تتضاءل فيه قدرة الموارد الطبيعية على تجديدها. بين الآبار غير المنظمة، والمحاصيل التي تستهلك من المياه أكثر من اللازم، والسياسات التي فشلت في التكيف مع تغير المناخ، تتضح معالم أزمة مياه معقدة، تتجاوز الجفاف وتؤثر على بنية الاقتصاد والأمن الغذائي.

في هذا السياق، لم تعد المشكلة مجرد مسألة معدلات استهلاك أو هطول أمطار. لقد أصبحت معادلة معقدة، كيف يمكن لسوريا أن توازن بين حاجتها إلى إنتاج الغذاء والحفاظ على مواردها المائية المتبقية؟ يبدو سؤالاً بسيطاً، لكنه في الواقع يجسد واحدة من أخطر الأزمات الصامتة التي تهدد مستقبل البلاد. والنقطة الجوهرية هنا: كيف يتم تحديث الزراعة بحيث تصبح متكيّفة مع واقع المياه السوري، وقابلة للاستدامة؟

جذور أزمة المياه في سوريا… استنزاف قديم يتفاقم مع الزمن

لا تعزى أزمة المياه في سوريا إلى الحرب أو تغير المناخ، بل إلى عقود من سوء إدارة موارد المياه. تاريخياً، اعتمدت البلاد على نموذج زراعي كثيف الاستهلاك للمياه، وهو نموذج لا يتناسب مع محدودية موارد المياه. منذ بداية العقد الماضي، تحول هذا الخلل إلى أزمة هيكلية واضحة، لا سيما مع انخفاض معدل هطول الأمطار وتزايد الضغط على المياه الجوفية.

تشير البيانات إلى أن متوسط ​​هطول الأمطار في سوريا انخفض ​​إلى حوالي 291.59 ملم في عام 2024، مقارنةً بـ 299.42 ملم في عام 2023، أي بانخفاض يزيد عن 100 ملم مقارنةً بعام 2017. وهذا ما أثار قلقاً بالغاً لبلد يعتمد جزئياً على هطول الأمطار. علاوة على ذلك، ازدادت الحاجة إلى المياه الجوفية بشكل كبير لتعويض هذا النقص، مما أدى إلى استنزافها بما يتجاوز قدرتها على التجدد الطبيعي.

تؤكد الأدلة على ندرة المياه أن الوضع قد بلغ مستوى خطيراً. في مناطق مثل حلب وإدلب، يتجاوز نقص المياه 4.06 من أصل 5، بينما يصل مؤشر نقص المياه إلى 4.25، وهو مستوى يصنف على أنه “شديد الخطورة”. وهذا يعني ببساطة أن المياه تُستهلك بوتيرة أسرع بكثير من معدل تجددها، وهي معادلة واضحة لا تتطلب عبقرية لفهمها.

اقرأ أيضاً: 2500 مواطن في لطمين ينتظرون حلاً لأزمة المياه

الأسباب المركبة للاستنزاف… الزراعة أولاً، وسوء الإدارة دائماً

من الحقائق اللافتة في هذا السياق أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 88% من إجمالي موارد المياه في سوريا، مقارنةً بمتوسط ​​عالمي يبلغ 70%، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). ويمثل هذا فرقاً قدره 18 نقطة مئوية، وهو ليس قليلاً كما يدعي البعض.

ووفقاً لتصريحات أحمد الكوان، المدير العام للهيئة العامة للموارد المائية، وتوضيحات الدكتور إيهاب جناد من المركز العربي لبحوث المناطق القاحلة، فإن هذا الاستهلاك المرتفع مرتبط باختلال التوازن في الأنماط الزراعية القائمة على محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه. فهناك محاصيل تتطلب كميات كبيرة من المياه، كالرز والموز وقصب السكر، ومحاصيل أخرى تستهلك كميات كبيرة من المياه، كالقطن والذرة، والتي لا تزال تزرع حتى في المناطق التي تعاني أصلاً من ندرة المياه.

ولا تقتصر المشكلة على نوع المحصول فحسب، بل تمتد لتشمل أساليب الري. فالري السطحي التقليدي لا يزال منتشراً على نطاق واسع، رغم انخفاض كفاءته مقارنةً بتقنيات مثل الري بالتنقيط. يبدو أن المبدأ الأساسي هو: “لماذا ندخر الماء إذا كان من السهل إهداره؟”.

لكن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد. فالاستخدام الواسع للطاقة الشمسية في الزراعة، رغم مزاياها، قد سرع من استنزاف المياه الجوفية. وبخفض تكاليف الضخ، شجع ذلك على استخراج المياه بكميات تتجاوز معدل التجديد السنوي. والنتيجة؟ آبار جافة وتحول تدريجي للأراضي القاحلة.

ثم هناك عامل أقل وضوحاً، ولكنه لا يقل خطورة: “الماء الافتراضي”. يتطلب إنتاج طن واحد من الزيتون حوالي 5000 متر مكعب من الماء، بينما يتطلب لتر واحد من زيت الزيتون حوالي 20000 لتر. ومع تصدير آلاف الأطنان سنوياً (500 طن من شركة واحدة في السنة)، فإن سوريا، في الواقع، تصدر مياهها إلى الخارج في زجاجات أنيقة.

الحلول الممكنة… بين التقنيات الحديثة والإرادة الغائبة

على الرغم من خيبة الأمل، فإن الحلول ليست غامضة ولا مستحيلة، لكنها تتطلب ما يبدو أنه العنصر الأصعب تحقيقاً: الإدارة الفعّالة. تشير المقترحات التي طرحها الخبراء، بمن فيهم الدكتور إيهاب جناد، إلى سلسلة من الإجراءات العملية، من أبرزها، التحول إلى الري بالتنقيط لتحسين كفاءة استخدام المياه، مع إدخال تقنيات تجميع مياه الأمطار لتخفيف الضغط على المياه الجوفية.

بالإضافة إلى إعادة هيكلة المشهد الزراعي للحد من زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، إونشاء جمعيات لمستخدمي المياه لتحسين إدارة الموارد المحلية، وتعزيز خدمات الإرشاد الزراعي والمائي لرفع مستوى وعي المزارعين.

إضافةً إلى ذلك، تعد معالجة المخلفات الزراعية، مثل مخلفات معاصر زيت الزيتون، ضرورة بيئية ملحة، لاحتوائها على سموم تلوث التربة والمياه الجوفية في حال عدم التخلص منها بشكل سليم. ويحدث هذا بالفعل في العديد من المناطق، على الرغم من عدم تفعيل اللوائح التنظيمية.

الاقتصاد يربح… والمياه تدفع الثمن

تكمن المفارقة الأكثر تعقيداً في أزمة المياه السورية ليس فقط في ندرة المياه بحد ذاتها، بل أيضاً في كيفية إدارة هذا المورد ضمن النظام الاقتصادي. فبينما تسعى البلاد إلى تعزيز الإنتاج الزراعي وزيادة الأرباح الاقتصادية، تستهلك كميات هائلة من المياه دون مراعاة تكلفتها الحقيقية، وكأنها مورد مجاني لا ينضب.

تكمن المشكلة في غياب مفهوم “قيمة المياه” في السياسة الاقتصادية. إذ لا تؤخذ كمية المياه المستخدمة في المحاصيل بعين الاعتبار عند تحديد الأولويات الزراعية أو تخصيص الدعم. ونتيجةً لذلك، تستمر زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في بيئات تعاني أصلاً من ندرة المياه، مما يؤدي إلى استنزاف سريع لاحتياطيات المياه الجوفية سعياً وراء مكاسب اقتصادية لا تعوّض هذه الخسائر.

يؤدي هذا الخلل إلى تفاوت اقتصادي، فالمكاسب قصيرة الأجل تقابلها خسائر استراتيجية طويلة الأجل فيما يتعلق بالأمن المائي. والأسوأ من ذلك، أن نمط الاستهلاك هذا يحدث في ظل تناقص الموارد الطبيعية وغياب سياسات سليمة لإدارة المياه، مما يحول الأزمة من تحدٍّ يمكن السيطرة عليه إلى انزلاق تدريجي نحو ندرة المياه.

في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في ندرة المياه بحد ذاتها، بل في كيفية إدارتها. فعندما تعتبر المياه عاملاً ثانوياً في معادلة الإنتاج، تكون النتيجة حتمية، اقتصاد يجني فوائد مؤقتة… على حساب مورد لا يُعوّض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى