عضو اللجنة لـ «سوريا اليوم 24»: أصبت برصاصتين.. ماذا جرى في المزة 86 ولماذا الآن؟!

الكاتب: أحمد علي
شهد حي مزة 86 في دمشق توتراً أمنياً خطيراً مساء يوم أمس الثلاثاء 16 حزيران 2026، وتصدرت أخبار ما جرى وسائل التواصل الاجتماعي حتى لحظة كتابة هذا المقال، وسبب ذلك ليس كون التوتر له طبيعة أمنية فقط، بل لأن الحي نفسه يحمل ذاكرة ثقيلة ويقع داخل مدينة ما زالت تحاول الخروج من سنوات الخوف والثأر والفرز. لذلك بدا ما جرى أكبر من مظاهرة، وأصغر من انفجار شامل…
ربما يصح وصفه بأنه كان إنذاراً كبيراً على سلامة البلاد، خصوصاً أن هذا الحي، ودوناً عن غيره كان من الأحياء السبّاقة للصلح مع السلطات الجديدة وأطلق مبادرة لتسليم السلاح توّجت بحل ضمنت فيه القيادة الأمنية في دمشق حينها بعدم السماح بأي اعتداء على الحي وأهله، ومضى على هذا الاتفاق أكثر من عام…
ما حصل يوم أمس، هو خروج تجمعات من جامع المزة الكبير والتوجه إلى المزة 86 بذريعة المطالبة بمحاسبة عناصر من النظام السابق، وحملت هتافات ضد من وُصفوا بـ«الشبيحة» أو «أنصار الأسد»، لكن تضمنت الصيحات خطاباً طائفياً مقيتاً وسباب وشتائم، وما بعد الدخول إلى الحي، قامت هذه التجمعات بتكسير عدد غير قليل من المحال التجارية، كما تعرض عدد من الشبان لطعن بالسكين، غير أن عناصر ضمن هذه التجمعات كانت تحمل السلاح وتطلق الأعيرة النارية في السماء وسط تهديدات لأهالي الحي.
انتشرت قوى الأمن الداخلي لاحقاً في محيط الحي، وأُرسلت تعزيزات لضبط الوضع بعد التوتر وأعمال الشغب التي طالت ممتلكات المدنيين، والتي أصيب عبرها أحد أعضاء لجنة الحي المعينة والمصادق عليها من المحافظة أثناء محاولته حل المشكلة الحاصلة. تواصل «سوريا اليوم 24» مع عضو اللجنة وأكّد لنا أن طلقتين وجهتا له، واحدة أصابت السيارة والأخرى عبرت من جانب رأسه وسببت له خدشاً وحرقاً في الرأس، وكانت على وشك أن تقتله.
المزة 86 ليست ملفاً أمنياً فقط
المزة 86 ليست حيّاً عادياً في المخيال السوري الحديث. فقد ارتبط اسمها خلال سنوات طويلة بعائلات عسكرية وأمنية، وبفئات اجتماعية محسوبة، عن حق أو عن تعميم، على بنية النظام السابق. هذا لا يعطي أحداً حق العقاب الجماعي. ولا يلغي في المقابل حق الناس في المطالبة بالمحاسبة.
وهنا تقع العقدة ربما. المطالبة بالعدالة مشروعة، لكن تحويل العدالة إلى طرد جماعي أو اقتحام أحياء أو كسر ممتلكات يفتح باباً آخر، لا علاقة له بالمحاسبة. المحاسبة تحتاج إلى أسماء وملفات ومحاكم. أما الغضب حين يتحول إلى عنوان طائفي أو مناطقي، فإنه لا يضرب المتهمين وحدهم، بل يضرب فكرة الدولة نفسها.
لهذا بدا حضور الأمن الداخلي ضرورياً، لا بوصفه طرفاً ضد الناس، بل بوصفه حاجزاً بين مطلب عادل ومسار خطير. إذا تُرك الشارع وحده أمام تركة الانتهاكات، فإن الاحتمال الأسوأ يصبح قريباً. وإذا اختبأت الدولة خلف عبارة «التهدئة» من دون خطوات قانونية واضحة، فإن الغضب سيعود.
قبل المزة 86 بأيام قليلة، ظهر توتر مشابه في محيط عش الورور، حيث تحدثت منشورات وتغطيات عن مظاهرة غير مرخصة وشعارات ذات طابع طائفي، وعن إجراءات أمنية لمنع الاحتكاك. كما أعاد العثور على رفات بشرية في المنطقة خلال أيار 2026 فتح جانب من الذاكرة المؤلمة. مرة أخرى، نحن أمام المزيج نفسه: ضحايا يريدون معرفة ومحاسبة، ومجتمع خائف من أن تتحول المحاسبة إلى انتقام.
من العدالة إلى الفوضى؟
شهدت الأيام الماضية حراكاً أوسع في سوريا تحت عنوان العدالة الانتقالية. في دير الزور، نُصبت خيمة اعتصام للمطالبة بمحاسبة المتورطين بانتهاكات زمن النظام السابق. وفي حلب وريف دمشق ومناطق أخرى، خرجت احتجاجات ترفض إعادة تعويم شخصيات محسوبة على السلطة السابقة. وهذه المطالب ليست طارئة، هي نتيجة طبيعية لتأخر العدالة، ولإحساس قطاعات واسعة بأن سقوط البنية السياسية القديمة لا يكفي إذا بقيت بعض شبكاتها الاجتماعية والمالية والأمنية تتحرك بلا مساءلة.
