عبيدة نحاس يدعو إلى المصارحة الاقتصادية.. لكن ماذا تعني المصارحة عملياً؟

بقلم: ضياء الدين صلاح
دعا السياسي السوري عبيدة نحاس إلى خطاب أكثر صراحة مع السوريين بشأن الصعوبات الاقتصادية التي تواجه البلاد، معتبراً أن رفع سقف التوقعات بشأن سرعة تحسن مستوى المعيشة وتدفق الاستثمارات لم يكن الخيار الأفضل، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر أكبر من المكاشفة بين الحكومة والمجتمع.
طرح نحاس هذه الأفكار في مقال رأي بعنوان «لنتصارح ونتعاضد في وجه الصعوبات»، نشرته صحيفة «الثورة السورية» في 20 أيلول 2026، على خلفية النقاش الذي أثاره ارتفاع أسعار المحروقات وما رافقه، بحسب مقاله، من احتجاجات ومخاوف من موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
لكن المقال يتجاوز قراراً اقتصادياً بعينه. فهو يفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الحكومة والمجتمع بعد سقوط النظام السابق: ماذا ينبغي أن يُقال للسوريين عن حجم الأزمة؟ وكيف يمكن إدارة الفارق بين الآمال التي رافقت التحول السياسي وبين قدرة الاقتصاد الفعلية على التعافي؟
وجدت أن عدداً من الأفكار التي يطرحها نحاس تستحق التوقف عندها، لمحاولة دفع النقاش خطوة إضافية، ومحاولة الولوج أعمق إلى مضامينها.
هل كان بالإمكان أصلاً عدم رفع سقف التوقعات؟
يرى نحاس أن رفع سقف التوقعات منذ البداية لم يكن السياسة الأفضل، لأن المسافة بين الأمل الذي يُصنع وبين الواقع الذي يعيشه المواطن يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى إحباط.
لكن السؤال الأول هنا هو: هل كان ممكناً أصلاً ألا ترتفع التوقعات؟
سقوط سلطة استمرت عقوداً، وانتهاء مرحلة سياسية شديدة القسوة، واتساع علاقات سوريا الخارجية، ثم توالي الحديث عن استثمارات واتفاقيات ومشروعات كبيرة، كلها عوامل كان من الطبيعي أن تخلق لدى السوريين شعوراً بأن تغييراً كبيراً سيصل سريعاً إلى حياتهم.
في لحظات التحول السياسي الكبرى لا ينتظر الناس تغيير شكل السلطة فقط. ينتظرون أيضاً أن تتحسن رواتبهم وخدماتهم وفرص العمل وقدرتهم على العيش.
لكن، بالرغم من ذلك، هذه الآمال لم تتشكل كلها بصورة تلقائية.
فإلى جانب الحماس الطبيعي الذي رافق اللحظة السياسية، أسهم جزء من الخطاب الصادر عن شخصيات ومنصات محسوبة على السلطة الجديدة في تقديم بعض التطورات الاقتصادية والسياسية بدرجة عالية من التفاؤل، وأحياناً من دون فصل واضح بين المشروع الذي أُعلن عنه والمشروع الذي بدأ فعلاً، أو بين الطموح السياسي والنتيجة الاقتصادية القريبة.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود رغبة متعمدة في تقديم صورة غير صحيحة، لكن المحصلة كانت في بعض الحالات رفع مستوى التوقعات إلى حدود لم يكن الاقتصاد قادراً بعد على تلبيتها.
وهنا تصبح دعوة نحاس إلى الواقعية مفهومة، لكنها هي الأخرى تمثل انتقالاً يحتاج إلى إدارة. فالواقعية لا تصبح مقنعة بمجرد خفض نبرة التفاؤل. تصبح كذلك عندما تكون الصورة الجديدة أكثر دقة، وأكثر قابلية للفهم والاختبار من الصورة التي سبقتها.
وكي نكون منصفين، فقد أشار نحاس في مقاله إلى ذلك بشكل أو بآخر، منوهاً إلى أن للمصارحة شروط يجب تحققها.
الاحتجاج حق.. فهل حان وقت مأسسته؟
واحدة من أكثر الأفكار أهمية في مقال نحاس هي إقراره بحق السوريين في الاعتراض على القرارات الحكومية التي يرون أنها تضر بمصالحهم.
