المجتمع السوري

عكارة مياه الشرب في اللاذقية بين التفسير الطبيعي وحق المواطن بالمياه الآمنة

بقلم: ريم ريّا

مع كل منخفض مطري كثيف تشهده السواحل السورية، تعود إلى الواجهة مشكلة قديمة بثوب جديد، مياه الشرب الموحلة. في اللاذقية، فوجئ السكان مؤخراً بمياه صنابير عكرة، محملة بالرمال والشوائب، ما أثار قلقاً مشروعاً حول سلامة المياه اليومية. الجهات المختصة سارعت إلى التوضيح بأن ما حدث “طبيعي” نتيجة الغزارة المطرية واضطراب مصادر التغذية، مؤكدةً أن المياه ستعود إلى حالتها الطبيعية مع استقرار الطقس. لكن بين التفسير الرسمي والواقع اليومي، يبرز سؤال أبعد من مجرد طمأنة مؤقتة: هل توجد في سوريا حلول عملية وفعالة لتصفية المياه وحمايتها من التلوث الموسمي، أم أننا ما زلنا نعالج المشكلة بالانتظار فقط؟

ماهي مشكلة المياه العكرة في اللاذقية

منذ أيام وسكان محافظة اللاذقية ومدينة جبلة يعانون من أزمة مياه معكرة “موحلة” نتيجة الهطول المطري الكثيف الذي شهدته المحافظة. حيث تتشكل ظاهرة المياه الموحلة غالباً بعد الهطولات المطرية الغزيرة نتيجةً لازدياد الجريان السطحي الذي يحمل معه كميات كبيرة من الأتربة والرمال والمواد العضوية إلى الأنهار والينابيع ومصادر المياه السطحية.

في المناطق الساحلية مثل اللاذقية، يؤدي تشبع التربة بالمياه إلى انجراف الرواسب الدقيقة باتجاه مصادر التغذية المائية، ما يرفع نسبة العكارة بشكل مفاجئ. كما أن شبكات الميه القديمة أو غير المعزولة بشكل جيد، تكون أكثر عرضة لتسرب هذه الشوائب، خاصةً عند تغيير الضغط داخل الأنابيب أثناء العواصف المطرية، وهذه الظاهرة معروفة في علم الهيدرولوجيا، وغالباً ما تكون مؤقتة، لكنها تكشف هشاشة أنظمة المعالجة والتصفية في غياب محطات حديثة قادرة على التعامل مع الارتفاع المفاجئ للعكارة.

عكارة المياه إلى جانب اكتشاف تسريب مائي كبير، أدّيا إلى توقف طارئ ومؤقت لعملية ضخ المياه عبر خط الجر الرئيسي الأول، إثر اكتشاف تسرب مائي كبير في محيط مفرق الحويز. وقد تحركت على إثر ذلك فرق الصيانة الطارئة على الفور إلى موقع العطل، وبذلت جهوداً مكثفةً لإجراء الإصلاحات اللازمة بأقصى سرعة ممكنة. ونتيجة لذلك تأثر إمدادات المياه في الأحياء والمناطق التالية حتى انتهاء أعمال الإصلاح:

  • القسم الجنوبي من مدينة اللاذقية.
  •  البرجان.
  •  العيدية.
  • منطقة الحويز الغربية.
  • مقص جبلة.
  • منطقة الكلية البحرية ومحيطها.

اقرأ أيضاً: بورصة العطش .. كيف تحولت المياه في دمشق إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب؟

معدلات الهطول المطري في محافظة اللاذقية

أسهمت الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها محافظة اللاذقية خلال الفترة الماضية مع نهاية عام 2025 في عودة جريان نهر الكبير الشمالي، ما انعكس إيجاباً على الوارد المائي ورفع منسوب التخزين في بحيرة سد مشقيتا الواقعة على مجرى النهر، وعزز الآمال بموسم زراعي جيد.

صرح مدير الموارد المائية في اللاذقية، المهندس محمود قدار لوكالة الأنباء الرسمية “سانا”، أن بحيرة سد مشقيتا تعد ركيزة أساسية لدعم القطاع الزراعي في المحافظة، حيث تؤمن ري نحو 21 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. مضيفاً: الجفاف وقلة الموسم المطري العام الماضي أثرا سلباً على التخزين المائي وموسم الري، ما استدعى تطبيق خطط تقنين لضمان تأمين مياه الشرب.