لكن السؤال الأصعب هو كيف تُدار هذه المطالب. لا يمكن لمجتمع خرج من حرب طويلة أن يواصل حياته فوق مقابر مفتوحة وملفات مؤجلة، ولا يمكن للدولة الجديدة أن تطلب الهدوء فقط. الهدوء بلا عدالة يتحول إلى ضغط مؤجل، والعدالة بلا قانون تتحول إلى فوضى.
المزة 86 وعش الورور يضعان هذا السؤال أمام الجميع. من حق الأهالي والضحايا وذوي المفقودين أن يطالبوا بالمحاسبة. ومن حق سكان الأحياء، أياً تكن خلفياتهم، أن لا يعيشوا تحت تهديد جماعي، لكن بين الحقين توجد الدولة. إن لم تتقدم هي، سيتقدم غيرها. وإن لم تُنتج مساراً واضحاً للمحاسبة، سيحاول الشارع إنتاج مساره الخاص، وهنا يكمن الخطر الكبير.
الأمر لا يقتصر على ملف العدالة، هناك احتجاجات مطلبية واجتماعية تتسع أيضاً، فلاحون اعترضوا على تسعيرة القمح، عمال نفذوا وقفات وإضرابات، ومعلمون وموظفون وطلاب يرفعون مطالب مرتبطة بالعيش والعمل والحقوق. هذه البيئة تخلق ضغطاً حقيقياً على السلطة. حين يرتفع الصوت الاجتماعي، يصبح دفع البلاد نحو عناوين أهلية وطائفية وسيلة لإزاحة النقاش من الأجور والأسعار والقمح والعمل إلى سؤال الخوف والهويات.
لماذا الآن؟
يمكن فهم التوقيت من أكثر من جانب، القراءة الأولى خارجية. «إسرائيل» ومشروعها في المنطقة تلقيا ضربة سياسية كبيرة بنتيجة الاتفاق الأمريكي المعلن عنه مع إيران. في هذه اللحظة، تصبح الفوضى في سوريا مغرية لمن يريد تعويض الخسارة أو خلط الأوراق. سوريا هدف أول في هذا الإطار، لأنها ما زالت دولة خارجة من انتقال صعب، ومجتمعها محمّل بذاكرة مفتوحة، ومؤسساتها لم تستعد بعد كامل قدرتها على ضبط المجال العام.
الجانب الخارجي الثاني يرتبط بالضغط على دمشق في ملف لبنان وحزب الله. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت واضحة حين تحدث عن أن سوريا يمكن أن تقوم بدور في التعامل مع حزب الله، وأنه يريد ضربات أكثر دقة ضد الحزب. فهذه ليست جمل إعلامية عابرة. هي إشارة إلى اتجاه في التفكير الأميركي، يقوم على دفع دمشق إلى وظيفة أمنية إقليمية شديدة الحساسية.
ويبدو أن العدو الخارجي يفكر الآن بالشكل التالي: كلما ارتفع التوتر داخل سوريا، صارت السلطة أضعف، وكلما صارت أضعف، ازدادت قابلية الضغط الخارجي عليها.
هذا لا يعني أن كل توتر داخلي صُنع في الخارج. هذا تبسيط مضر، لكن لا يمكن إهمال العامل الخارجي بطبيعة الحال. لذلك، العامل الداخلي موجود بقوة أيضاً. هناك من له مصلحة في دفع البلاد نحو حرب أهلية مصغرة أو واسعة، لأن ذلك يغطي على الاحتجاجات المطلبية المتصاعدة، ويعيد الناس إلى منطق الاصطفاف والخوف بدل منطق الحقوق والخبز والعدالة. العمال والفلاحون والطلاب وأصحاب المطالب الاجتماعية لا يخيفون الفاسدين والمنتفعين إذا جرى حبسهم داخل سؤال طائفي، بل يخيفونهم حين يبقون في ساحة المطلب الوطني والاجتماعي.
في الخلاصة، ينبغي إدراك ما يتربصه الخارج في البلاد، وينبغي عدم السماح لهذه الفئات من الناس بأخذ البلاد صوب الهاوية في هذه اللحظات الحساسة، وكذلك ليس المطلوب تهدئة الناس كي ينسوا، ولا تركهم يحاسبون بأيديهم، بل مسار عدالة انتقالية منهجي وواضح ومعلن وحقيقي… المطلوب دولة ترى الجرح وتداويه وتمنع تحويله إلى حرب كبرى تجري فيها الدماء في الشوارع من جديد، والمزة 86 قالت ذلك بصوت عال يوم أمس، ومن لا يسمع الإنذار اليوم، قد يواجه حريقاً أوسع يوم غد، وهذا ما لا يتمناه أحد.
اقرأ أيضاً: رفع الكهرباء جائر.. ما المقترح الذي قدمته لجان المزة؟!









