علمياً.. لماذا نجامل وكيف تكون ردود فعلنا؟

بقلم هلا يوسف
تعد المجاملات جزء طبيعي من حياتنا، لكنها قد تثير مشاعر مختلطة. فبعض الناس يحبون سماعها، بينما يشعر آخرون بعدم الارتياح أو الخجل. وقد نجد أنفسنا أحياناً لا نعرف كيف نتعامل مع الثناء لأننا نشعر بالنقص أو نخاف من الاعتماد على تقدير الآخرين. هذا الصراع النفسي شائع، ويفسره أخصائي الصحة النفسية ليون غاربر عبر دراسة نشرها على موقع psychologytoday من خلال فكرة الكمالية والتشاؤم الدفاعي.
حيث تعد الكمالية محاولة لتعويض شعور بالنقص من خلال الجهد المستمر والسعي للكمال. فالشخص الكمالي يريد أن يثبت جدارته لنفسه وللآخرين، لكنه غالباً يشعر بالخجل من اعتماده على رأي الآخرين. لذلك يصبح استقبال المجاملات صعباً، وقد يفكر “هل هذه المجاملة صادقة؟” أو “هل كنت مخطئاً بشأن نفسي وقدراتي؟”.
وفي طريقة أخرى للدفاع عن النفس قد يلجأ بعض الكماليين إلى التشاؤم الدفاعي، أي التركيز على عيوبهم لتجنب الشعور بالرضا عن النفس. هذا يعطيهم شعوراً غير حقيقي بالسيطرة، لكن في الحقيقة يجعلهم أقل قدرة على تقدير أنفسهم. وبالتالي قد تذكرهم المجاملات دائماً بأنهم ليسوا كاملين، وهذا يخلق شعوراً بالقلق والارتباك.
ترى ريبيكا ستون، مؤسسة ومديرة مركز بروكلين للعلاج، أن الخوف من تلقي الإطراء له أساس جسدي وجيني، إذ يمكن أن ينتقل شعور القلق عبر الأجيال. وتوضح ستون أن تلقي الثناء قد ينظر إليه على أنه تهديد جسدي، فيظهر على شكل تسارع ضربات القلب، وخفقان في المعدة أو الصدر، ورغبة ملحة في إنهاء اللحظة بسرعة. من المنطقي، بحسب ستون، أن تشعر النساء اليوم بضغط أكبر، خصوصًا في المجموعات الصغيرة، حيث قد يُعتبر الظهور العلني علامة ضعف.
وتضيف لونهين، من نفس المركز، أن هذا الشعور أكثر وضوحًا عند النساء مقارنة بالرجال، بسبب تفاوت الفرص والمناصب القيادية. فالرجال غالباً ما يتمتعون بمزيد من السلطة والفرص، بينما تواجه النساء ضغوطاً أكبر لتحقيق النجاح، مما يجعل الإطراء أحياناً يبدو وكأنه امتحان أو استهداف بدلاً من مدح. وقد يثير تلقي الثناء توتراً إضافياً، إذ قد يتساءل الشخص: “إذا قبلت هذا الإطراء، هل ستزداد التوقعات مني؟”، أو يشعر بأنه ملزم بالرد بالمجاملة حتى لو لم يكن يقصدها.
رغم بساطة تقبل الإطراء، إلا أنه يحمل أثراً كبيراً على الصحة النفسية والثقة بالنفس. وتؤكد لونهين أن القيمة الحقيقية تكمن في تعلم الاستمتاع بالمدح والاعتراف بالإيجابيات دون تراجع أو شعور بالخجل. ومن أجل تحقيق ذلك، تنصح ستون عند تلقي أي مجاملة بالتوقف للحظة وأخذ نفس عميق، وملاحظة أماكن التوتر في الجسم، والتركيز على الشعور بالراحة. هذا التمرين يساعد على تقبل الإطراء بشكل أفضل واختيار رد فعل واعٍ بدلاً من رد الفعل التلقائي.
أما عن كيفية الرد، فتشدد لونهين على البساطة: يمكن الاكتفاء بقول “شكراً لك” أو إضافة عبارة “أنا أقدر ذلك” إذا رغبت في المزيد من التأكيد. الأمر بسيط جداً، لكنه فعال في كسر عادة التهرب أو التقليل من شأن الثناء.
وقد يحولنا الخوف من مواجهة أنفسنا ونقاط ضعفنا إلى التركيز فقط على الإنجازات والعمل المستمر، كطريقة للهروب من التساؤل عن الذات. لكن الحاجة للتقدير والاعتراف بالجهد موجودة فينا جميعاً، ويجب أن نتعلم كيف نقبلها دون شعور بالذنب أو الشك.
في النهاية، الصراع الداخلي بين تقدير الذات والخوف من الضعف هو شيء طبيعي. لذلك علينا تقبل أنفسنا كما هي ونستمع للمدح والنقد بطريقة هادئة وحكيمة حتى نستطيع تحقيق التوازن النفسي دون الانحياز نحو الغرور أو التقليل من النفس.
اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يكون الطعام مسبباً للإدمان؟