أما الموسم الحالي بدأ بشكل أفضل مع عودة جريان النهر، حيث ارتفعت نسبة التخزين من نحو 20% في نهاية الموسم الماضي إلى 21% حالياً، مع توقع تحسن الوارد المائي في حال استمرار الهطولات. وفي في محافظة اللاذقية، كان النصيب الأكبر من الأمطار لمنطقة القرداحة والتي وصلت إلى 60 ملم، تليها بوقا 18.5 واللاذقية المدينة 18.1، ثم صلنفة 17 ملم، وجبلة منطقة حميميم 17.4، لتتتالى باقي المناطق بنسب ضئيلة.

ووفقاً لما صرح به مدير إدارة الطوارئ والكوارث في اللاذقية عبد الكافي كيال لإحدى الصحف المحلية، قد تصل كميات الهطول بين 75 و90 ملم داخل المدن الساحلية، و100 ملم في المناطق الجبلية، وسجلت اللاذقية استمرار الأمطار بوتيرة تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة مع فترات غزارة متقطعة، خاصة في المناطق الساحلية والشمالية والجبلية.

هل تتم معالجة المياه في سوريا بشكل صحيح وتصفيتها؟

الحقيقة، بالرغم من امتلاك سوريا لمعرفة تقنية وخبرة محلية في مجال تصفية المياه، فإن واقع معالجة تلوث المياه سواء من العكارة أو من رواسب التربة والصرف الصحي ما يزال دون مستوى الحاجة الفعلية، سواء فيما يتعلق بعكارة مياه الشرب أو بتلوث المياه بالصرف الصحي والصناعي.

على المستوى التقني، تعتمد التصفية على منظومات معروفة تشمل الفلاتر الرملية والكربونية، ومواد التبادل الأيوني “الريزين”، ووسائل التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية، مع وجود شركات محلية قادرة على تصميم أنظمة معالجة مناسبة. غير أن هذه القدرات تصطدم بواقع بنيوي متدهور، إذ تشير التقديرات إلى تضرر نحو ثلثي محطات معالجة المياه، ونصف محطات الضخ، وربع محطات معالجة الصرف الصحي خلال سنوات الصراع. ما أفقد منظومة المياه قدرتها على الاستجابة المستقرة، خاصةً  خلال الأزمات المناخية كالهطولات المطرية الغزيرة أو فترات الجفاف.

أجريت دراسات ميدانية من قبل جهات سورية في عام 2014 – 2015، عكست هذا الخلل بوضوح، إذ أظهرت أبحاث نوعية حول تلوث مياه الأنهار المستخدمة في الري تجاوز تركيز عنصر الكادميوم في جميع نقاط القياس والفصول الحد المسموح به للتصريف إلى البحار، حيث تراوحت القيم بين 0.73 و0.88 مغ/ل، مقابل حد معياري لا يتجاوز 0.05 مغ/ل، ما يشير إلى ضعف معالجة الصرف الصناعي والمختلط. ورغم بقاء معظم المؤشرات الأخرى ضمن الحدود القياسية السورية، فإن استمرار التلوث المعدني يشكل خطراً تراكمياً على التربة والمياه الجوفية، وهو ما أكدته زيادة الناقلية الكهربائية وارتفاع تركيز الكادميوم في الترب المحيطة بالمصبات.

أما على المستوى الخدمي، تعكس تصريحات مسؤولي مؤسسات المياه، كما هو الحال في مدينة اللاذقية وجبل الأكراد الواقع في المحافظة، حجم الفجوة بين الحاجة والإمكانيات، حيث ما تزال لحلول المطروحة تحمل الطابع الإسعافي منخفض التكلفة، مثل: إعادة التأهيل الجزئي لمحطات مدمرة أو الاعتماد على مصادر محلية مدعومة بالطاقة الشمسية.

بالمقابل، يتحمل السكان عبء الفشل البنيوي بشكل مباشر. ما ينقص سوريا اليوم ليس المعرفة التقنية ولا النماذج النظرية، إنما استراتيجية وطنية متكاملة تعالج تلوث المياه من جذوره، تشمل بذلك: تحديث البنية التحتية، إضافةً إلى ضبط الصرف الصناعي والزراعي، إدماج التكيف المناخي في التخطيط المائي، وتأمين تمويل مستدام وخبرة فنية بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة وانتظار أن “تستقر الحالة الجوية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى