على أبواب المشافي الخاصة.. معاناة تتجاوز المرض إلى تكاليف العلاج

بقلم هلا يوسف
لم يعد المرض وحده مصدر القلق بالنسبة لكثير من الأسر السورية، بل أصبحت تكلفة العلاج نفسها تحدياً لا يقل صعوبة عن الحالة الصحية التي يواجهها المريض. فمع الارتفاع المستمر في أسعار الخدمات الطبية والأدوية، وتزايد الضغط على المستشفيات الحكومية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة الملحة للعلاج والقدرة المحدودة على تحمل نفقاته. وهنا تبرز قضية تكاليف الرعاية الصحية وجودة الخدمات الطبية باعتبارها من أبرز القضايا التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وتطرح تساؤلات حول واقع القطاع الصحي وقدرته على تلبية احتياجات المرضى في الظروف الحالية.
ارتفاع تكاليف العلاج ومعاناة المواطنين
أدى ارتفاع أسعار الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة إلى زيادة معاناة المرضى، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ففي محافظة دير الزور تصل تكلفة الليلة الواحدة في بعض المستشفيات الخاصة تتراوح بين 3 و10 ملايين ليرة سورية، بينما تصل تكلفة الحاضنة للطفل السليم إلى نحو مليون ليرة يومياً، وترتفع في حال وجود مشاكل صحية لدى الطفل.
وفي تجربة مواطن آخر قال أنه بلغت تكلفة وضع طفلته في حاضنة بأحد المستشفيات الخاصة في دير الزور لمدة ثماني ساعات فقط نحو 700 ألف ليرة سورية. وأضاف أنه اضطر لاحقاً للتوجه إلى مستشفى حكومي، لكنه لم يجد جميع الخدمات المطلوبة، إذ كلفه إجراء فحص “إيكو القلب” خارج المستشفى 150 ألف ليرة سورية. وأكد أن دخول المستشفيات الخاصة أصبح أمراً صعباً بالنسبة لأصحاب الدخل المتوسط.
وتشمل شكاوى المواطنين أيضاً ارتفاع أسعار العديد من الخدمات الطبية الأخرى. فقد ذكر مواطن في دمشق أنه دفع مليوناً ونصف المليون ليرة سورية لإجراء صورة طبقي محوري ليد طفله بعد إصابة طفيفة، معتبراً أن هذه التكاليف أصبحت تفوق قدرة معظم الأسر السورية، بينما تصل تكلفة الرنين المغناطيسي 800 ألف ليرة سورية. ولا تقتصر الشكاوى على الفحوصات الطبية فقط، بل تشمل أيضاً تكاليف العمليات الجراحية والعناية المشددة والأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة وجلسات تنقية الدم.
جودة الخدمات الطبية وآليات الرقابة
إلى جانب ارتفاع التكاليف، تبرز تساؤلات حول جودة بعض الخدمات الطبية المقدمة في المستشفيات الخاصة. وفي هذا الإطار، تحدثت طبيبة حديثة التخرج تعمل في أحد المستشفيات الخاصة بدمشق، عن وقوع بعض الحالات الناتجة عن أخطاء تمريضية أو ضعف المتابعة داخل أقسام العناية المشددة.
وأشارت إلى أن بعض الأخطاء المتعلقة بإعطاء الأدوية أو متابعة المرضى جرى التعامل معها داخل المستشفى من خلال إجراءات إدارية محدودة دون الإعلان عنها بشكل واسع. ورغم عدم توفر وثائق رسمية تثبت هذه الحالات، فإن تكرار الشكاوى المتعلقة بجودة الخدمات الطبية يثير تساؤلات حول فعالية الرقابة الداخلية وآليات التعامل مع شكاوى المرضى.
الإجراءات الرسمية لمتابعة الشكاوى
أكد نقيب الأطباء مالك العطوي أن نقابة الأطباء تستقبل بشكل شهري عدداً من الشكاوى المتعلقة بالأطباء والخدمات الطبية، وتقوم اللجان المختصة بدراسة كل شكوى على حدة. وأوضح أن الحالات التي يثبت فيها وجود خطأ طبي أو إهمال تبقى محدودة، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين الخطأ الطبي وبين المضاعفات التي قد تحدث أثناء العلاج رغم الالتزام بالأصول الطبية.
من جهته، أوضح مدير مديرية المنشآت الصحية في وزارة الصحة واصل الجرك أن عدد المستشفيات الخاصة العاملة في محافظة دمشق يبلغ 46 مستشفى، في حين يوجد 8 مستشفيات مغلقة وخارج الخدمة. وأضاف أن وزارة الصحة هي الجهة المسؤولة عن تحديد أجور الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة وفق تسعيرات رسمية تعتمد على دراسات ومعايير محددة.
كما بين الجرك أن المستشفيات الخاصة تخضع لجولات رقابية دورية للتأكد من التزامها بالتسعيرات الرسمية وجودة الخدمات الطبية، مشيراً إلى أن الوزارة اتخذت خلال الفترات الماضية إجراءات قانونية بحق بعض المستشفيات المخالفة شملت تنظيم ضبوط وفرض عقوبات وفق القوانين النافذة.
وبالعودة إلى الأرقام في العام الماضي، فقد تلقت الوزارة 89 شكوى، منها 78 شكوى تتعلق بمخالفات مالية، بينما تتعلق بقية الشكاوى بأخطاء أو حالات إهمال طبي. وأكد أنه تمت معالجة جميع الشكاوى المالية وإعادة المبالغ إلى أصحابها، في حين ما تزال الشكاوى الطبية قيد التحقيق.
باختصار، تكشف قصص المرضى والأرقام الرسمية الواردة في هذا التقرير أن الرعاية الصحية لم تعد تقتصر على الجانب الطبي فقط، بل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بالقدرة المادية للأسر. فبين مواطن يبحث عن سرير في مستشفى حكومي، وآخر يعجز عن دفع تكاليف الفحوصات أو العلاج في القطاع الخاص، تتجلى التحديات التي تواجه شريحة واسعة من المجتمع في الحصول على حقها في الرعاية الصحية.
اقرأ أيضاً: دير الزور: رحلة المريض بين المستشفيات… عندما تقرر الكهرباء مصير العلاج!









