علكة ثمن الباقي! أزمة فراطة في السوق بعد انتهاء مهلة استبدال العملة

بقلم هلا يوسف
بعد انتهاء عملية استبدال العملة بدأت مشكلة كبيرة نوعاً ما، وهي الفراطة، ونقول هنا مشكلة لأنها تزيد من التضخم لكن بطريقة خفية. حيث تعد الفئات الصغيرة من العملة مثل 10 و5 مفقودة من السوق، في الوقت الذي يعتمد معظم الناس عليها لدفع أجور النقل العام، وعمليات البيع والشراء الصغيرة. والمضحك في الأمر أن المواطنين اخترعوا طريقة كبديل عن الفراطة، مثل علكة أو بيضة أو حتى حبة بندورة! لكن الخبراء هنا كان لهم رأي في هذه الحالة، وهذا ما سننقله لكم في هذا المقال.
الفراطة تختفي… والأسواق تبحث عن حلول مؤقتة
“معك عشرة” هذه أكثر كلمة متداولة اليوم في السوق بين البائعين والزبائن، حيث يعتمد كثيرون عليها في عملهم، فمثلاً سائق الحافلة قد لا يجد ورقة من فئة 10 ليرات ليعيد للراكب باقي الأجرة، والصيدلي أو صاحب البقالة يواجه المشكلة نفسها مع عشرات الزبائن يومياً.
وكالعادة استطاع السوريون التغلب على المشكلة بإيجاد حلول مؤقتة. بعض التجار يقربون الأسعار إلى الأعلى، بينما آخرون يعيدون الباقي للزبون كسلعة بسيطة، مثل قطعة حلوى أو حتى بيضة في بعض الحالات. وعلى الرغم من أن هذه الحلول تبدو عملية، إلا أنها ليست عادلة دائماً، لأن المواطن هو من يتحمل الفرق في النهاية، ولأن المشكلة ليست في صرف نقود الباقي، بل لأنها تتكرر مع كل عملية شراء، وتسبب خلافات بين البائع والمشتري، وبين السائق والراكب، مما يزيد من التوتر اليومي بسبب معاملة مالية بسيطة.
لماذا تأخر إصدار الفئات الصغيرة؟
كثير من المواطنين يتساءلون عن سبب غياب الفراطة أو العملة من الفئات الصغيرة، خصوصاً وأنها الأكثر تداولاً بالنسبة للمواطنين. وفي الحقيقة التفسير موجود عند خبراء الاقتصاد الذين يرجعون السبب إلى عدة عوامل، فبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، هناك احتمالات عديدة للمشكلة، ومنها وجود تقديرات لدى السلطة النقدية بأن التضخم قد يقلل بسرعة من القيمة الشرائية للفئات الصغيرة، لذلك قد لا يكون إصدارها له جدوى اقتصادية كبيرة، خصوصاً أن تكلفة إنتاج الورقة النقدية الصغيرة تساوي إنتاج الفئات الأكبر، بينما يكون عمرها في التداول أقصر.
لكن هناك تفسيراً آخر مهم أيضاً بحسب عبد الكريم، وهو الجانب التنفيذي. فعملية استبدال نحو 13 مليار قطعة نقدية فرضت على مصرف سورية المركزي إعطاء الأولوية لطباعة الفئات كثيرة الاستخدام، في حين أن إصدار الفئات الصغيرة، إذا كانت على شكل مسكوكات معدنية، يحتاج إلى عمليات تصنيع وعقود مختلفة تستغرق وقتاً أطول.
ويؤكد عبد الكريم أن المشكلة ليست في التأخير بحد ذاته، وإنما في غياب إعلان واضح يحدد موعد طرح الفئات المتبقية، لأن هذا الغموض يدفع الأسواق إلى بناء توقعات قد تنعكس لاحقًا على الأسعار.
كيف تؤثر الفئات الصغيرة في الأسعار؟
ربما يرى البعض أن غياب الفئات الصغيرة من العملة لا يؤثر كثيراً على عمليات البيع والشراء في السوق، وبالتالي لا يجب أن يكون الموضوع مهماً لهذه الدرجة. لكن للخبراء رأي آخر.
فبحسب الدكتور محمود عبد الكريم، يؤدي غياب الفراطة إلى تحول تقريب الأسعار من حالة استثنائية إلى ممارسة يومية. وإذا خسر المواطن بضع ليرات في كل عملية شراء، فسيؤدي ذلك إلى تراكمها مع الوقت، مما يحولها إلى عبء مادي على المواطنين، خصوصاً بالنسبة للأسر محدودة الدخل التي تعتمد على عمليات شراء صغيرة ومتكررة. ويصف عبد الكريم هذا الأثر بأنه يشبه “ضريبة غير معلنة” يدفعها المواطن من دون قرار رسمي.
بينما أطلق الخبير الاقتصادي عمر السيد مصطلحاً آخر لأزمة الفراطة، وهو لفظ “تضخم التقريب”، فبدلاً من أن تحدد الأسعار وفق التكلفة الحقيقية، يبدأ بعض التجار بتعديلها لتتناسب مع الفئات النقدية المتوفرة، فتتحول أسعار مثل 12 أو 23 ليرة إلى 15 أو 25 ليرة، لأن إعادة الباقي أصبحت صعبة.
ويشير الخبير المالي والنقدي أنس الفيومي إلى أن التداول يتركز حالياً في الفئات الكبيرة مثل 100 و200 و500 ليرة، بينما تبقى الفئات الصغيرة نادرة، وهذا ما يجعل السوق يلجأ إلى حلول غير رسمية، مثل تقريب الأسعار أو استبدال الباقي بسلع، الأمر الذي يضعف الثقة بعملية استبدال العملة ويخلق تشوهات في التعاملات اليومية.
وبالرغم من ذلك، فإن عدداً من الخبراء لا يرجعون سبب التضخم إلى فقدان الفئات الصغيرة، فارتفاع الأسعار يرتبط أيضاً بعوامل أخرى مثل سعر الصرف، وتكاليف الإنتاج، والكتلة النقدية، لكنه يساهم في زيادة شعور المواطنين بارتفاع الأسعار ويكرس زيادات غير مبررة في عدد من السلع والخدمات.
ما المطلوب لإنهاء الأزمة؟
يرى الخبراء أن الأزمة تنتهي مع الإسراع بطرح الفئات الصغيرة، خصوصاً فئتي الليرة والخمس ليرات، مع ضخ كميات أكبر من فئة 10 ليرات في القطاعات التي تعتمد عليها في معاملاتها الرسمية مثل وسائل النقل والصيدليات والأسواق.
وتعددت الاقتراحات لمعالجة المشكلة، حيث يقترح الدكتور محمود عبد الكريم وضع جدول زمني واضح لإصدار الفئات المتبقية، وتوسيع مراكز استبدال العملة في المحافظات، وتخفيف شروط استبدال بعض الفئات القديمة، بالإضافة إلى وضع قواعد عادلة لتقريب الأسعار حتى لا يتحمل المواطن الخسارة في كل مرة.
أما عمر السيد فيرى أن الحل طويل الأمد يتمثل في التوسع بالدفع الإلكتروني، لأنه يسمح بدفع المبالغ بدقة ويحد من الحاجة إلى الفراطة. لكن في نفس الوقت يشدد على أن هذا الخيار يحتاج إلى تحسين البنية التحتية، وزيادة انتشار المحافظ الإلكترونية، وتسهيل فتح الحسابات المصرفية، لذلك لا يمكن أن يكون بديلًا فوريًا عن توفير الفئات النقدية الصغيرة.
وعلى الرغم من أن عملية استبدال العملة انتهت بنجاح بالنسبة للمركزي، إلا أن النجاح الحقيقي يكمن في قدرة المواطن على استخدام العملة الجديدة بسهولة في حياته اليومية، من دون أن يخسر جزءاً من حقه عند كل عملية شراء.
باختصار، قد لا تبدو فكرة فقدان الفراطة من السوق ذات أهمية، لكن لا يمكننا نكران أنها جزء من عملية نجاح استبدال العملة والإصلاح النقدي بشكل عام. والمواطن وحده قادر على إظهار حجم تأثير هذا الفقدان على مدخراته، حيث إنها تتحول مع الوقت إلى عبء مالي، وبالتالي تؤثر على الثقة بالعملة الجديدة.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: سحب العملة القديمة من التداول