يقول إن السوريين خرجوا من دولة كان الاعتراض فيها على قرار حكومي يمكن أن يجر صاحبه إلى الاعتقال أو ما هو أسوأ، وإن من حقهم اليوم الاحتجاج، كما أن من واجب الحكومة أن تسمعهم وتشرح قراراتها، وأن تعيد النظر فيها عندما تجد ما يستوجب ذلك.
هذه العبارة تستحق أن نذهب معها إلى مدى أبعد.
فالانتقال من دولة كان الاعتراض فيها مخاطرة إلى دولة يُعترف فيها بحق المواطن في الاحتجاج ليس مجرد تغيير في سلوك السلطة. إنه يحتاج مع الوقت إلى مؤسسات تنظمه.
إذا اختلف أصحاب الأعمال مع قرار اقتصادي، أين يعترضون؟
إذا رأى الموظفون أن سياسة ما أضرت بدخولهم، من يمثلهم؟
وإذا أرادت نقابة أو مجموعة مهنية مناقشة قرار قبل صدوره أو المطالبة بتعديله، فما القناة التي تتيح لها ذلك؟
المقصود هنا ألا يبقى الشارع الأداة الوحيدة المتاحة عندما يفشل الحوار.
لا يستخدم نحاس تعبير «مأسسة الاعتراض»، لكن لا أعتقد أن سياسي مخضرم يتحدث عن الحق بالاعتراض دون أن تكون وسائله واضحة في مضامين حديثه.
إن هذه نقطة سياسية مهمة تستحق البناء عليها، فالحق الذي لا يجد مؤسسة تحميه وتنظمه يبقى معرضاً لأن يُدار من أزمة إلى أخرى.
المصارحة.. ومن بعدها الشفافية
لا يقدم نحاس المصارحة باعتبارها مطالبة للسوريين بالصبر فقط.
وهذه نقطة مهمة في قراءة مقاله.
فهو يقول بوضوح إن الحكومة التي تطلب من الناس تحمل صعوبات المرحلة يجب أن تتوقع منهم، في المقابل، مراقبة أدائها، والسؤال عن الإنفاق والفساد وكفاءة المؤسسات، والمطالبة برؤية نتائج التضحيات التي يقدمونها.
وهنا يلتقي طرحه مع نقطة نرى أنها أساسية: الشفافية.
إذا كان المطلوب أن يعرف المواطن حقيقة الوضع الاقتصادي، وحجم موارد الدولة، وأسباب القرارات الصعبة، فلا يمكن أن تعتمد هذه المعرفة على استعداد مسؤول ما للكلام، أو على قرار مؤسسة ما بكشف معلومة وإخفاء أخرى.
الشفافية ليست مزاجاً إدارياً. هي تحتاج إلى مؤسسات وقوانين تتيح الوصول إلى المعلومات العامة، وتحدد بوضوح ما الذي يجب نشره، وما الذي يمكن حجبه، وتحت أي شروط.
وهذا يفترض أن تكون المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام والسياسات والعقود والقرارات والبيانات الاقتصادية متاحة وفق قواعد معروفة، لا أن يكون الأصل هو الإخفاء والاستثناء هو الكشف. المصارحة بداية مهمة، لكن ضمانها على المدى الطويل يحتاج إلى مؤسسة وقانون شفافية.
حماية الفئات الأضعف.. ماذا نعني بذلك؟
يشير نحاس إلى ضرورة حماية الفئات الأضعف من آثار القرارات الاقتصادية الصعبة.
وتبدو العبارة متفقاً عليها إلى أن نصل إلى سؤال: كيف؟
هنا تبدأ الخلافات الحقيقية.
في النقاش السوري توجد أفكار متعددة حول الطريقة الأنسب لحماية أصحاب الدخل المحدود والفئات الأكثر تعرضاً للضغط الاقتصادي.
هناك من يرى أن الحل في استمرار دعم عدد من السلع والخدمات الأساسية.
وهناك من يعتبر أن الدعم العام يستنزف موارد الدولة ويصل إلى أشخاص لا يحتاجون إليه، ويفضل بدلاً منه توجيه المساعدات مباشرة إلى الأسر الأكثر احتياجاً عبر آليات ولجان وغيرها.
وثمة من يطرح المسألة من زاوية إعادة توزيع العبء، بحيث تتحمل الشرائح الأعلى دخلاً وثروة جزءاً أكبر من كلفة المرحلة.
