علمياً.. لماذا نقرأ الرسالة ذاتها لكن نختلف في طريقة تفسيرها؟

بقلم هلا يوسف
جميعنا شاهد مقطع الفيديو الذي أظهر مديرة مدرسة في دمشق تضرب طالب بالعصا على يده. وعلى الرغم من أن هذا المقطع لم يتجاوز الدقيقة الواحدة، إلا أنه كان كافياً ليشعل آلاف التعليقات. غير أن الغريب هو تفاوت الآراء حوله، فبعض الناس رأوا فيه اعتداءً واضحاً على الطالب، وآخرون قالوا أن الطلاب أصبحوا أقل أدباً مع معلميهم. وهناك من أكد أننا لا نعرف ماذا فعل هذا الطالب حتى أخذ هذا العقاب. المدهش أن الجميع شاهد المقطع نفسه، ثانية بثانية، لكن لا أحد رآه بالطريقة ذاتها.
هذا المشهد يذكر بما أشار إليه الباحثان آني ستيرنيسكو وجاي فان بافيل من جامعة نيويورك، حين أوضحا في نشرة بحثية حديثة أن الناس قد يشاهدون الرسالة نفسها، لكنهم يصلون إلى استنتاجات متناقضة تماماً، لأن عقولهم لا تكتفي بالرؤية، بل تعيد تفسير ما تراه وفق ما تحمله من أفكار ومعتقدات.
هذه الحكاية ليست جديدة. فقبل أكثر من سبعين عاماً، أجرى عالما النفس ألبرت هاستورف وهادلي كانترل دراسة شهيرة، عرضا فيها لقطات متطابقة لمباراة كرة قدم على طلاب جامعتين مختلفتين. ورغم أن الجميع شاهد المباراة نفسها، إلا أن كل مجموعة رأت المخالفات بطريقة مختلفة، وكأنها كانت تشاهد مباراة أخرى.
والأمر ذاته نلمسه اليوم مثلاً في مباريات كرة القدم المحلية في سورية، حيث يجلس المشجعون أمام الشاشة نفسها، لكن جمهور فريق يرى الحكم ظالماً، بينما يراه الآخر عادلاً تماماً. وهنا نستنتج أن الانتماء وحده كفيل بتغيير طريقة الرؤية.
ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت هذه الفجوة أكثر. فعندما نقرأ منشوراً أو تعليقاً، نفترض غالباً أن فهمنا هو الفهم الصحيح، ولا يخطر في بالنا أن النص قد يحتمل أكثر من معنى. هذا ما أطلق عليه الباحثان هربرت كلارك وديانا شوبر عام 1992 اسم افتراض قابلية التفسير، أي اعتقادنا التلقائي بأن ما فهمناه هو بالضبط ما قصده الكاتب.
فقد يكتب شخص منشوراً بسيطاً مثل: “لا بد من حماية أولادنا في الشارع”، فيفهمه البعض على أنه دعوة للانتباه لحوادث السير، بينما يراه آخرون إشارة لمشاكل اجتماعية أو سلوكية. الكلمات واحدة، لكن المعاني تتعدد، لأن القارئ لا يقرأ النص وحده، بل يقرأه من خلال تجاربه وما يشغله في تلك اللحظة.
وتشير أبحاث حديثة، مثل دراسة دولجين وزملائه (2025) حول تفسير التغريدات، إلى أن الهوية والخلفية الشخصية تلعب دوراً أساسياً في الفهم. ففي هذه الدراسة، لم تكن أي عبارة مفهومة بالطريقة نفسها لدى جميع القراء، حتى عندما كان الكاتب واثقاً تماماً من وضوح قصده. فالعمر والخبرة في استخدام وسائل التواصل، والانتماءات الفكرية، كلها عوامل أثرت في التفسير.
ولا يقتصر الأمر على القرّاء فقط، بل يظهر حتى في الأبحاث التقنية. فقد أظهرت دراسة برابها كاران وآخرين (2021) أن الأشخاص من خلفيات مختلفة يصنفون المنشورات نفسها بطرق متباينة عند تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على رصد السخرية أو خطاب الكراهية، وهو ما يفسر سبب انحياز بعض الخوارزميات.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب طبيعة وسائل التواصل نفسها، كما يوضح شوبر ودولجين (2025). فكل شخص يرى محتوى مختلفاً حسب من يتابعهم، ويقرأ منشورات خرجت من سياقها الأصلي بسبب إعادة النشر. ومع كل مشاركة، تظهر طبقة جديدة من الفهم أو سوء الفهم، ويصبح القارئ مضطراً لتخمين نية الكاتب الأصلي، ومن أعاد النشر ولماذا.
ورغم ذلك، لا يمكن القول إن سوء الفهم سببه دائماً قلة انتباه. فأحياناً يكون الناس منتبهين فعلاً، لكن لأمور مختلفة. هذا ما أشار إليه سانكارام وشوبر (2015) حين أوضحا أن مجرد إمكانية التفاعل والتعليق تغير طريقة القراءة نفسها، وتجعل القارئ يكمل المعنى بسرعة، حتى لو لم يذكر صراحة.
وفي النهاية، يبقى هذا الاختلاف جزءاً لا يتجزأ من التواصل البشري. فسواء كنا نشاهد مقطع فيديو، أو نقرأ منشوراً، أو حتى نفسر رمزاً تعبيرياً صغيراً، فإننا لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن. وكما قالت الكاتبة أناييس نين: “نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل نراها كما نحن نريدها أن تكون”.
اقرأ أيضاً: علمياً.. لماذا نجامل وكيف تكون ردود فعلنا؟