فيما تطرح رؤى أخرى فكرة أن سوريا تحتاج إلى فترة من التقشف يتحمل خلالها المجتمع كلفة معينة إلى أن يتحسن وضع المالية العامة والاقتصاد.
كل هذه التصورات يمكن أن تندرج تحت عبارة واحدة هي «حماية الفئات الأضعف»، لكنها في الواقع سياسات مختلفة، وقد تنتج آثاراً اجتماعية واقتصادية مختلفة جذرياً.
لذلك ربما تحتاج سوريا خلال هذه المرحلة إلى حد أدنى من التوافق الوطني حول معنى هذه الحماية وطريقتها، وكيف توزع الكلفة بحيث تحظى السياسة بقدر معقول من القبول الاجتماعي
هنا يبدو القول الشائع مناسباً: الشيطان يكمن في التفاصيل. فلا خلاف تقريباً على ضرورة حماية الأضعف، لكن تفاصيل الحماية هي التي ستحدد من يدفع، ومن يحصل على المساعدة، وكم تستطيع الدولة الاستمرار في ذلك.
الواقعية ليست دعوة لخفض سقف الأداء
يمكن بسهولة أن يُساء فهم دعوة نحاس إلى الواقعية.
قد يقرأها البعض باعتبارها رسالة للسوريين بأن عليهم خفض توقعاتهم وقبول نتائج أقل مما كانوا ينتظرونه.
لكن قراءة المقال كاملاً لا تقود إلى هذه النتيجة.
فنحاس نفسه يربط المصارحة بالمساءلة، ويتحدث عن حق المجتمع في السؤال عن الفساد والإنفاق والكفاءة، ولا يقدم السوريين باعتبارهم جمهوراً مطلوباً منه الانتظار بصمت.
وهو يشير أيضاً إلى كتابه الجديد «التسوير»، الذي يقول إنه يناقش فيه أهمية اعتماد استراتيجية اتصال تقوم على المكاشفة، انطلاقاً من فكرة أن وضوح التحديات يمكن أن يدفع السوريين إلى المبادرة والإبداع والمشاركة في الحل.
أي أن الواقعية التي يتحدث عنها لا تبدو محاولة لتقليص الطموح بقدر ما تبدو محاولة لإعادة تأسيسه على صورة أكثر دقة للواقع.
الخطر الوحيد هو أن تختلط الفكرتان لاحقاً. فخطاب «المرحلة صعبة» يمكن أن يكون صادقاً وضرورياً، لكنه يمكن أيضاً، إذا فقد المقاييس والشفافية، أن يتحول إلى عبارة لا يعرف المواطن متى تنتهي ولا ماذا يجب أن يتحقق خلالها.
وهنا نعود إلى الفكرة التي يطرحها نحاس نفسه: المساءلة.
ربما لا نحتاج إذاً إلى «خفض توقعات» السوريين بقدر حاجتنا إلى إعادة بناء توقعات واقعية.
توقعات تبقي الطموح مرتفعاً، لكن تقول للناس بوضوح ما الذي يمكن إنجازه هذه السنة، وما الذي يحتاج إلى سنوات، وما الذي تعثر، ولماذا تعثر، ومن المسؤول عنه.
بهذا المعنى، لا يبدو النقاش الذي يفتحه نحاس دعوة إلى التعايش مع الصعوبات، بل محاولة لتحويلها إلى تحدٍّ معروف المعالم.
وإذا اقترنت هذه المصارحة بمؤسسات للاعتراض، وقوانين للشفافية، ونقاش جدي حول توزيع أعباء المرحلة وحماية الأكثر ضعفاً، فقد تصبح الواقعية التي يدعو إليها أداة لاستنهاض المجتمع، لا مجرد وسيلة لخفض سقف ما ينتظره من الدولة.
وهنا تحديداً تكمن قيمة النقاش الذي فتحه نحاس في المقال: ليس في أن يسمع السوريون أن المرحلة صعبة، فهم يعرفون ذلك في تفاصيل حياتهم اليومية، بل في أن يعرفوا لماذا هي صعبة، وما الخطة للخروج منها، وما الدور المطلوب منهم، وهو ما يجعل كلام عبيدة نحاس يستحق التمعن أكثر وأخذ مضامينه في الاعتبار السياسي أكثر.
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.








